لندن ـ «القدس العربي»: في فيلمه «صمت» (2016) يطرح مارتن سكورسيزي الأسئلة الإيمانية الكبرى، حيث نجد أنفسنا في الفيلم قبالة فيض من الأسئلة دون أن تُفرض علينا رؤية أو إجابة، بل يبقى الباب أمامنا مشرعا للتفكر والتأمل والوصول إلى إجاباتنا الخاصة.
الفيلم يطرح تساؤلات من قبيل: هل الإله موجود حقا؟ هل صمته دليل حضور أم دليل غياب؟ هل يحتاج الإيمان وما وقر في القلب فعلا إلى مؤسسة تتحدث باسمه ورجال يحملون هذا الاسم إلى أقاصي الأرض؟ هل هناك حقيقة واحدة، أم هناك حقائق بعدد أهل الأرض وما يعتقدون في قلب قلبهم؟ هل تختلف الآلهة حقا؟ هل إله المسيحية يختلف عن إله البوذية مثلا؟ ألا تنادي الأديان جميعا بنفس الأشياء وفقا لمسميات أخرى؟ أنؤمن حين نؤمن لأننا نؤمن حقا أم لأننا نريد أن نجد مخرجا لمعضلة حياتنا: إن آمنا بأن ثمة جنة في الانتظار على الجانب الآخر، فإننا سنرى أن حياتنا وعذاباتنا لم تمض هباء؟ هل يسعى من ينادي لنشر الدين، أيا كان، لمجده الشخصي أم لنشر ما يؤمن به حقا؟ هل الإيمان أمر في القلب والروح أم يحتاج إلى شعائر ورموز تثبته؟
الفيلم، الذي كتب له السيناريو جاي كوكس بالتعاون مع مارتن سكورسيزي، مقتبس عن رواية شاساكو إندو التي تحمل الاسم ذاته، وتدور أحداثه في القرنين السادس والسابع عشر، في الوقت الذي كان يعاني فيه المسيحيون في اليابان أسوأ العذاب ويتعرضون لأشد أنواع الترهيب والاضطهاد لارتداد عن دينهم، وفي الوقت الذي حظرت فيه شعائرهم حظرا تاما.
يبدأ الفيلم بصوت الأب فيريرا (ليام نيسين) يروي في رسالته الأخيرة للكنيسة، قبل اختفائه، التعذيب الذي يلقاه المسيحيون في اليابان. تصل الرسالة إلى الكنيسة الكاثوليكية في البرتغال بعد أعوام مهربة مع أحد التجار، وتصحبها شائعات أن فيريرا ذاته قد ارتد عن الدين. تأتي أنباء ارتداد فريرا بمثابة صدمة مدوية لتلميذيه الأب فرانشيسكو غاروبي (آدم درايفر) والأب سباستياو رودريغيز (أندرو غارفيلد)، اللذين يقرران السفر إلى اليابان، رغم خطورة الرحلة، فاليابان تترصد لكل من يحاول التسلل إلى أراضيها للتبشير بالمسيحية. يسافران وهدف رحلتهما دحض الشائعات حول أستاذهما الكنسي ومعلمهما الروحي.
ومع الوصول إلى اليابان والدخول إلى العالم السري للبقية الباقية من المسيحيين الذين يعيشون في الخفاء تبدأ رحلة الأسئلة والشك، الرحلة مع صمت الإله. يجد المسيحيون المعدمون المضطهدون في اليابان آذانا صاغية لاعترافاتهم لدى غاروبي وردرويغيز.
يلحظ رودريغيز أنهم يسعون إلى دليل ملموس على وجود الله، فهم يشعرون أن الرب هجرهم وتركهم ليلقوا العذاب والشقاء. يتهافت المسيحيون المضطهدون على الصلبان الصغيرة والأيقونات والمسابح التي يحملها القسان، حتى أن غاروبي يخاطب نفسه قائلا «لاحظت أنهم يبحثون عن أدلة ملموسة على الإيمان أكـثـر من بحثــهم عن الإيمان ذاته». وهنا تبدأ التـسـاؤلات الإيمانية لدى الأب رودريغيز.
نحسب أن الشخصية الرئيسية في الفيلم هو الأب رودريغز، وأن رحلته الروحية الذي يختبر فيها ذاته وإيمانه ويقينه والتي يعيش فيها مع شكوكه هي محور أحداث الفيلم وجوهره الحقيقي. يبقى معنا الأب غاروي جزءً من أحداث الفيلم ويبقى المسيحيون المضطهدون معنا جزءً من الفيلم، وتتغير وجوههم وتتبدل أوجه البطش والقهر التي يتعرضون لها، ويأتي أعضاء محاكم التفتيش اليابانية التي تصدر أحكامها على المسيحيين ويرحلون. ولكن الذي يبقى معنا طوال الفيلم والذي نشهد رحلته الروحية وتطوره الإيماني هو الأب رودريغيز.
يبدأ رودريغز رحلته الروحية بإيمان تقليدي كنسي، إيمان يسلم بالكتاب والأيقونات والصليب، ويسلم بالكنيسة والشعائر. في مستهل الفيلم نرى أن إيمانه لم يختبر ولم يتعرض لصدمات أو ابتلاءات ولم تساوره شكوك. ثم يأتي تحوله الروحي الأول حين يدرك أن الرموز الدينية لا تمثل حقا ما يعتمل في القلب من إيمان، ويكون قراره بأن يطأ المسيحيون المضطهدون صورة المسيح لينجوا بروحهم من بطش محاكم التفتيش.
يكاد قلبه أن ينفطر وهو يرى التنكيل والتعذيب والبطش الذي يشهده المؤمنون، دون أن يحرك الإله ساكنا لرفع الظلم عنهم، وهنا يسأل السؤال المحوري في الفيلم وهو في مواجهة صورة المسيح: «لم تبق صامتا في وجه هذا البطش والاضطهاد»؟
ثم ينتقل إلى تحول إيماني وروحي جديد بعد لقائه بمسؤولي محكمة التفتيش اليابانية. يخبره المحقق الياباني: «بوذا هو ما يمكن للإنسان أن يصبحه إذا ما تخلص من أوهامه. أنتم تريدون أن يغرق الإنسان في أوهامه ويعبدها». يدرك رودريغيز أن هدف الدين يجب أن يكون الفرد ذاته وحياته، وليس الإغراق في نصوص وتعاليم لا تنفع، وأن جوهر الإيمان هو القلب وليس المسميات الكنسية وليس الشعائر. يدرك أن الإيمان، إذا كان حقيقيا، فإنه سيبقى في القلب دون الحاجة إلى مؤسسات أو شعائر أو رموز. ينبذ الشعائر المسيحية ويصبح مرتدا في نظر الكنيسة، ولكن قلبه يبقى مؤمنا.
يبدو الفيلم وكأنه يضعنا أمام رؤيتين للتدين والإيمان: رؤية تنتصر للقلب والروح وتتجرد من سطوة المؤسسة الدينية والرمز الديني، وهي الرؤية التي يمثلها رودريغيز ومعلمه فيريرا. أما الرؤية الأخرى فهي الرؤية التقليدية التي تصدق في الرمز الديني وتموت دونه وتضحي بالنفس حتى لا يهان الرمز الديني، ويمثل هذه الرؤية الأب غاروبي، الذي فضل أن يضحي بروحه مع المسيحيين الذين قتلوا حتى لا يهين الصليب أو صورة المسيح. لا يفرض المخرج سكورسيزي رؤية إيمانية، ولكنه يترك الخيار للمتلقي ليقرر.
ومع التسليم بأن رودريغز هو جوهر الفيلم ومحوره، إلا أن جميع الشخصيات جاءت قوية متماسكة، ولعل مصداقية الشخصيات الثانوية هو ما يمنح رحلته الروحية الكثير من الثقل والقوة والمصداقية. يأتي رئيس محكمة التفتيش الياباني (إيساي أوغاتا) بما يعتبره حججاً قوية مفحمة، فهو ليس بالشخصية الباطشة لمجرد البطش أو الشر، فبطشه بالمسيحيين يأتي من قناعته الوطنية والدينية. يفتح سكورسيزي أمام المشاهد أبواب السجال الإيماني ويتركها مشرعة، ولا يملي إجابة أو ردا.
نسرين علام