ليس أقل من ثلاثين عمودا كرستها «ذي ماركر ويك» في عددها عشية رأس السنة للواقع الموهوم (فيك نيوز) ـ التي تم تفويت معظمها. كتّابها والمحللون المجتهدون فيها عرضوا كل جوانب ظاهرة الواقع الموهوم ـ في الشبكة، في وسائل الإعلام التقليدية، في السياسة، في الاقتصاد وفي الدعاية وغير ذلك ـ ولكن بسبب كثرة الأشجار لم يروا الغابة. حتى المقال الدقيق لروتم شتركمان، الذي واجه بنيامين نتنياهو مع أكاذيبه، تجاهل لب العملية ونتائجها العامة: الواقع نشأ من أقوال النظام الفارغة، وتم نقلها في السنتين الأخيرتين إلى أقسام الاختلاق. هذا ليس واقعا موهوما بل مختلق.
الخدعة الإسرائيلية (الغمز والتحايل وتدوير الزوايا) استبدلت بحالة شاملة من الكذب. الدورة الدموية للواقع الجماهيري تم تسميمها بأكاذيب لا تتوقف ـ والإسرائيليون لا يشعرون بهذا ويرون الصيغة المختلقة هذه وكأنها الواقع نفسه.
في اليوم الذي صدر فيه عدد العيد لـ «ذي ماركر»، نشر في «هآرتس» مضمون خطاب نتنياهو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. نتنياهو روى لمستمعيه في القاعة، وبالأساس في إسرائيل، أسطورة عن الثورة العظيمة التي تحدث لموقف دولته لدى الأمم، عن إسهامها الكبير للإنسانية، عن إنجازاتها المبهرة في التطورات التكنولوجية والتجديدات الاقتصادية، عن هبتها الجريئة لمساعدة الدول والشعوب الواقعة في ضائقة.
هذه قصة مختلقة: نتنياهو يتمسك بعدد معين من الانجازات، معظمها شخصي، التي نمت في المجتمع الإسرائيلي، من أجل أن يعرض رؤيا مضللة. إسرائيل ليست بطلة لا مثيل لها، بل هي دولة صغيرة وهشة (انظروا إلى رد المدنيين على الهجمات الصاروخية، اختطاف الجنود وتهديد الأنفاق)، صحيح أن فيها جزر من التميز يحق التفاخر بها، لكن في الوقت ذاته هناك أجزاء لا بأس بها من تصرفاتها الحكومية ومزاجها القومي، مخجلة وتذكر بنماذج تصرفات دول من العالم الثالث. الصورة التي يرسم فيها نتنياهو صورة الدولة، يغسل دماغ مواطنيها ويغطي على قدرتهم على التفريق بين الهذيان والواقع.
قبل يوم رفعت الوزيرة ميري ريغف خطابا مصورا على صفحتها في الفيس بوك، ردت فيه على احتفال توزيع جوائز أوفير الذي لم تتم دعوتها إليه. الواقع الذي صورته هو عكس الحقيقة: على فرع السينما في إسرائيل تسيطر مجموعة نخبوية ومتنفذة، تحدد من سيرتفع ومن سيهبط. هذه المجموعة تستغل مكانتها من أجل إسكات أصوات أخرى ومن أجل نشر افتراءات على إسرائيل في العالم. أيضا إذا كان هناك شيء في أقوال الوزيرة ـ مصالح المجموعات ليست غريبة على عالم الفن ـ فإن الوصف الذي وصفته يناسب بدرجة مدهشة تصرفها: هي التي تستغل بصورة سيئة مكانتها من أجل إسكات فنانين واستخدام إنتاجهم في مصلحة رؤيتها الأيديولوجية ومصالحها السياسية. إضافة إلى ذلك، أعادت ريغف في المقابلة المصطلح المنتشر الذي يقول إن الجيش الإسرائيلي هو «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم». هذا كلام فارغ. كذلك في سلاح الجو ألغوا في اللحظة الأخيرة عمليات قصف من أجل الامتناع عن المس بالمدنيين، واعتبارات إنسانية يتم أخذها في الحسبان أثناء التخطيط للعمليات العسكرية ـ واقع الاحتلال يناقض التباهي الذي يتضمنه هذا الشعار. ويشهد على ذلك ليس فقط الأحداث الكثيرة التي تم فيها الكشف عن جنود الجيش الإسرائيلي وهم يعاملون بقسوة ويعذبون الفلسطينيين، بما في ذلك قتل الأبرياء ـ بل القرار السياسي عينه لزيادة وفرض حكمها على الفلسطينيين. هذا يخلق واقعا مستمرا تتسبب فيه إسرائيل وجنودها بالظلم للشعب المحتل. أيضا من يعتقد أن الأمر ضروري في الظروف الحالية ـ يعاني من قمع شديد عندما يستوعب التصنيف الذي ينسب للجيش الإسرائيلي (تصرف أخلاقي لا مثيل له).
أيضا رؤساء مجلس «يشع» للمستوطنات نشروا الأكاذيب عشية العيد. أثناء مواجهة كلامية شديدة مع الوزير أفيغدور ليبرمان قال شلومو نئمان، رئيس المجلس الإقليمي غوش عصيون: «إن اعتبار طلائعيي المستوطنات «خارجين عن القانون» هو بالتحديد فشل. التعريف المصطنع للبؤر الاستيطانية أنها غير قانونية هو الفشل المتواصل للدولة. إن رؤية المستوطنين لأنفسهم بأنهم طلائعيون والبؤر قانونية هي عرض لا قيمة له. أيضا إذا كان واحد من المستوطنين في المناطق إنسان ممتاز ذي قيمة ـ فإن المشروع الصهيوني كله هو كارثة وطنية، يعرض للخطر قدرة إسرائيل نفسها على البقاء دولة ديمقراطية.
الوصف الذاتي المشجع للمستوطنين تم تبنيه من قبل السلطة، وتم غرسه في وعي معظم المواطنين. هذا في الوقت الذي فيه مشروع الاستيطان هو العائق الأساس الذي تضعه إسرائيل إزاء التوصل إلى اتفاق. وخلافا للصورة الصحيحة التي يستحقها رؤساء المستوطنين على مر الأجيال، نما مشروع الاستيطان واتسع بطرق ملتوية من خلال خداع سلطات الدولة. يوجد لحركة الاستيطان مساهمة أساسية في هذا الواقع الكاذب الذي يلف الدولة.
في كتاب «الوطنيون» لسانا كارسيكوف، تعيد الكاتبة من جديد الأجواء التي سادت في الشارع السوفييتي في عهد ستالين: واقع من الكذب التام، الذي شارك فيه رؤساء الدولة وأعضاء المكتب السياسي الحزبيون والمواطنون العاديون، الذين أمروا بالخضوع للأوامر، لأن يكونوا على قدر الآمال وأن ينفذوا المهمات التي ألقيت على عواتقهم. ولأن الواقع الفعلي ناقض الصيغة المعلن عنها، فقد تكيف الجميع مع ثقافة الكذب، التي ولدت حالات كبيرة من الفشل ومناورات تغطية، متلازمة العنصر الصغير، ووصلت أيضا إلى عمليات إرهابية، رشوة وعنف شديد. كارسيكوف وضعت في فم أحد الأبطال الاقتباس التالي من أفكار الفيلسوف الاجتماعي اريك هوفر: «كل حركات الجماهير النشيطة تسعى إلى أن تحجب بستارة مانعة للحقائق بين المؤمنين والواقع كما هو». هذا التفريق يستحق تعلمه.
هآرتس 1/10/2017
عوزي بنزيمان