صور الزعيم… قراءة المخفي والمعلن

منذ أن عرف الإنسان الرسم، كان أحد انشغالاته الكبرى تجميد اللحظة بطريقة سحرية، أو بطريقة فيها طقس سحري، طقس يجمد اللحظة لكي يكون بالإمكان الإمساك بها عبر الزمن، من رسوم الكهوف الأولى في تاريخ الانسانية والخطوط البسيطة الاولى التي تمثل الصياد والفريسة، كان هنالك الجانب الطقسي وجانب تجميد لحظة الانتصار على الوحش.
في عصر ازدهار الفن الكلاسيكي (عصر النهضة) أصبح فن البورتريه ميزة، يشير ضمن ما يشير اليه إلى المكانة الاجتماعية، فالبورتريه لم يكن متاحا لكل الناس، إنما كان بطريقة ما، حكرا على الطبقة الارستقراطية. وكما يشير الفيلسوف الفرنسي رولان بارت في كتابه «الغرفة المضيئة.. تأملات في الفوتوغرافيا»، الذي تناول فيه فلسفة الصورة، يشير إلى أن البورتريه كان يحاول أن ينقل شكل المرسوم، بالاضافة إلى رسالة واضحة عن طبيعة الشخصية، من خلال وضع الشخص في اللوحة جلوسا أو وقوفا، نظرته، ملابسه… الخ، وعندما كسرت التكنولوجيا احتكار الطبقة الارستقراطية لميزة البورتريه، باختراع الفوتوغراف، بقيت صور البورتريه الفوتوغرافية تسير في سياق الفهم القديم نفسه لهذا الفن.
في عصر الرسم ولوحات البورتريه، كان الملوك والامراء والشخصيات البارزة يسعون للحصول على لوحة بورتريه أو أكثر، تعلق في الصالونات الخاصة في قصورهم أو في مؤسساتهم، واستمر هذا التقليد بعد اختراع الفوتوغرافيا، لكننا لا نعرف بالضبط متى أصبح أمر تعليق صورة الملك او الرئيس أمرا رسميا، وعلى وجه الخصوص في الدوائر والمؤسسات الحكومية.
وفي محاولة لتتبع الامر وجدت أن الظاهرة شاعت وانتشرت في ثلاثينيات القرن العشرين، تزامنا مع الديكتاتوريات التي افرزتها الديمقراطية الغربية، كما هو الحال في النازية الالمانية والفاشية الايطالية والشمولية الستالينية، وامتدت الظاهرة لتغزو ارجاء العالم. أصبح هنالك تقليد اختيار صورة رسمية موحدة يتم اختيارها بعناية من قبل المسؤولين لتعلق في المؤسسات، لكن هوس المستبد اخرج التقليد من اطاره الرسمي لينثره في اطاره الشعبي لتغزو صوره الميادين والشوارع وأماكن الترفيه، بل حتى المنازل.
ربما كان احد اجمل التحليلات لظاهرة انتشار صور وتماثيل الزعيم (ملكا ـ قائدا ـ رئيسا) هو ما قاله الاديب الفرنسي اوجين يونسكو في مسرحيته «الملك يموت» التي كتبها عام 1962، على لسان الملك (بيرانجيه) الذي يعاني من الشيخوخة والاحساس باقتراب الموت، فيخاطب مساعديه وطبيبه وزوجته قائلا لهم «لتبق ذكراي خالدة في كتب التاريخ وليعرف الناس حياتي عن ظهر قلب…. لتحرق سائر الكتب ولتحطم كل التماثيل، وليوضع تمثالي أنا في جميع الميادين.
ولتعلق صورتي في جميع الوزارات، وفي مكاتب سائر اقسام الشرطة ومراقبي الضرائب والمستشفيات، وليطلق اسمي على كل الطائرات والبواخر والعربات والسيارات، ولتسدل ستائر النسيان على جميع الملوك الاخرين والمحاربين والشعراء والمغنين والفلاسفة، ولا يبقين احد غيري في وجدان الناس جميعا…. صورتي مكان صور القديسين في جميع الكنائس، وعلى ملايين الصلبان وليقم القداس من اجلي ولاكونن انا خبز الذبيحة ـ البرشان ـ ولتضأ جميع النوافذ بلون عيني وتتخذ شكلها ولترسم الانهار في السهول صورة وجهي وليظل الناس يناشدونني إلى أبد الآبدبن ويتوسلون اليّ ويتضرعون اليّ). في هذا المشهد الذي رسمه يونسكو يبدو واضحا السعي نحو الخلود في شخصية الديكتاتور، حتى لو جاء هذا الخلود بوسائل زائفة، وربما لا ينافس مشهد يونسكو الا المشهد الذي كتبه الروائي الانكليزي جورج اورويل في رائعته التي ختم بها حياته الادبية «رواية 1984»، حيث كانت صورة الديكتاتور هي الصورة التي تغلف قتامة الرواية الكابوسية «.. تلك الصور التي كانت معلقة في كل مكان. فمن كل زاوية كان ذلك الوجه ذو الشارب الاسود يطل محدقا في وجه المارة. وعلى واجهة المنزل المقابل كانت تنتصب واحدة من تلك الصور المكتوب تحتها بأحرف بارزة عبارة «الاخ الكبير يراقبك» وكانت العينان السوداوان تنفذان إلى اعماق ونستون».
في الدول التي شهدت الكثير من التحولات والانقلابات، أصبح لزاما على القائمــــين على الامر تثبــــيت لحظة تاريخية فارقة، هذا ما تحسه عندما تدخل إلى اي مؤسسة تركية، حيث تواجهك صورة قائد كارزمي حاد النظرات حليق الوجه نضر البشرة هو (مصطفى كمـــال ـ اتاتورك) ابو الامة التركية الحديثة، هي الصورة الوحيــــدة المسموح تعليقها في المؤسسات الحكومية، وهكذا كان الحال مع صور وتماثيل (الآباء) الزعمــــاء المؤسسين كالزعيم الصــــيني ماو تسي تونغ، والزعيم السوفييـــتي لينين والزعيم الكوري كيم إل سونغ، كلها صور وتماثيل تجمد التاريخ لتمر إلى الابدية عبر ابتسامة محنطة وعين تنظر إلى اللانهاية.
ومن المفارقات أن تاجرا عراقيا كبيرا تبرع في نهايات عام 2002 بإنشاء نصب تذكاري مهول للرئيس العراقي صدام حسين من البرونز، وكلف نحاتا بارزا بالقيام بالامر، ونسق المهمة مع أحد أهم مصاهر البرونز في إيطاليا، لينتصب التمثال في قلب بغداد، وعندما سأل رجل الاعمال من شخص يثق به، كيف تقوم بهذا الامر في هذا الوقت وطبول الحرب تدق واحتمالية اسقاط النظام مرجحة بقوة؟ اجابه التاجر الشاطر بأن هذا الامر لم يفته، وقال انظر إلى التمثال انه لرجل يرتدي البدلة وربطة العنق ويقف بقامة منتصبة، وقد طلبت من النحات أن يكون رأس التمثال قابلا للفك والتركيب (قلاووظ)، وبذلك يمكن لأي زعيم قادم الاستفادة من النصب عبر فك الرأس وتركيب رأس الزعيم الجديد! لكن حتى شطارة هذا التاجر لم تمنع تدميرالنصب عندما حلت العاصفة.
كثيرا ما مثلت لحظة إزالة صورة الرئيس او تمثاله النقطة التي توضع في نهاية جملة زمن نظام حكم ما عاش لفترة طالت أو قصرت، ففي فيلم «وداعا لينين» للمخرج الالماني ولفغانغ بيكر المنتج عام 2003 والذي يسرد فيه المخرج عبر نمط تراجيدي – كوميدي قصة انهيار جدار برلين، ونهاية الدولة الشمولية في المانيا الشرقية، حيث يرسم بمشهد مبهر وبرمزية واضحة نهـــــاية هذه الحقـــبة بمشهد يعرضه بالتصوير البطيء لرفع تمثال لينين بطائرة مروحية تنقله إلى المجهول، معبرا عن النقطة التي وضعـــت في نهاية سطر منظومة الدول الاشــــتراكية في اوروبا الشرقية، وهكذا كان الحال مع تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس، الذي نقلته تلفزيونات العالم على انه مشهد سقوط النظام الشمولي، في اللحظة التي سحبت فيه المدرعة الامريكية التمثال العملاق في قلب بغداد معلنة نهاية النظام.
وعندما قام الضباط الاحرار بالانقلاب على النظام الملكي في تموز/يوليو 1952 في مصر، امر مجلس قيادة الثورة برفع جميع النصب والتماثيل التي ترمز للعائلة المالكة ورموز النظام السابق (الفاسد) وتم رفع التماثيل كلها الا تمثال محمد بك لازوغلي المنتصب في الميدان، الذي يحمل اسمه مقابل وزارة الداخلية في قلب القاهرة، وقد كان لازوغلي بك مسؤول الامن في عهد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، هذا التمثال هو الوحيد الذي نسي أو ترك لتنطلق النكتة/الاشاعة في حينها والتي تقول، إن النظام الجديد ترك تمثال مدير الامن فقط ولم يرفعه لأنه نظام بوليسي يتعاطف مع رجل الامن في كل زمان ومكان، لكن احد حكماء الضباط الاحرار سعى بعد ذلك إلى إقناع الرئيس عبد الناصر وتمت إعادة كل التماثيل والنصب واسماء الشوارع إلى القاهرة، ما عدا ما كان منها باسم الملك الاخير باعتبار زمنه هو زمن الفساد.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية