تزخر شوارع أوروُبّا وساحاتها بلوحات تذكاريّة تؤرّخ لشخصيّات مرموقة مرّت بها. فتجد، مثلاً، لوحة تقول أن الروائي الفلاني سكن في الطابق الأرضي من هذا المبنى حين خطّ إحدى رواياته الشهيرة، أو أن الرسّام العلاّني اتّخذ من الطابق العُلوي المشرف على هذه السّاحة ورشة عمل له حين غيّر مجرى تاريخ الفن الحديث بفضل ابتكاره اسلوباً جديداً في اجتراح الألوان على قماش الجنفاص، وهلمّ جرّا. ولم يغب عن بال الطرفاء أن يتندّروا اعتماداً على كثرة هذه اللافتات، كأن يقولوا، مثلاً، أن رواية فلان ما كانت لتأتي بهذه السوداوية لولا بؤس الشارع الذي رأت فيه النور.
ولم يشكّ أحد من جيران المؤلف الفرنسي المرموق هنري دُوتِييَوْه (1916-2013) في الحيّ الرابع في باريس أن يوماً سيأتي، وبخاصة بُعيد وفاته، يتحلّى فيه مدخل البناية التي كان يقطن فيها بلافتة تذكارية تشير إلى شقّته. لكن أوساط الأنباء طالعتنا في أواسط آذار/مارس 2015 بما لم يكن في الحسبان، إذ رفض عمدة الحيّ الرّابع، كرِيستوف جيرارْد، السماح بتخصيص أيّ لوحة لذكرى دُوتِييَوْه بحجّة أنه كان قد ألّف موسيقى تصويرية لشريط سينمائيٍّ في 1941 روّج للفعاليّات الرياضية وما كان يُدعى بـ «مثال العامل الذي يتوجّب الاقتداء به» أيام حكم نظام الماريشال بيْتان، عميل الاحتلال النازي في فيشي.
من الجدير بالذكر في هذا السّياق أن دُوتِييَوْه أحد أهم المؤلفين الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى جانب بيير بُولَيز (1925-2016) وجان فرانسيه (1912-1997) وأوليـفييه مَسِيان (1908-1992) وموريس دوروفلَيه (1908-1986) وكانت مؤلّفاته تُظهر تأثّراً بموسيقى كلود دَيبُوسي (1862-1918) وموريس راﭬَيل (1875-1937) وآلبَير رُوسَّيل (1869-1937)، وحتى بموسيقى الجاز، لكنه لم يتبع مدرسة ما، بل اتّخذ لنفسه أسلوباً شخصيّاً للغاية يتميّز بالغموض والشفافيّة في آن ولا يخلو من المسحة الرّوحيّة. ولم يسمح دُوتِييَوْه بنشر سوى النزر اليسير ممّا كتب بعد أن قلّبه وعدّل فيه مرّات تكاد لا تُحصى، ثم عاد فعدّل في المنشور مراراً، ما جعل نتاجه المنشور أقل غزارة من معاصريه بكثير، لكنه، على قلّته، يعلق في الذاكرة أكثر بكثير من نتاج معظمهم. واشتهر عنه أنه قال في هذا الخصوص: «إني دائم الشكّ في نتاجي، ودائم الندم عليه. لذا تجدني أعدّل فيه دوماً، ويحزّ في نفسي في الوقت ذاته أن نتاجي ليس غزيراً. بَيْد أن سبب الشحّة هذه يعود إلى أني أشكّ في نتاجي، ممّا يحدو بي إلى صرف وقت طويل في تغييره. ثمة مفارقة في هذا، أليس كذلك؟»
ولم يشتهر إلاّ عند العارفين عن دُوتِييَوْه أنه كان عضواً بارزاً في المقاومة الفرنسية السّرّيّة للاحتلال النازي ولنظام الماريشال المتواطئ معه، إذ انضم في 1942 إلى «جبهة الموسيقيين الوطنية» التي كانت تنقذ الموسيقيين، والعديد منهم يهود، الذين تعرّضوا لملاحقة النازيين. كما قام بتلحين أربع غنائيات، بالسرّ، لأحد أهم شعراء المقاومة الفرنسية، جان كاسو (1897-1986)، أشهرها غنائية بعنوان «السّجن»، وجازف في ذلك بحياته، ناهيك عن حرّيته. أمّا الشريط السينمائي الدعائي المشار إليه أعلاه فكان تكليفاً في زمن شحّت فيه التكليفات بالعمل للجميع، فما بالك بالمؤلّفين؟ وحتى مادة الشريط، وهنا المفارقة، كانت بعيدة كل البعد عن التطبيل للنظام المتواطئ مع النازيين. فكيف اقتنع إذاً عمدة الحيّ الـباريسي الرابع في 2015 برواية تناقض التاريخ الشريف لهذا المؤلف؟
الجواب، مع الأسف، يبدأ بالإشارة إلى أن المجتمعات، مهما بدت عليها علامات التطوّر الحضاري، تظل تنطوي على أفراد ملؤهم الحسد والنميمة؛ بل يبدو أن ثمة علاقة طردية بين الظاهرتين، فكلّما زاد تحضّر مجتمع ما، تعمّق الحسد وتفاقمت النميمة في عدد لا يستخفّ به من أفراده. وإذا تمكّن أحد هؤلاء المغرضين من إقناع مسؤول ما غير متبحّر في الأمور ولا يرى من واجبه تقصّي الحقائق، كما هو الحال هنا، بأن الأسود أبيض والأبيض أسود، فلا عجب أن يعرف الجميع في يومنا هذا أسعار كل الأشياء دون أن يدرك قيمتها. فما قيمة سبعة وتسعين ربيعاً من حياة ملؤها الدراسة والجدّ والاجتهاد والانجاز إذا انتظر موتَك وضيعٌ لا لشيء إلاّ كي يعيث في سمعتك فساداً؟
غنيٌ عن الذكر أن مؤلّفنا لم يتنقّل من عاصمة إلى أخرى متبجّحاً بنضاله السرّي هذا بعد تحرير فرنسا في 1944، فقد كان أرقى من أن يُقدم على شيء من ذلك، وطوبى لتلاميذه وأصدقائه الأوفياء الذين انبروا يدافعون عن سمعته بعد رحيله. إذ تعاون دُوتِييَوْه مع دار الإذاعة الفرنسية على نشر الموسيقى الكلاسيّة في برامج عدّة استمرّت لعقدين من الزمان حتى 1963، كما أخذ يدرّس التأليف الموسيقي في دار المعلّمين العالية للموسيقى في باريس من 1961 حتى 1970 ولسنتين بعد ذلك في أكاديمية باريس للأداء الموسيقي، التي كان قد تخرّج فيها عام 1938، ثم كرّس وقته وجهده اعتباراً من 1972 وحتى وفاته في 2013 للتأليف الموسيقي وحسْب.
وكتب دُوتِييَوْه في أصناف شتّى من الموسيقى الكلاسيّة، فثمّة قطع للفرقة السمفونية، وللأنسامبل، ولموسيقى الصالة. وثمّة باليهات، وقطع تصويرية ترافق مسرحيّات وأفلاماً، وقطع مغنّاة. ولأنه أتلف معظم مخطوطاته التي ترقى إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية على أنّها تفتقر إلى الأصالة، فإن أولى قطعه المهمّة سوناتة للـبيانو المنفرد أدّتها أول مرة زوجته، جَنَـفـيـَف جْوا، عام 1948، تبعتها سمفونيته الأولى (1951). ثم بدأت التكليفات تتكاثر، فثمة السمفونية الثانية لأوركسترا بوستن السمفونية (1959)، الملقّبة بـ «المزدوجة» وذلك لأنها مكتوبة لفرقة مصغّرة داخل الفرقة السمفونية، تعلّق على ما تعزفه الفرقة الكبرى وتكون مثل ظلّها. وتبع ذلك تكليف من أوركسترا كليـفلَنْد بعنوان «تحوّلات» (1965)، و»عالم بعيد كلّيّاً» (1970)، وهو كونـشـيرتو للـجـلو المنفرد والأوركسترا كلّفه به عازف الـجـلو الروسيّ الفذّ مِسْتِسلاﭪ رَوسْتْروبوفـتش (1927-2007)، ورباعي وتري بعنوان «وهكذا تكون الليلة»، بتكليف من مؤسسة كُوسَـفتْسْكي في بوستن (1977)، و»أجراس، وفضاء، وحركة» بتكليف من رَوسْتْروبوفـتش حين كان قائد الأوركسترا السمفونية الوطنية في واشنطن (1978)، و»شجرة الأحلام» (1985) و»على نفس التناغم» (2002) وهما كونـشـيرتوان للكمان المنفرد والأوركسترا، و»مراسلات» (2003) و»عدّاد السّاعة» (2007) وهما عملان للسوبرانو والأوركسترا، وغيرها الكثير.
وتلقّى دُوتِييَوْه جوائز شتّى، أبرزها جائزة روما الكبرى (1938)، وجائزة الموسيقى الوطنية الكبرى (1967)، وعدّة جوائز لقاء تسجيلات لقطعه المتنوّعة، وجائزة أيرْنْسْت فون زِيمَنْز للموسيقى، التي تعدّ أهم جائزة موسيقية في العالم. كما قلّدته وزارة الثقافة الفرنسية وسام فارس الشرف (2004)، وأسمته الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب عضواً فخريّاً فيها (1981)، وقلّدته الجمعية الفلهارمونية الملكية في لندن وسامها الذهبيّ (2008).
وأذكر حفلة حضرتها لأوركسترا كليـفلَنْد قُبيل مباشرة دراستي للماجستير في قيادة الأوركسترا في جامعة كَنْت القريبة منها في أواخر صيف 1985. وكانت الحفلة تختتم أعمال مسابقة للـبـيانو برعاية مؤسسة العازف الفرنسي روبير كاسادْسُو (1899-1972) الذي كانت تربطه بالأوركسترا علاقات ودّية تشكّلت على مدى سنين عديدة رافقته فيها في حفلات وتسجيلات شتّى. وأثناء الفرصة التي اتّخذتها لنفسها لجنة التحكيم كي تختار ترتيب الجوائز ضمن العازفين الثلاثة في المرحلة الختامية من المسابقة، قدّمت الأوركسترا قطعة دُوتِييَوْه «تحوّلات» المهداة إليها، وكانت هذه المرّة الأولى التي استمع فيها إلى هذه القطعة في عزف حيّ، غير مسجّل، فوجدت نفسي في «عالم بعيد كلّيّاً»، كما أسمى دُوتِييَوْه قطعة أخرى له، فالتسجيلات لا تعطي الموسيقى حقّها، مهما تفانى في تنفيذها مهندسو الصوت.
وتتكوّن «تحوّلات» من خمس حركات متّصلة ببعضها، وتحتوي نهاية كل حركة فيها على زركشة تبدو فائضة عن الحاجة للوهلة الأولى، لكنها سرعان ما تشكّل نواة الحركة التي تأتي بعدها، فتنمو القطعة من حركة إلى حركة على نحو عضوي متكامل لا تصل ذروتها حتى اللحظة الأخيرة من القطعة- التي تقع في سبع عشرة دقيقة وحسْب- تمرّ كلمح البصر لكنها تعطي المستمع في الوقت ذاته لمحة، ولو لوهلة، عن الأزل.
فانفجر الحضور بالتصفيق الحاد، وإذا بالمؤلّف نفسه يفاجئنا بالوقوف من مقعده وسطنا، ثم يتقدّم صوب المسرح ويعتليه، مصافحاً قائد الأوركسترا الإندونيسي في تلك الحفلة، يحيى لِنْـك، ثم عازف الكمان الأول، نيابة عن أعضاء الأوركسترا جمعاء، ثم منحنياً للجمهور، فجنّ جنون الجمهور.
ولا يمكن لأي شخص حضر تلك الحفلة معي، أو أي حفلة ظهر فيها هذا المؤلف الخارق على خشبة المسرح، أن يدّعي أن دُوتِييَوْه كان متكبّراً، رغم أن ذلك كان ليحقّ له دون غيره. على النقيض من ذلك، فقد بدا متواضعاً للغاية، إذ كان شموخه في تأليفه الذي كنّا قد استمعنا إليه للتوّ.
بشّار عبد الواحد لؤلؤة