صموئيل هاينو و«حكاية الجند»: قصص الموت في حروب القرن العشرين

حجم الخط
0

 

«عندما عدت إلى المعسكر كانوا قد حمّلوا كل شيء على العربة، وتحركنا إلى شرق المدينة حيث يُخلى الجرحى. كانوا يطرحونهم في صفوف لا تفصل بينها إلا مسافة تكفي للمسير فيها. وكان ثمة خيم للحالات السيئة حيث يتم بتر الأذرع والسيقان. وكان هناك مغسل خلف إحدى الخيم يتكوم فيه حمل حربة من الأذرع والسيقان. السيقان لا تزال تحمل الأحذية والجوارب».
يقطع الكاتب صموئيل هاينز هذا المقطع من حكاية الجندي أليشا ستوكويل وهو يصف المعسكر بعد معركة كورنت في مسيسبي في الحرب الأهلية، إضافة إلى حكايات كثيرة رواها جنود عاشوا الحروب بأنواعها المختلفة في القرن العشرين. جمع هاينز هذه الحكايات وحاول تحليل بنيتها وسردياتها في كتابه «حكاية الجند.. الحرب والذاكرة والمذكرات في القرن العشرين».
الكتاب الذي جاء في خمسة فصول،  صدر بالإنكليزية في العام 1998 روى فيها هاينز حكايات من الحروب الأهلية الأمريكية والروسية وحروب فيتنام، فضلاً عن الحروب الكورية وغيرها الكثير. وفي تصديره للطبعة العربية يقول فلاح رحيم إن كتاب صموئيل هاينز «حكاية الجند» يذكرنا أن الحروب التي لا يؤلفها المعنيون بها في أدق تفاصيلها وأكثرها حميمية تفقد هيبتها كتجربة إنسانية دالة وتتحول إلى فاجعة صماء لا تعني إلا اللامعنى. وكنت قد اكتشفت وأنا أتابع ما يتوفر عن حروبنا الحديثة في مختلف البقاع العربية أنها تمر دون احتفاء بالتسجيل على مستوى الأفراد ودون توثيق لما يمكن أن يكون هؤلاء الأفراد قد سجلوه من يوميات أو رسائل شخصية أو مذكرات.
مضيفاً أن هذا الكتاب العميق المؤثر بحثٌ جاد موسوعي صادق من أجل فهم حقيقة الحرب أولاً. ما الذي يعنيه أن يجد المرء نفسه في الخطوط الأمامية مشاركاً في القتل وضحيةً له؟ ويجد هاينز أن أفضل وسيلة لبلوغ هذه المعرفة الخاصة هي دراسة المدونات الشخصية للجند المشاركين في القتال، فيستعرض عدداً كبيراً من كتب اليوميات والمذكرات والرسائل الشخصية والروايات التي تعتمد سيرة المؤلف والتقارير الصحافية المكتوبة على خط المواجهة. وهو مسح لا يقلل سعته من عمقه، يخلص هاينز إلى تقديم صورة حية مؤثرة لطبيعة الحرب الحديثة وما تثير من مشاعر وتداعيات لدى المشاركين فيها. وبينما تنشغل كتب التاريخ والسياسة بالأرقام والسياسات والاستراتيجيات والمواقف يتركز هذا الكتاب على الأفراد الذين يقع على كاهلهم عبء المعركة الفعلية.
على صعيد آخر، ينظر هاينز لحياتنا على أنها سلسلة من الحروب التي لم يفصل بيها السلام، فما أن تهدأ حرب هنا، حتى تنشب حرب أخرى في منطقة ما.. فقد قدّر المؤرخ ول ديورانت أن هناك إجمالاً تسعة وعشرين عاماً فقط في كل التاريخ البشري لم تقع خلالها حرب في مكان ما. والمؤكد أنه لو دقق جيداً لاستطاع أن يملأ هذه الأعوام الخالية، لأن تاريخ البشرية، كما لاحظ العقيد رينتغون ذات مرة، هو تاريخ الحرب. من المؤكد أن هذا يصح على قرننا العشرين، لم يمر يوم واحد منذ بداية هذا القرن دون حرب تدور رحاها، وها نحن نصل نهاية هذا القرن ونرى أنها لا تزال تتواصل كما كان حالها دائماً: بلغ عددها في أواخر العام 1993 ثلاثين حرباً بحسب أحد الإحصاءات، واثنين وثلاثين بحسب إحصاء آخر في بداية العام 1994.
ومن وجهة نظره، فالحرب ليست حدثاً يقطع حالة معتادة تدعى السلم، إنها مناخ نعيش فيه. لذلك يكون من الطبيعي أن تثير الحرب فضولنا، بل ما هو أكثر من الفضول، نحن متورطون ومحكومون بها. ولكن بالرغم من إدراكنا هذا تثير دهشتنا ونحن نتصدى لكثرة الحروب الفعلية في زماننا كثرة الأعداد المتعلقة بها. أعداد كبيرة من الجنود، ومن المعارك، ومن القتلى، عدد قتلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وحدهما من العسكريين بلغ خمسة وعشرين مليوناً يُضاف إليهم أعداد لا حصر لهم من المدنيين (وفي أحد التقديرات أن عددهم يصل إلى ستين مليوناً، لكنه مجرد تخمين. هناك ببساطة أعداد كبيرة من القتلى في عدد كبير من الأماكن مما يتعذر إحصاؤه، أحياناً لم يبق على قيد الحياة من يقوم بالإحصاء).
في حديثه عمّا جمعهه وحلله في كتابه، يؤكد أن هذا الكتاب ليس تاريخاً للحرب، أو حتى لسرديات الحرب، بل هو انهماك يغلب عليه الطابع الشخصي بالموضوع: تأملات في قصص الحرب التي يكتبها الرجال، أو دراسة فيها، أو ربما أفكار عن سرديات الحرب لا أكثر. ولقد تركز انتباهه على سرديات القرن العشرين أساساً لأن حروبه هي حروبنا، تبقى حاضرة في عالمنا التاريخي وفي مخيلاتنا على حدٍّ سواء.
غير أن من يروي حكاية الجند هم المقاتلون أنفسهم فإنها حكاية خصوصيات: رجل واحد أو مجموعة صغيرة من الرجال في خندق أو على الساحل، في طائرة أو على ظهر سفينة، يمارسون فعلاً، تنتابهم مشاعر، يكابدون معاناة. ولأنها حكاية خاصة فإنها حكاية الحرب البشرية.. ولهذا لم يدخل في كتابه الحكايات التي رواها الجنرالات من جهة، ولا التي كتبها محترفون على ألسنة الجنود من جهة أخرى، بل اشتغل على الحكايات التي كتبها الجنود أنفسهم، الذين عايشوا الحرب ودخلوا في أتونها وأضاعوا سنيناً طويلة من عمرهم فيها. ولهذا يشير إلى أن القصص التي يكتبها الرجال عن الحرب تنتمي إلى فئة طريفة من الكتابة. لا نجد في أغلب سرديات الحرب ما يوحي بأن المؤلف يعي ودجود أي مثال سابق: لا وجود لمقتبسات أو إحالات لمقتبسات أو محاكاة لنماذج سابقة، ولا دليل على معرفة بحروب سابقة أو حتى بالقواطع الأخرى للحرب التي يتذكرها. يبدو أن الكتابة الحربية تمثل جنساً أدبياً دون تقليد يعتمد عليه كتّابها. لكنها بالرغم من ذلك تحتل مكاناً بين الأنواع الأدبية المكرّسة: يمكن القول إن مثل هذه الكتابة تشبه إلى حدٍّ ما أدب الرحلات، أو السيرة الذاتية، أو التاريخ.
فهي تشبه أدب الرحلات لأن الحروب تقع عادة في أماكن أخرى، في أماكن غير مألوفة وغريبة على الجنود العاديين، في جزرٍ، أو صحارى، أو على الجبال، وفي مناطق مفتوحة خربة لا تشبه في شيء ما يعرفونه في بلادهم الأصلية.
من ناحية أخرى، تشبه مذكرات الحرب السيرة الذاتية لأنها سرد شخصي يخص رجلاً واحداً يعيش حياته، بالرغم من أن الأدق اعتبارها فئة فرعية تابعة لهذا الجنس الأدبي، هي فئة أدب التحوّل، ما دامت تقدّم شهادة عن تغير عميق يمر به الراوي.
فضلاً عن ذلك تشبه سرديات الحرب التاريخ إلى حدٍّ ما، لابد لكل سرد عن الحرب أن يتحرك داخل تعاقب زمني لأحداث تقع في العالم الواقعي، لابد أن تكون لمعارك الراوي، مهما كانت ثانوية، أماكنها التاريخية بين المواقع العظيمة، ولابد لتجاربه أن تتصل بقرارات أصدرها قادة تاريخيون.
وهذا ما يجعل سرديات الحرب لا تشبه السيرة الذاتية أيضاً. تروي السيرة الذاتية حياة متواصلة، بينما يهتم سرد الحرب بحياة منفصلة لا تتصل مع الحياة التي يعيشها الراوي في لحظة الكتابة مهما كان تصويرها قوياً عالقاً بالذاكرة. يتطلع الجنود القدماء وهم يستعيدون أنفسهم شباباً محاربين إلى الوراء كما لو أنهم يتطلعون إلى شخص غريب بعيد.
مبيناً أنه إذا كانت العاطفة التي تجمع الرجال مختلفة خلال الحرب، فإن الأمر على نقيضها: العداوة والتعبير عنها بالعنف. هناك لحظات في الحرب يختلف فيها الرجال، يقترفون ما يمكن لهم وصفه في حياتهم الاعتيادية بالوحشية واللاإنسانية. فالحرب عالم آخر تكون فيه مشاعر الرجال وأفعالهم مختلفة، وهو السبب في شعورهم عند العودة إلى العالم الآخر، عالم السلم والحياة الاعتيادية، بالحاجة إلى رواية حكاياتهم المتعلقة بمكان آخر كانوا فيه. تبدو الحرب في الذاكرة كالحلم، أو كحياة رجل آخر تستعيدها الذاكرة بنوع من الدهشة.
وحسب هاينز فإن الحرب هي الفعالية التي يغدو فيها البشر طعاماً للحيوانات المفترسة، فيها تأكل الفئران والقطط والخنازير البشر، بل حتى البشر يأكلون البشر. كل أنواع الوحشية ممكنة في الحرب. والشاهد يراها بافتتان يفوق إحساسه بالاشمئزاز وقد استحوذت عليه غرابتها. هنالك مقولة بسيطة لكنها دقيقة: في الحرب يكون الموت مشوّهاً ومثيراً للدهشة.
أما غرابة حوادث الحرب فهي من الثوابت، وكذلك الحال مع اضطراب المعركة، والقتل، والموت، والموتى، كما نجد أن عدد المحتضرين يزيد على عدد الأعداء. وماذا عن الفضائل العسكرية؟ ماذا عن الكلمات الكبيرة التي تقترن بالجندية مثل «الشجاعة» و«الجبن» و«البطولة»: هل هي من ثوابت أيضاً؟ من المؤكد أن هذه الكلمات تصرّ على الحضور في حكاية الجند من زمن حامل البندقبة هاريس إلى وقتنا الحاضر، بالرغم من أن معناها قد تبدّل..
يشار إلى أن صموئيل هاينز ناقد وأكاديمي بارز عمل في جامعة برنستون الأمريكية ونشر العديد من الدراسات المهمة عن أدب الثلاثينيات في بريطانيا، ودرس شعر توماس هاردي وتناول الحقبة الإدواردية في الأدب الإنكليزي.. فضلاً عن ذلك، فقد خدم كطيار حربي في قوات البحرية الأمريكية في أثناء الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية.

صموئيل هائنز: «حكاية الجند.. الحرب والذاكرة والمذكرات في القرن العشرين»
ترجمة فلاح رحيم
جامعة الكوفة ودار التنوير، بيروت 2016
384 صفحة

صموئيل هاينو و«حكاية الجند»: قصص الموت في حروب القرن العشرين

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية