هنالك فرق بين الإبداع والابتكار، فالابتكار قد يكون مبدعا، أو قد يبتكر أحد ابتكارا بلا إبداع ويبقى ابتكارا لكنه ابتكار أهبل، أما الإبداع فليس بالضرورة أن يكون ابتكارا، ولا اختراعا للعجلة، فقد يبدع أحد ما على العجلة نفسها لتصبح أجمل وأفضل جودة.
وهكذا في عالم صناعة الترفيه، فالإبداع هو السر والسحر، أما الابتكار فسره الإبداع وبدونه يصبح هبلا إنتاجيا بلا معنى.
كنت في وقت إقامتي في الولايات المتحدة قبل سنوات طويلة منبهرا بما تقدمه صناعة الترفيه التلفزيونية الأمريكية، ومرد الانبهار طبعا وبالأساس أني مثل «الهجين اللي وقع بسلة تين» قادم من عالم يجهل كليا خفايا تلك الصناعة الضخمة، وكنت مغرما حينها بمتابعة تلك البرامج وخصوصا برنامج «ساترداي نايت لايف»، والذي كان مصنعا منتجا لكل كتاب وممثلي الكوميديا المشهورين، الذين انطلقوا بعده في سماء هوليود نجوما عالميين.
في مطلع الألفية صعودا حتى اليوم، تكاثرت المحطات الفضائية العربية واشتد التنافس بينها على الإبداع الجيد أو الابتكار الذي تفاوت بين مبدع وأهبل، وكان برنامج «ساترداي نايت لايف» حالة نموذجية لما أوردته في المقدمة، فقد حاولت شبكة «أم بي سي»، وهي رائدة الترفيه في العالم العربي أن تعيد إنتاجه عبر تعريبه من خلال برنامج ترفيهي جمعت فيه ممثلين عربا من الخليج والمشرق الشامي ومصر، وكان اسمه «سي بي أم»، بعكس حروف اسم الشبكة، وكانت محاولة مبتكرة مليئة بالهبل، لم ترتق لمستوى البرنامج الأصلي، الذي قلدته بدون إبداع في المحتوى.
عام 2015، قررت شبكة «أوربت شو تايم» العربية والمشفرة، أن تخوض مغامرة إعادة إنتاج وتعريب برنامج «ساترداي نايت لايف»، وفعلا استطاعت الشبكة، التي صارت تتعاون مع قناة «النهار» الفضائية ببث البرنامج، أن تنتج نسخة إبداعية ترفيهية جميلة، وكوميدية بامتياز.
أتابع البرنامج كل ما تيسر لي من وقت متاح على قناة «النهار»، وبشغف ومتعة لأن الإنتاج يقف وراءه إبداع بداية من فريق الكتاب وليس انتهاء بفريق الممثلين المصريين المحترف والحاضر بخفة ظل وكوميديا جميلة.
«صح النوم» و… السلام!
لكن، تأبى بعض برامج الحوار في الفضاء المصري إلا أن تكون نموذجا للرداءة في الإعداد والتقديم والمحتوى، ومن ذلك حلقة من برنامج غير مفهوم ابتداء من اسمه «صح النوم» على قناة تجارية اسمها «أل تي سي»، يقدمه مذيع غير مفهوم بحد ذاته أيضا، ليعرض لنا مواطنا مصريا يقول على الهواء إنه رجل خارق للطبيعة، ولديه عمودان فقريان و كليتان ومرارتان، ثم يعرض لسانه للكاميرا بطلب من المذيع الغامض لنرى رجلا يمد لسانه ولا أفهم ما هو الغريب في هذا اللسان.
المشهد يكتمل بفانتازيا الإستهبال بأن يضع الضيف الخارق للطبيعة أولاده «الخارقين بالوراثة» على أرض الاستوديو منبطحين على زجاج مكسور!! في مشهد لا يراعي الطفولة ولا المشاهد.
هذه البرامج ليست حكرا على الفضاء المصري، لكن الفضاء المصري تفوق فيها منذ أصبح بعض القائمين عليه من جماعة «الجمهور عاوز كده» في انتاج برامج حوارية تبحث عن «أي كلام يا عبسلام» لتبثه على أنه محتوى إعلامي جيد.
في السيرة التلفزيونية الأمريكية كانت هناك برامج مشابهة متخمة بفانتازيا القرف الجماهيري، ولها جمهورها طبعا من قاع المجتمع، ونجومها كذلك، ومن هؤلاء برنامج جيري سبرنغر الشهير، والذي كان يعرض قصص وحكايا قاع المجتمع الأمريكي بسفالات غريبة يحكيها أصحابها في استضافات مدفوعة الثمن، وهذا ربما كان أول أساسات هذا النوع من الإعلام المنحط، وله جمهوره المشابه له أيضا.
نوستالجيا الزمن الجميل
لكن في قناة «النهار»، هناك نوستالجيا جميلة تعيدنا بها القناة إلى زمن الفن الجميل ومن ذلك إعادة بث سلسلة «هو وهي» للرائعين الراحلين سعاد حسني وأحمد زكي، وهي سلسلة كوميدية درامية وضعتها نصا سناء البيسي ورؤية الراحل المبدع المصري صلاح جاهين.
في متابعة بسيطة لبعض الحلقات من تلك السلسة، يحاول شخص مثلي يعتبر نفسه محظوظا أن لحق بعمره ذلك الزمن الحلو، أن يجد ذلك المفصل التاريخي في مسيرة الفن المصري والتي انفصل بها الإبداع عنه، فصارت الدراما والكوميديا تحديدا منها، تهريجا مسلوقا إلا ما رحم ربي. وطبعا هناك استثناءات، ومنها برنامج اسمه « البلاتوه»، فحسب ما رأيت حتى الآن، هناك كوميديا خفيفة وجميلة وعصرية، ومشغول عليها بعناية.
ماذا فعل السبكي بالبطل؟!
وفي الحديث عن الزمن الجميل، لا بد من الإقرار أن زماننا هذا هو زمن السبكي وصنيعته «محمد رمضان» وهو أيقونة بلا شك، لكن أيقونة لكل بلطجية وزعران العالم العربي، المهووسين ببطولاته الخارقة على الشاشة، والتي لا طعم لها ولا لون ولا رائحة.
كان زعران زمان الذي عشناه، يضعون بوسترات لأيقونات زمانهم مثل بطل القتال بروس لي، وهذا كان بطلا حقيقيا في فنون القتال لا على ورق السيناريو وحسب، لكن انتهينا اليوم إلى أن يصبح شاب عديم الموهبة أيقونة بطولة ويتحدث بجرأة تصل حد الوقاحة عن فنان كبير بحجم إسماعيل ياسين، وينتقده بخطاب إنشائي يعكس تغول نفاق السلطة في داخله، لكن بلهجة البلطجية وفاقدي الشيء.
حتى في الأردن، حينما ارتكبت مجموعة زعران وبلطجية جريمة قتل مروعة مؤخرا، كانت صفحات الفيسبوك خاصتهم مدججة بالبلطجة وصور محمد رمضان وكثير من أقواله «المأثورة» كحكم وأمثال مروية.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة