القاهرة ـ «القدس العربي» من عبد السلام الشبلي: في عملها الروائي الأول، تقدم الكاتبة المصرية ضحى عاصي، وجبة دسمة من تفاصيل المجتمع المصري في « 104 القاهرة»، جاعلة من العاصمة المصرية ملعبا لروايتها، مستندة إلى التاريخ المصري السياسي كداعم لحراك المجتمع الذي يتغير على مدى 60 عاما مصيبا أفراده بتغيرات لا يمكن توقعها.
تقول عاصي إنها رسمت مصر كما رأتها، متخذة شخصياتها من واقع الحياة المصرية التي تزداد تعقيدا ما يترك أثره على الشخصية المصرية التي تتغير مع تعاقب الأيام.
المزيد في الحوار التالي مع الكاتبة المصرية حول روايتها « 104 القاهرة».
■ دعينا نبدأ بما انتهت به رواية «104 القاهرة» وهو موت انشراح، كيف تفسرين للقارئ موت شخصيتك الرئيسية؟
□ الموت ذو طابع رمزي في الرواية فهو الحقيقة الوحيدة المؤكدة فيها، ورغم ذلك فنحن ما زلنا نتفاجأ به رغم تأكدنا من حتمية وقوعه، وفي الرواية حاولت أن أقول إن الموت هو الحقيقة وليس العدم، عكس ما نعيشه مع الموت واقعيا كحالة عدمية، وفي الواقع فإن هناك العديد من الأديان والميثولوجيات تقول بأن الموت هو الخلود واليقين وهو مع لحظة الولادة الحقيقتان الوحيدتان المؤكدتان في حياة الإنسان.
■ يأخذ الموت حيزا كبيرا من الرواية باعتبارك إياه تخلصا من الخوف، هل تجدينه أقل وطأة من الحياة ؟
□ لو قرأنا في ما كتبه الأجداد ووضعوه عبر موروثنا الثقافي والديني الذي أخذناه عنهم سنجد أنهم قدسوا الموت وعدّوا الحياة بعده أفضل من الحياة الأولى، لأنه يحطم الخوف الذي في نفوسنا من المجهول، وبالتالي هو اليقين الذي يوصلنا إلى اللاخوف، وبما أنه الحقيقة الوحيدة كما قلنا فهو اليقين الأبرز فإذن هو أفضل بكل تأكيد.
■ حملت روايتك جانبا تاريخيا يحاكي المشهد السياسي لمصر خلال النصف الثاني من القرن الماضي حتى 2010 ، ما هو المقصد من إسقاط التاريخ على الحياة الاجتماعية؟
□ المقصد ليس سياسيا بحتا، لكن لو تتبعنا حياتنا سنجد أن كل شيء فيها مرتبط بالتطورات السياسية التي تتدخل في أصغر شؤوننا، فالكثير من الأمور الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالواقع السياسي من حيث العلاقات بين البشر والأزمات التي تتولد من التعارض السياسي وتداخل السياسة بالواقع الاجتماعي وانعكاسها على الشخصية الإنسانية، وباعتقادي فإن هناك نوعا من التماهي بين التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أي مجتمع.
■ سيطرت على الرواية الأحلام والسحر والعوالم الموازية، كيف تفسرين توظيف ذلك روائيا؟
□ بحكم دراستي للميثلوجيا والتاريخ وكتابي الأخير الذي وضعته بعنوان «محاكمة مبارك بشهادة السيدة نفيسة» اكتشفت أن هناك مواطنين يذهبون للسيدة نفيسة بجوابات حكومية بقصد تلبيتها عبر توسلهم بها، وهنا نذهب إلى حقيقة أن الكثير من الناس ذهبوا للجانب المظلم من العالم، عالم السحر والبركات وغيرها، والمفاجئ في الأمر أن الكثير منهم ذو تعليم عالٍ ومن طبقات اجتماعية تصنف بأنها من الأسر المثقفة، فضلا عن امتلاكهم للمراكز الاجتماعية والسياسية المهمة، ولهم غرف خاصة بأسمائهم في السيدة نفيسة، كل ذلك جعلني أتناول الموضوع في الرواية في محاولة لاستكشاف دوافع الإنسان للبحث عن المخلص مما يعيشه من اضطرابات تؤثر في حياته على اختلاف طبيعتها، وهنا يمكن تصنيف الأمر بعيدا عن الجهل للذهاب لما هو لمصطلح أكثر دقة وهو الضعف، ففكرة المخلص موجودة عند الكثير من الحضارات التي حاولت التغلب على مخاوفها وضعفها في البحث عن المخلص، الذي يمنح القوة للإنسان، والأمر إن حاولنا أن نراقبه أكثر سيتوضح لدينا أيضا في المجتمعات الغربية المتحضرة، التي حاولت تمدين تلك الفكرة بالبحث في الطاقة والقوة الداخلية للإنسان وخفايا الكائن البشري الذي ما يزال يجهل الكثير مما يملكه.
وباعتقادي فإنه يجب ألا نقطع بأحكامنا حول هذه الأمور التي لا نعرف ما في خباياها، حيث سيكون حكمنا عليها منقوصا والأفضل أن نأخذ الحياد كمنهج للتعامل معها.
■ في سرد الرواية يلاحظ انصهار كبير لثقافات عدة مرت على القاهرة خلال 60 عاما ماضيا كيف تقرأين هذه التغيرات التي مرت على المدينة وانعكاسها على الأدب ؟
□ التغير هو منطق الحياة، وبرأيي طالما هناك حراك مجتمعي، فإنه سيشمل كل نواحي الحياة وربما تكون حصة الأدب هي الأكبر منه، ونحن اليوم لسنا بصدد تقييم الأدب الذي نقدمه فهذه ليست مهمتنا، بل مهمة من سيأتي من بعدنا، والزمن وحده القادر على كشف الأشياء وقيمتها وأحقيتها بالبقاء كموروث للأجيال القادمة أو عدم ذلك.
■ الرواية جميلة بإناثها هل توافقين هذا الرأي، ولماذا؟
□ لا أوافقه تماما، لأنني أرى أن الرجال حاضرون جدا في الرواية رغم عدم حضورهم في نصها حرفيا، فهم أثروا بشكل مباشر أو غير مباشر على سيدات الرواية، فمثلا انشراح بطلة الرواية، رسمت حياتها بالرجال الذين تنقلت في علاقتها معهم، بدءا من إبراهيم حبيبها الأول ثم أخيها سيد، وزوجها حسن، الجميع أثر فيها وصنع حياتها، رغم عدم حضورهم في نص الرواية إلا بما ذكرته عنهم في سردها، وبالتالي الرواية رسمت نسائيا بتأثير ذكوري صنع الحياة التي عاشتها نساء الرواية.
■ أظهرت الرواية الرجل المصري بصورة سلبية قليلا ولماذا ؟
□ برأيي فإن المجتمع ككل كان سلبيا لا مساحة فيه للشخصيات الحالمة بحياة أفضل، حكم الناس بالعادات والتقاليد والثقافة والدين والظروف الاجتماعية والحالة الاقتصادية والسياسية، فضاق بهم كضيق الكورنيش عند المساحات الجميلة، الأمر الذي صنع من شخوص الرواية عموما والرجال خصوصا، حالات سلبية تعرضت للقهر الذي جعلها كما سارت أحداث الرواية تظهر بمظهر الارتباك والضياع الذي عاشته الشخصيات.
■ تنطق الرواية بالشخصية المصرية المركبة التي يصعب تفسيرها أحيانا، كيف تقرأين الشخصية المصرية بين الماضي والحاضر؟
□ الشخصية المصرية مركبة كما يقول عنها ميلاد حنا في كتابه الشهير «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، ومن خلال دراستي للتاريخ والأنثربولوجيا فإني قارئة جيدة للشخصية المصرية، وأعرف جيدا عن أعماقها التي تمر بين صناديق النذور والسحر وغير ذلك، وبالتالي الشخصية المصرية ليست بسيطة، بل تحمل العديد من الأبعاد، ما يجعلها في الوقت الحالي مرتبكة نتيجة ما تتعرض له من تضييق أحدث حالة من الاكتئاب الجمعي، ما أعطى كل ما نراه من الأخطاء والنماذج المشوهة المأزومة التي تحاول رسم نفسها بحرية بعيدة عن كل أنواع التضييق الممارسة، ورواية «104 القاهرة» تحاول محاكاة هذه الشخصية المركبة المأزومة.
■ هل تعتقدين أنك وصلت إلى حياة القاهرة الاجتماعية بكل تفاصيلها في روايتك؟
□ لا بكل تأكيد فالمجتمع المصري مكون من مئات الشرائح التي يصعب على أي كاتب رسمها في رواية واحدة، فهو مجتمع واسع ومتعدد ورواية «104 القاهرة» اقتصرت على بعض شرائح القاهرة فقط بعيدا عن أخرى تحتاج إلى موسوعات للكلام عنها.
■ في أحد حواراتك الماضية قلت إنه لا يمكن تقسيم الأدب إلى أنثوي وذكوري لكن البعض يصنف روايتك على أنها أدب أنثوي، ما ردك على ذلك؟
□ أعتقد أن الكاتب يكتب ما يشعر به، فإن ظهر ذلك أنثويا أو ذكوريا فهو حكم القارئ أولا وأخيرا، وبالنسبة لرواية 104 القاهرة، أرى أنها رواية اجتماعية رسمت أحداثها شخصيات نسائية فخرجت للقارئ بأنها رواية نسائية ربما، لكن ذلك لا يغلي موقع الرجل في أحداثها.
■ بعيدا عن «104 القاهرة»، كيف ترين واقع الرواية المصرية الحالي؟
□ كما قلت لك سابقا، لا أجد نفسي في موقع المقيمة للمنتج الأدبي المصري الحالي، وللحالة الأدبية المصرية عموما، فنحن نكتب ونعمل على إخراج نصوص إبداعية، والقراء سيحكمون عليها، حيث سيلعبون دورهم في تقييم هذه المرحلة المهمة من التاريخ الثقافي في مصر، والأسماء التي تستحق أن تأخذ مكانها في تاريخ الرواية المصرية.