يبلغ عدد اللغات التي يتداولها الناس في لندن 300 لغة، وفي بعض المدارس هناك خمسون لغة يتحدث بها الأطفال حسب أصولهم العرقية. فالعاصمة البريطانية غنية من ناحية التنوع الإثني والثقافي، وفيها يعيش المهاجرون والمنفيون السياسيون الباحثون عن تغيير أنظمة الحكم في بلادهم، والباحثون عن الشهرة، وفيها الأدباء والشعراء الذين إن لم يتغنوا بنهرها الملتوي مثل ثعبان كما في رواية جوزيف كونراد «قلب الظلام» بحثوا في غيومها عن أقمار بلادهم ونجوم ودفء أرضهم التي فروا منها وكتبوا أشعارا تفيض بالحنين والغربة، أي بحثوا عن صوتهم الضائع في ضجيج المدينة الكبيرة التي تتحرك أنفاقها بسرعة وتقذف كل يوم الملايين للشوارع والباحات ومحلات التسوق ومكاتب العمل ثم تعود لهدوئها من جديد. لكن صوت الشاعر لا ينام، وأحيانا تخيلت لندن وأي مدينة – عاصمة – مثل برج بابل أو خلية نحل تطن بكل الأصوات المنشغلة بصناعة العسل، هو الشعر.
ولهذا تبدو أنطولوجيا الشعر- والمختارات الشعرية أحيانا وسيلة جيدة لجمع الأصوات الشعرية من أماكن بعيدة وتقديمها للقارىء الإنكليزي بشكل يتاح له التعرف على أكثر من صوت وأكثر من لغة، ويبدو أن «مركز ترجمة الشعر» يقوم بهذه المهمة. فمنذ عام 2004 أخذ على عاتقه ترجمة الشعر الأجنبي للإنكليزية، عبر ورش وندوات وقراءات وعملية تفاعلية بين الشاعر والمترجم، بحيث تصبح عملية ترجمة القصيدة من لغة أخرى للإنكليزية عملية كتابة لقصيدة جديدة.
غربة وحنين
وفي المجموعة الشعرية التي تقدمها سارة ماغوير، مؤسسة المركز والمترجمة نفسها «صوتي: عقد من الأشعار من مركز ترجمة الشعر» نقرأ قصائد لخمسة وأربعين شاعرا من بلدان متباعدة تجمع في ألقها بين سحر أمريكا اللاتينية وسحر الشرق والشرق الأقصى، ترجمها عدد من المترجمين المحترفين، وكلها قصائد عن الغربة والحنين والبحث عن الصوت الضائع والصعود للوطن والسماء والغربة التي تبدو في قصيدة لعبد اللطيف اللعبي مجسدة في حقيبة سفر دائما ما تنفتح على ذاكرته في القرية البعيدة. وشعراء المجموعة من أفغانستان وإيران والسودان وموريتانيا وكازخستان وكردستان وفلسطين والصومال وكينيا وعمان والمكسيك وتايلاند وهونغ كونغ وأندونيسيا وجورجيا وسوريا وغيرها، ولكن لا نسبة ولا تناسبا بين كل هذه الوطنيات من ناحية حجم القصائد المترجمة من كل بلد، فلا يمكن توصيف المجموعة تحت عبارة «من كل قطر قصيدة» لأن لكل شاعر أكثر من قصيدة، فمن عمان قصيدة واحدة، للشاعر عبدالله الريامي مقابل عدد من القصائد للشاعر السوداني الصادق الرضي. وهذا لا يهم في هذا السياق فالصادق الرضي مقيم في لندن وله علاقة بالمركز من ناحية ترجمة شعره وقراءاته فيه. وما يهم هو تنوع وغنى الأصوات والتجارب الشعرية التي تقدمها المجموعة، خاصة تلك الآتية من أفغانستان وإيران والباكستان وكردستان، والتجربة الصومالية التي يحتفي شعبها بالشعر. ظلت التجربة الشعرية في الصومال شفاهية نظرا لعدم كتابة وتقنين حروفها حتى عام 1972 حيث كتبت الأبجدية الصومالية بالحروف اللاتينية.
جئت من أرض بعيدة
«صوتي» هو عنوان قصيدة للشاعر الأفغاني بارتو نادري، مترجمة من لغة الداري- الفارسية وفيها يقول «جئت من أرض بعيدة.. أحمل غربتي على ظهري… أغنية صامتة على شفتي.. ارتحلت في نهر حياتي… ورأيت أغنية.. مثل يونس.. التقمه الحوت.. كل حياتي عاشت في صوتي»، فالشاعر هنا يستعيد حياته وصوته. كتب الشاعر قصيدته عام 1989 عندما كانت العاصمة الأفغانية كابول تحت سيطرة حكومة المجاهدين وتحولت ساحة حرب لخلافاتهم وحروبهم. وتقول ماغوير إن صوت نادري سيسمع وسيقرأه الكثيرون بعد أن عاش الصمت.
وتعتقد أن مهمة المركز وترجمة الشعر نابعة من محاولة للتحاور والإتصال مع آلاف الناس الذين يعتبر الشعر لديهم أعلى درجات الإبداع، خاصة الذين جاءوا من ثقافة إسلامية «فأي طريقة أحسن من الترحيب بجارك وإشعاره بالراحة من القيام بترجمة أشعار شعراء بلاده الكبار للإنكليزية؟». وذلك بالتعاون مع خبراء اللغة الذين يعملون مع شعراء بريطانيين معروفين.
«سي آي إيه» والأدب
خدمة أبناء المهاجرين شيء والإحتفاء بالشعر الجميل شيء آخر. فالترجمة تخدم غرضا أدبيا آخر وهو التلاقح بين الآداب، ونعرف كيف أسهمت الترجمات والإتصال بين العالم العربي والغرب لتغيير معيار الشعر التقليدي وولادة قصيدة الشعر الحر، ونعرف كيف غيرت أشعار الهايكو فكرة عزرا باوند عن الشعر وكيف قام بترجمة أشعار الصيني الذي عاش في القرن الثامن لي بو، ونعرف كيف غيرت ترجمات إدوارد فيتزجيرالد لرباعيات الخيام (1859) للإنكليزية منظور الشعر الإنكليزي. وترى ماغوير أن كل الثورات في الشعر والأدب الإنكليزي تمت عبر الترجمة عندما إعتنق الأدباء أشكالا وأفكارا أدبية خارجة عن المعتاد ومن مناطق بعيدة، وهذا تقليد قديم.
وقد تكون الترجمة مدفوعة بدوافع سياسية ومحاولة التأثير على العدو، وتشير ماغوير إلى أن تجربتها مع الشعر العالمي المترجم جاءت من خلال تعرفها على شعراء الستار الحديدي في أوروبا الشرقية. ففي أثناء الحرب الباردة أنشأت الإستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) عددا من المجلات الأدبية مثل «إنكاونتر» و»باريسيان ريفيو» لترجمة الشعر الآتي من دول الستار الحديدي. وارتباط (سي آي إيه) بالشعر لا يعني أنه لا يستحق الترجمة ولكن الوكالة الأمريكية اعترفت بدور الشعر وأثره السياسي.
شعر العالم الإسلامي
وتشير الكاتبة إلى مقولة المنظر في علم الترجمة أندريه ليفيفيه الذي كتب قائلا «من الآداب العالمية العظيمة يظل الأدب المنتج في النظام الإسلامي الأقل توفرا لدى القراء في أوروبا وأمريكا». ربما قصد من الناحية الشعبية والإقبال على الشراء بعيدا عن الإهتمام النخبوي وبالتأكيد فأشعار الرومي وإبن عربي متوفرة لدى القارىء الغربي.
والملاحظ أن اهتمام (سي آي إيه) بتدمير الشيوعية عبر الأدب لم يقرن بجهود لتدمير الحركات الإسلامية والقاعدة عبر الأدب فـ «الحرب على الإرهاب» لم تثر اهتمام الإستخبارات الأمريكية لترجمة أشعار من الدول الإسلامية.
ورغم استفادة ماغوير من الشعر المترجم من دول الستار الحديدي – دون معرفتها- إلا أن نشأتها في لندن جعلتها قريبة من الثقافات الأخرى التي تعيش فيها، آسيوية وإفريقية وعربية، حيث بدأت تعي أهمية التجربة الشعرية للآخرين.
التجربة الصومالية
ومن بين التجمعات الإثنية في لندن ذات التجربة الشعرية الثرية، الصوماليون. وتستعيد هنا ما كتبه الرحالة والمغامر والدبلوماسي ريتشارد بيرتون الذي زار الصومال عام 1854 حيث اندهش من تكريس سكان البلد للشعر «يعج البلد بالشعراء»، «فالأذن الرهيفة لهؤلاء الناس تجعلهم يستمعتون بالأصوات المتناغمة والتعبيرات الشعرية، بشكل يجعلهم يغضبون عندما يسمعون الشعر الرديء والعبارة الركيكة». ولم يتغير الكثير منذ زيارة بيرتون سوى تقنين اللغة الصومالية، فالصومال لا يزال بلد المليون شاعر، جاء أبناؤه اليوم بأشعارهم للندن، فقد شردتهم الحرب الأهلية. ويعيش في بريطانيا 100.000 صومالي وهو أكبر تجمع للصوماليين في اوروبا. وضمنت المجموعة أشعار ثلاثة من الشعراء المعروفين منهم شاعرة، وهي كاشا لال محمد يوسف، ومن القصائد المترجمة لها «هجرة البحر» التي كتبت على وزن «غابي» المعروف في الشعر الشفاهي الصومالي. وتدور قصيدتها حول مأساة قومها «لم أعد اتحمل ما يجري، في كل مرة أراهم أشعر بالألم، جسدي يرتجف، أشعر بالأسى، في كل مرة أراهم في القفر، تنحدر الدموع على وجهي، وأمضغ الدم على شفتي».
لحظات
ويعتبر اهتمامها بالشعر الصومالي جزءا من اهتمام الشاعرة بالشعر العربي والإسلامي، حيث التقت مع شاب صومالي اسمه عصمان كان يدرس مرحلة الدكتوراه، قدمها للتراث الشعري الصومالي، واستعار مختارات منه من مكتبة كلية الدراسات الشرقية والإفريقية. أما اللحظة الثانية، فهي قراءة أشعار غزل كتبتها أدريان ريتش تحية لشاعر الغزل في البلاط المغولي، غالب في ديوانها «منشورات». والتأثير الثالث جاء من كونها أول شاعرة يرسلها المجلس الثقافي البريطاني الى فلسطين عام 1996 وأول وآخر شاعرة يرسلها الى اليمن عام 1998. وفي فلسطين حاولت استخدام مهاراتها كشاعرة والتعاون على ترجمة شعر فلسطيني وعربي. ومن هذه المحاولات ولدت فكرة مركز ترجمة الشعر، وتقوم فكرة الترجمة على عقد ورشات عمل يقوم فيها شاعر/ شخص بإحضار نسخ من قصائد باللغة الأصلية مع ترجمة حرفية للكلمات فيها، ومن ثم يحاول المترجم بمساعدة الشاعر تحويلها الى قصيدة بالإنكليزية مع الحفاظ على روح ونص القصيدة الأصلي. وفي عملية الترجمة يتعلم المترجمون الكثير ليس عن الأشعار باللغات الأخرى ولكن عن البنى الشعرية في الثقافات المختلفة وكذا تفاصيل صغيرة عن المناخ والطعام والعادات والتقاليد والتاريخ.
وتناقش هنا ما يثار في مجال الترجمة حول ما يجب التركيز عليه ومن هو المهم هل الشاعر الأصلي، المترجم أم القصيدة، وهناك مدارس في الترجمة كل واحدة ترى أهمية هذا الطرف على الطرف الآخر، فكمثال على أهمية الشاعر- المترجم تشير للقصائد التي ترجمها روبرت لويل «تقليد»، ولكن في هذه المجموعة تم تشجيع المترجم على وضع خبراته الشعرية في خدمة الشاعر المترجم له حتى يتم نقل صوته بشكل قريب من اللغة الإنكليزية. ولهذا فكلما كان الشاعر عارفا بلغة وثقافة الشاعر الذي ينقل شعره كلما فتح النافذة أمامه للدخول للتجربة الشعرية الإنكليزية.
تحتفي المجموعة بأشعار الشاعر السوداني الصادق الرضي، الذي تتجذر قصائده المتعددة الطبقات في التقاليد الصوفية السودانية. وينبع ثراء تجربته الشعرية من كونه عاش في أم درمان التي تعتبر العاصمة الثانية للسودان، وتجمع شتات الثقافات السودانية، حيث كانت عاصمة الدولة المهدية التي انتهت عام 1898. وفي هذه المدينة عاش الرضي حتى أجبر على الرحيل للمنفى عام 2012. وتقول ماغوير إن الرضي ليس مشهورا بين الشعراء السودانيين بشعره السياسي ولكن أشعاره الغنائية التي تبحث في الجذور المتعددة للسودان وممالكه مثل «قصائد النيل» التي تذكر بأشعار محمد عبدالحي « العودة إلى سنار».
وفي المعنى الأخير لهذه المجموعة فهي تدخلك في عالم مليء بالمشاعر والحنين والبحث والرحلة في الأرض والتطلع للسماء، وهي جمع من الثقافات التي تتحاور أحيانا أو تميل للعزلة ولكن ما يجمعها الآن هو الميلاد الثاني من اللغة الأم إلى اللغة الإنكليزية.
My Voice:
A Decade of Poems from the Poetry Translation Centre
Edited by Sarah Maguire
Bloody Axe Books/ 2014
إبراهيم درويش