تونس ـ «القدس العربي»: أثار الإعلان عن برنامج مهرجان قرطاج الدولي لهذه السنة الذي ينطلق في الحادي عشر من هذا الشهر وينتهي في الثامن عشر من الشهر المقبل، الكثير من الجدل في تونس، خاصة فيما يتعلق بالعروض والفنانين الذين سيعتلون منصة هذا المسرح الأثري العريق. فهناك عروض يرى البعض أنها لا تليق بإسم هذا المهرجان والسمعة التي اكتسبها على مر السنين والمستمدة من عراقة الحضارة القرطاجية وتفوقها في عصرها الذهبي على الأمم المحيطة بها في شتى الميادين.
فقد اعتلت المنصة أسماء لامعة عربيا وعالميا على غرار السيدة فيروز ووديع الصافي وصباح فخري وشارل آزنافور وخوليو إيغليسياس وآخرون. ناهيك عن فرق الباليه والمسرح والأوركسترا السمفوني العالمية من روسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا وإفريقيا، وبالتالي فلا يجوز حسب البعض أن يتحول مهرجان قرطاج إلى مرتع لمن هب ودب ليعتلي منصته المخصصة عادة للعمالقة دون سواهم. كما تثير مسألة غلاء تذاكر الدخول إلى هذه العروض حنق البعض وسخطه على المنظمين.
الحياد عن البعد الثقافي
وفي هذا الإطار يعتبر الفنان التونسي عز الدين الباجي في حديثه لـ «القدس العربي» أن مهرجان قرطاج قد حاد عن أهدافه الثّقافيّة التّي بني عليها منذ سنة 1963 حيث كان الفضاء الذي يوفّر للمواطن التّونسي المادَّة الثّقافيّة الدّسمة، كذلك يمثّل نافذة يطلّ من خلالها على الثّقافات الأخرى بما توفّره الدّولة من دعم مادي له وبالتّالي لا تثقل كاهل المواطن التّونسي بأسعار تذاكر مرتفعة الثّمن، حيث أنّ العرض الثّقافي لا ينظر إلى الرّبح المادّي.
لكن في فترات مختلفة انزلق القائمون على هذا المهرجان العريق، بحسب محدثنا، في الشّعبويّة والعروض التّجاريّة ممّا أفقد المهرجان رونقه وبريقه، كما أن المهرجان حسب الباجي، خرج نهائيًّا من قائمة المهرجانات الثّقافيّة وأصبح عبارة عن حفلات «شو بزنس» فقد اعتمدت الدّورة الخمسين مثلا على عنصر الإبهار من حيث التّقنيات المتوفّرة وتغاضت عن القيمة الفنيّة للعروض وأصبحت التذاكر بأثمان مشطّة رغم الدّعم المادّي الكبير الذي تقدمه الوزارة، وبالتّالي أصبح هذا المهرجان تجاريا بمعنى الكلمة. زِد على ذلك ملفّات الفساد والشّبهات التّي ترافق كلّ دورة.
ويضيف قائلا: «أما عن الدّورة الواحدة والخمسين فإنّ البرمجة المقترحة من مديرة المهرجان سنيا مبارك التي لا خبرة لها في هذا المجال، فهي برمجة فقيرة المحتوى والقيمة الفنيّة ولا تعدو أن تكون برمجة مهرجان مبتدئ لا أهداف له رغم أنّ الميزانيّة المرصودة محترمة جدًّا ويمكن من خلالها تأثيث سهرات رائعة فنيا وثقافيًّا لكن سوء التّصرّف والحياد عن البعد الثّقافي للمهرجان جعلاه يصل إلى هذا المنحدر الذي أفقده قيمته».
سياسات فاشلة
من جهته يعتقد محمد اليوسفي رئيس تحرير موقع «حقائق» أون لاين الإخباري في حديثه لـ «القدس العربي» أن برنامج العروض للدورة 51 من مهرجان قرطاج الدولي، والحالة التي باتت عليها هذه التظاهرة العريقة إجمالا، تعكس بشكل جلّي وضعية الثقافة في تونس ليس بعد الثورة فحسب، وإنّما أيضا كنتاج لاجترار سياسات فاشلة وتصوّرات رثّة لا ترتكز على مقاربات ورؤى استراتيجية واضحة، بل هي وليدة عقلية «البايليك» (نسبة إلى باي تونس أي ملكها قبل إعلان الجمهورية) والتخبّط في الارتجالية و «الترقيع» كما هو حال البلاد وجلّ قطاعات الدولة والمؤسسات العمومية.
ويضيف قائلا: «من الواضح أنّ إعلان قائمة العروض الفنيّة التي ستقدّم في دورة هذا العام صاحبته موجة من الاستياء والانتقادات اللاذعة من لدن معظم مكونات المشهد الإعلامي، وكذلك الثقافي، بالنظر إلى أنّ مارشح من برنامج عام كان دون المأمول وهو لا يليق بعراقة مهرجان لطالما ساهم في دفع عجلة الحياة الثقافية في تونس خاصة في شهر الصيف الذي له نكهة وعطر استثنائي في حياة التونسي».
ويتابع «صحيح أنّ هزالة برنامج دورة هذا العام تعزى أساسا إلى تقلّص قيمة منحة الدعم المسندة من قبل وزارة الثقافة مقارنة بالسنة الماضية، لكن من المهم التأكيد على أنّ هذه المسألة بالذات تعكس أحد أوجه المشاكل التي على ما يبدو قد أضحت مزمنة في المهرجان وهو ما يدعونا في المحصّلة إلى إطلاق نداء من أجل الشروع في أقرب الآجال في إدخال إصلاحات عميقة وجذرية في علاقة بالمسائل التنظيمية والإدارية لهذه التظاهرة التي وجبت مأسستها والتفكير في سبل لايجاد المعادلة الكفيلة بإعادة البريق والحفاظ على هويّة المهرجان والذوق الفنّي العامّ مع الأخذ بعين الاعتبار الجوانب التجارية واكراهاتها، فضلا عن حلّ معضلة الموارد الماديّة بعيدا عن وصاية الدولة وسلطة الاشراف»، فالمال هو قوام الأعمال، حسب اليوسفي، وقد آن الأوان برأيه لكي نخرج من بوتقة الشعارات الفضفاضة والعناوين المنمّقة مع حتمية الاستئناس بتجارب مقارنة على غرار مهرجان موازين في المغرب الأقصى فهو نموذج نحتاج إلى التمعّن فيه واستخلاص العبر.
الصادق الصدام
أما المخرج السينمائي والمسرحي والمنتج الإذاعي الصادق الصدام فيقول لـ «القدس العربي» أن مهرجان قرطاج من أعرق وأهمّ وأكبر المهرجانات الثقافية لا في تونس فحسب بل في كامل الوطن العربي.. وقد إكتسب هذه المكانة من قيمة العروض الفنيّة القيّمة التي عرضت على مسرحه التاريخي ما جعل الوقوف أمام جمهوره حلم كل فنان أو موسيقي ويعتبر تتويجا لمسيرته… وتعتبر دورته الجديدة، إستثنائيّة نظرا لما تعيشه البلاد من أوضاع سياسيّة وإقتصاديّة وإجتماعيّة غير مسبوقة وفي ظلّ تخفيض ميزانيّة الثقافة لأقلّ من 1٪ ممّا يجعل المسؤوليّة أمام الفنانة سنية مبارك مديرة المهرجان مضاعفة لنشر الفرح والجمال والثقافة للتصدي للفكر المتشدّد والتكفيري الذي بدأ يفرض عداءه لكلّ ماهو إبداع بتجريمه وتحريمه». وفي قراءته السريعة لبرمجة هذه الدورة يثني على تكريم الفنان التونسي ببرمجة الإفتتاح للعرض الفني «ظلموني حبايبي» نص وإخراج لعبد العزيز المحرزي، الذي هو عمل مسرحي فرجوي يكرّم الفنانة الراحلة السيدة «عليّة»، وسيكون إختتام المهرجان بحفل للفنان التونسي لطفي بوشناق وستتخلل هذين العرضين التونسيين عدد من العروض الموسيقيّة لنجوم الطرب العرب مثل نور مهنا ووائل الكفوري والعالميين مثل الموسيقار التركي عمر فاروق المعروف عالميا بموسيقاه الصوفيّة والمغنية العالميّة أنديلا وموسيقى الشباب متمثلة في مغني الراب المثير للجدل كافون مع نجم الراب في تونس البلطي.
ولكن رغم هذا التنوّع إلا أنّ المخرج المسرحي القيرواني يسجل غياب العروض المغاربيّة في هذه الدورة فلا يوجد أي عرض للفن الليبي رغم تواجد أكثر من مليون ونصف ليبي مقيمين بتونس بسبب الأوضاع الأمنيّة في الشقيقة ليبيا حيث كان من المفروض التأكيد على لحمة شعوب المغرب العربي خاصة في الجانب الثقافي. كما يلاحظ محدثنا غيابا لعروض من الشقيقة الجزائر رغم التعاون الكبير بين البلدين على كلّ الأصعدة وإمكانيّة قدوم عدد هام من السياح الجزائريين في حركة تضامنيّة لإنقاذ الموسم السياحي، كان من المفروض توفير عروض تتناسب مع أذواقهم لإشراكهم في الحركة الثقافيّة لعلّ الإبداع والثقافة تمتّن علاقات الأخوّة الضروريّة في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة … ويختم: «أما على المستوى الفني فإنّ هناك عروضا لا ترتقي إبداعيا لتعرض في مهرجان عريق مثل مهرجان قرطاج عرضت فيه أهم الفرق السمفونيّة والباليهات العالميّة وأثارت جدلا وإنتقادا من طرف المتابعين للشأن الثقافي مثل عرض الفنان محمّد عسّاف وأمل ماهر اللذين رغم قيمتهما لم تنضج تجربتهما لإعتلاء مسرح بقيمة مهرجان قرطاج.
ورغم التنوّع في العروض الموسيقيّة التي شملت الموسيقى التونسيّة والعربيّة والصوفيّة والجاز، إلا أننا نلاحظ غياب العروض المسرحيّة وندرة العروض الراقصة كما أنّ التخفيض في ميزانيّة المهرجان قد يكون حرم متابعيه من عروض كبرى بعد فشل المفاوضات مع خوليو إيغليسياس وكاظم الساهر ممّا جعل المهرجان يفقد الكثير من بريقه ويثير حول برمجته الكثير من التعليقات والتذمّر».
روعة قاسم