صوت الأنثى هي المسألة الأكثر تعقيدا في الكتابة النسائية: السودانية سارة الجاك: الأدب الشعبي عبَّر عن العنصرية والقبلية

حجم الخط
0

حوار ـ منى حسن: من الأقلام الأنثوية الشابة التي لفت إبداعها القراء والنقاد منذ شهقة حروفه. دخلت إلى عوالم الكتابة من باب القصة القصيرة، ومن ثم إلى عالم الرواية. المطلع على مؤلفات سارة الجاك يلمس خوضها لتجربة الكتابة بوعي يسعى لمعالجة قضايا المجتمع وموروثاته، برؤية واعية وواقعية، إضافة لحملها مسؤولية أن تصنع من خلال ما تكتب وعياً ثقافياً، يسعى لنبذ كل ما يتنافى والقيم الإنسانية السامية، صدرت لها عدة روايات ومجموعات قصصية، ونالت عدة جوائز في مجال القصة القصيرة، حيث نالت الجائزة الأولى في مسابقة منتدى السرد والنقد للقصة القصيرة عام 2009، والجائزة الثانية في مسابقة الطيب صالح للقصة القصيرة عام 2009، إضافة إلى الجائزة الأولى في مسابقة الطيب صالح للرواية في دورتها العاشرة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2012 عن روايتها «خيانتئذ». التقيناها وهي تستعد للسفر إلى لندن، للمشاركة في مؤتمر يُعنى بالإبداع الخاص بالكاتبات السودانيات، والجنوب سودانيات، الذي تقيمه جامعة أوكسفورد، بالتعاون مع البرنامج السوداني فكان هذا الحوار:

■ يقول سفيان الثوري: إذا عرفت نفسك فلا يضُرك ما قيل فيها، فماذا تعرفين عن نفسك؟
ـ ما زلت لا أعرفني فالنفس متغيرة تتأرجح بين طينها ونورها، في رحلة قصيرة سرعان ما تنتهي، لا أظنني أستطيع التعرف على نفسي فيها، ولعل الكتابة واحدة من وسائل التعرف على الكون والذات.
■ عودٌ إلى البدايات: متى اتقدت بروح سارة الجاك جذوة الكتابة؟
□ منذ أن فكرت في أن أسطر خطاباً لوالدي في مغتربه، أحكي له عما يجيش في دواخلي من مشاعر حبي له وحنيني إليه، وفقدي له بجانبي في باكر العمر.
■ الهندسة المعمارية فن بحد ذاتها، وكل فن يترك بصمته في روح مبدعه وتجلياتها، فكيف تماهت ذاتك المهندسة مع ذاتك المبدعة؟
□ المعمار فن توزيع الفراغات، وتصميمها بحيث تعمل على أداء وظيفتها بشكل اقتصادي وجميل. ولتستطيع تنفيذ تصميم بهذه المواصفات، لابد أن تمتلك ملكة التخيل والقدرة على ولوج أفاق بعيدة من الواقع في مرحلة أولية، ثم ترجمة الصور التي تكونت في المخيلة عبر أدواتك، إن كانت رسومات كما في المعمار، أو كلمات كما في الكتابة، بذلك نجد أن الأصل واحد وهو القدرة على الإبداع، الخيال والابتكار.
■ من منظور تجربتك، هل ترين أن كتابة القصة أو الرواية تماسٌ بين الذات وما حولها، أم تماسٌ بين الذات وما تؤمن به من قيم من خلال نظرتها للآخر؟
□ أنا أري أن ذاتي عالم كامل معقد جداً، فإن تمكنت من تفكيك مكوناته والتعرف عليها والتعامل معها، فسأكون نجحت نجاحا كبيرا. كتابة القصة والرواية تماس الذات مع نفسها، والذات وما حولها، لا ثبات للقيم ولا تعريف محدد لها، ولا إيمان إلا بقدرة الإنسان على التطور، من خلال احتكاكه مع الآخر وقدرته على بناء جسور التواصل معه ومع العالم من حوله. كتابة السرد بشقيه القصة والرواية يسهم في تقريب المسافة بين الأنا والآخر من مكوناته الثقافية، فيتم تبادل المعارف العامة والمصادر الكتابية خاصة. ما يسهم في تطوير المفاهيم السردية وتقنية كتابتها وطرائق عرضها.
■ تسعين من خلال أعمالك لطرح وتسليط الضوء على كثير من الإشكالات الاجتماعية والموروثات الخاطئة في المجتمع السوداني، ومن أبرزها العنصرية والقبلية، فهل يصلح الأدب ما أتلفته الحقب؟
□ أرى أن الأدب الشعبي كان بوقَ مجتمعاته الذي عبَّر عن العنصرية والقبلية، من خلال مفرداته ورسخ لها، ذلك أن حياتنا السابقة والحالية تمضي بلا ترتيب سابق منا كمجتمع عامة، ومثقفين ومفكرين خاصة، لذا جاءت أشياؤنا هكذا كما اتفق، أو عفو الخاطر. في الوقت ذاته نحن نقع ضمن منظومة اقتصادية واجتماعية وسياسية، عمدت إلى التنظيم والتخطيط، لكل ثانية وقت تمضي، ولهم تصور واضح لنا في كل سنتيميتر في الكرة الأرضية، هذا يجعلنا نخدم أهداف غيرنا ونحن بلا هدف، من هنا تأتي ضرورة صد الفعل العشوائي الذي يقوم به الأدب القديم، بالأدب نفسه، لكن بوعي مختلف. وهنا يقوم الأديب في مقام المفكر الذي يسعى لتغيير الأفكار والموروثات الخاطئة في الأدب خاصة، والمجتمع عامة من خلال ما يكتب.
■ كأغلب الكاتبات، يلاحظ أن صوت المذكر هو المسيطر على عملية السرد الروائي لديك، خاصة في «خيانتئذ»، مع أن ثمة روح أنثى تتبدى هنا وهناك، فلماذا؟
□ معك حق. مسألة صوت الأنثى هي المسألة الأكثر تعقيدا في لغة الكتابة الأنثوية، فما بين الذي ورثناه وبين سؤال التجديد الذي يجب أن يعتريها ويجعلها فاعلة ومتفاعلة تكون مراوحتي، ومحاولات تحرير لغتي الأنثوية الخاصة من سلطة الذكورية.
■ تراوحت أعمالك الأدبية بين القصة والرواية فلأيهما ينحاز قلمك أكثر؟
□ القصة بلا منازع.
■ ماذا عن تجربتك في بلاط صاحبة الجلالة؟
□ كانت جميلة وثرة لكن لا ترقى لأن تكون احترافية.
■ هذا الاستسهال الكبير في كتابة الرواية، وتحولها إلى تجارة أكثر منها أدبا، إلام نعزوه؟
□ لا أسميه استسهالاً، ولا يؤرقني ما يجري في عالم الرواية، بل أذهب أكثر في الاتجاه المعاكس وأقول: إن ما يجري يسعدني ذلك، نحن أمة شفاهية لا نكتب ولا نوثق ولا نحفظ ما نقول، سواء استحق ذلك أم لم يستحق. والانفجار الروائي وثق وحفظ وسيحفظ الكثير، كعتبة أولى. العتبة الثانية تأتي في تصنيف المنتج الإبداعي تحت مسمي الرواية، وهل تنطبق عليه مواصفاتها أم لا، هذه المواصفات أيضاً متغيرة وليست ثابتة، ولا يوجد حاجز يقف بين تماهي المنتج الحديث مع الكلاسيك. علينا ان نتمتع برحابة صدر تستوعب الكل، ولندع التصنيف والقبول الخ، من أدوات المتلقي للمتلقي، وهو من يحددها. العتبة الثالثة أن مشكلتنا دائما تكون في تمجيد ذواتنا، دون الالتفات للآخر. لتكن كتابتنا وقراءتنا للتعرف عليه بداية، ثم قبوله وسطاً، والتماهي معه في المنتهى. وذلك لا يتم إلا بأن يكتب الكل ويقرأ الكل للكل، المال هدف ثانوي للمبدع وإن كان هو دافعه الرئيسي، فقد خدم نفسه وخدم الأهداف التي ذكرتها آنفاً.
■ ماذا عن دور النقد في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها الرواية؟
□ النقد غائبٌ لغياب المؤسسة التي ترعاه، والموجود إما اجتهادات شخصية يُشكر عليها الناقد المجتهد، أو مدفوع الأجر ليحقق أهدافاً بعيدة عن مهمة النقد والثقافة والأدب.
■ النقد الموجه لأعمالك الأدبية، هل يشكل إضافة حقيقية لك؟
□ تطورت ملكة الكتابة عندي بالنقد وأستمع إلى رأي القارئ البسيط بانصات واهتمام.
■ ألا ترين أن صدى الانفصال في الأدب السوداني عموما لم يأت مدوياً كواقعه؟
□ هو ذاك.. وذلك لعدة عوامل ذكرتها في ثنايا الأجوبة الآنفة، بالاضافة إلى أن التفاعل مع الأحداث يختلف من مبدع لآخر.
ومواقيت ظهور التفاعل نفسها متباينة، وأرى أننا إلى الأن نقع تحت وطأة صدمة حدث جلل، وهو بتر جزء من جسدنا. لذا لم يتم تحليل الحدث سياسياً واجتماعياً وأدبياً بصورة مكتملة يمكننا الحكم من خلالها.
■ دُعيتِ للمشاركة في المؤتمر الخاص بالكاتبات السودانيات، والجنوب سودانيات، الذي تقيمه جامعة أوكسفورد بالتعاون مع البرنامج السوداني، ما أهداف المؤتمر، وكيف كانت آلية الاختيار؟
□ يهدف المؤتمر إلى تسليط الضوء على المنتوج الإبداعي النسائي بشكل كامل في السودان بشقيه الشمالي والجنوبي. تم الاختيار من خلال الاطلاع على الدور التي تقوم به الكاتبات في المجتمع، وما له في محيطهن من أثر.
وذلك بعد الاطلاع على منتوجهن وتحليله وقياس مدى تماهيه مع المبادئ الإنسانية العامة، من مناداة بالحرية، وقبول الآخر، ونبذ كل ما يحط من قيمة الفرد.
■ بنظرك، ما هي المعوقات التي تحول دون عالمية الأدب العربي، رغم محاولات الترجمة التي ظلت في حدود ضيقة من حيث الانتشار؟
□ نفتقر إلى قدرة تقديم أنفسنا بالشكل المناسب والبسيط ، تنقصنا المصداقية مع أنفسنا قبل الآخر. نقول ما لا نفعل. ندعي العلم والمعرفة، ونحن في أمس الحاجة إلى التعلم وتطوير الذات والقدرات. تسرقنا الأضواء وتبهرنا فلاشات كاميرات التلفزيونات. نحاكي كتابة الغرب ولا نستند إلى مصادرنا الأصلية في الكتابة. لا نثق في ما ننتج. الإنسان العربي يحتاج أن يكاشف نفسه، يجلس قبالتها، ويقسو عليها ليراها على حقيقتها بعيداً عن أوهامه وأوهامها. من ثم يضع خطته ليثور على ذاته، ينسفها، يعيد بناءها بشكل لائق، يتقبل الآخر، يرسم مسارات تواصله مع الآخر بلا دونية أو استعلاء، وقتها فقط سيقرأنا العالم بكل لغاته.
■ ماذا أضافت لك جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي؟
□ أضافت لي الكثير.. نقلتني من مقعد الهاوي إلى مقعد المحترف. حمّلتني المزيد من المسؤولية تجاه مشروعي الإبداعي الكبير الذي يتطلب الكثير من الدراية والخبرة الحياتية والكتابية لضمان استمراريته.
■ كيف يمكنك كروائية سودانية الخروج من فخ الطيب صالح الذي سيطر على ذائقة
المتلقي العربي؟
□ يجب علينا المسير في طريقه الذي مشي عليه، فقد كان صادقا في ما يكتب، وفياً لمشروعه الإبداعي، ومثابرا لحد ما. واختلافنا معه سينتج من اختلاف مصادرنا في الكتابة عن مصادره، وتقنية الكتابة التي اختلفت من وقت كتابة «موسم الهجرة إلى الشمال»، إلى الآن. كما أن لكل كاتب بصمته التي تميزه عن الآخر، وهنا تكمن الصعوبة في إيجاد بصمتك الخاصة المميزة، ثم إيداعها في قلب المتلقي، وكما رسخ الطيب صالح، سنرسخ ونضع بصماتنا المميزة إذا كنا مؤمنين بجدوانا وجدوى ما ننتجه من جمال.

صوت الأنثى هي المسألة الأكثر تعقيدا في الكتابة النسائية: السودانية سارة الجاك: الأدب الشعبي عبَّر عن العنصرية والقبلية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية