ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء المكون الزنجي الموريتاني

حجم الخط
2

عبدالله مولود
موريتانيا – «القدس العربي»: «الألمودات» أو «التاليبي» كما يسمون في جنوب موريتانيا وفي السنغال المجاورة، أطفال في عمر الزهور فرض عليهم معلمو القرآن وأساتذة الكتاتيب التجول كل يوم من الصباح حتى المساء لجمع الأموال عن طريق التسول والإستجداء في الأسواق وأمام المساجد وفي تقاطعات الطرق.
تخلص منهم ذووهم لعدم القدرة على إعالتهم في مجتمعات أثقل الفقر كواهل معيليها، وضاعف الارتباط بأربع نساء وهو العادة الزنجية الشائعة، عدد أفراد الأسرة التي قد تنجب ثلاثين طفلا بل وأكثر.
من رحم هذه المعاناة ولدت ظاهرة «الألمودات» وهي جمع كلمة «ألمودو» ومعناها «طالب القرآن» وهي منتشرة بالخصوص داخل القوميات الزنجية في جنوب موريتانيا وفي عموم السنغال.
ممادو جبيري (9 سنوات) طفل غض إلتقته «القدس العربي» عند نقطة لتجمع الأطفال المستجدين في مقاطعة الرياض جنوب العاصمة نواكشوط يقول «..مفروض علي يوميا أن أحصل لمعلمي 3000 أوقية (حوالي عشرة دولارات) وإلا سيكون الضرب المبرح بالعصا جزائي».
الطفل جبيري بدا حافي القدمين يلبس لباسا رثا وبدت عيناه حمراوان تتقدان بسبب إصابته بالرمد الحبيبي.
غير بعيد منه يقف الطفل أمادو لوه (11 سنة) أكد «أنه فخور بهذه المهنة فهو يجمع مالا يعطي منه لمعلمه ما اشترط عليه والباقي يساعد به أمه ذات الأيتام الثمانية».
«القدس العربي» زارت مدرسة البركة في حي كوسوفو في مقاطعة عرفات في نواكشوط هناك دافع معلم القرآن الذي طلب عدم ذكر اسمه عن ظاهرة استغلال معلمي القرآن للأطفال مؤكدا «أنها عادة حسنة جرى العمل بها منذ زمن طويل وهي عبارة عن نوع من التكافل بين أفراد المجتمع».
وشرح سالي موندو كبير طلبة المدرسة عادة تسول أطفال القرآن فأكد «أن الطالب إذا أكمل ربع القرآن يجب عليه أن يدفع للمعلم 30.000 أوقية (100 دولار) وإذا حفظ نطــف الــقرآن وجب عليه دفع 60.000 أوقية للمعلم وإذا أنهى القرآن حفظا وتجويدا وجب عليه دفع 120 ألف أوقية للمعلم. وبما أن أسر الطلبة أسر فقيرة يكون نظام استغلال الأطفال في التسول لجمع المال هو الوسيلة الوحيدة لسداد نفقات التعليم».
ويضيف أستاذ المدرسة «أنه يتولى إعاشة جميع الطلاب من جيبه الخاص وهو لا يملك أي مصدر للدخل سوى ما يأتي به الأطفال».
ويقول المدون الموريتاني أحمد جدو «في كل صباح، تخرج مجموعة من أطفال مدينة نواكشوط، عاصمة موريتانيا، لا للذهاب إلى المدارس بل للتسول! وتسمى هذه المجموعة «ألمودات» ينتشرون بثيابهم الرثة وأشكالهم المتعبة وعلبهم المعدنية الفارغة، و يبدأون باستدرار عطف المارة عند إشارات المرور وأمام مطاعم ومقاهي وأسواق العاصمة».
ويضيف ولد جدو في تدوينة أخيرة له «هؤلاء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و12 عاما لا يتسولون من أجل أنفسهم، بل تلبية لرغبة الشيوخ الذين يدرسونهم القراَن في الكتاتيب. ويتم الأمر بمعرفة أهلهم وبموافقهم، فهم يتسولون من أجل حفظ القراَن، وأهلهم يقبلون ذلك نتيجة لفقرهم، يظلون طوال النهار يتسكعون في الشوارع حتى يحققوا الحد الأدنى المفروض من طرف شيخهم».
ويتابع المدون شرح رؤيته للظاهرة قائلا «إنهم يقتاتون أثناء مسيرتهم اليومية على الطعام الذي يجود به أصحاب المطاعم والمارة، لأنه ليس من حقهم لمس ما يحصلون عليه من نقود..ويأتي هؤلاء الأطفال في الغالب من مدن الداخل الموريتاني، وأحيانا من دولتي السنغال ومالي».
ويضيف «هذه الظاهرة ليست جديدة على المجتمع الموريتاني، لكنها خاصة بالمكون الزنجي، وهي في الأصل كانت نوعاً من»التكافل الاجتماعي» بحيث يتكفل المجتمع بطلبة العلم، وهو ما يعتبر بمثابة الواجب الأخلاقي، ولبث قيم التواضع والأخوة لدى طلاب العلم، حيث كان الشيخ الذي يدرس القراَن (المرابو) يتكفل بالأولاد ويسكنهم في الكتاب الذي يديره، ولا يتقاضى أجرة على تدريسهم، وتسولهم يقتصر على طلب وجبات الطعام لأنفسهم، وهي كانت فلسفة لدى مدرسي القراَن اَنذاك، حيث يعتبرون أن الأمر سيجعل الطلبة متواضعين وغير متكبرين، وهذا بحسب رأيهم هدف نبيل، ومن خلال هذا الفعل يريد آباء الطلاب أن يثبتوا أن أبناءهم قد ضحوا من أجل تعلم القراَن وعلوم اللغة».
ويتابع «..لكن مع وجود الدولة الحديثة وهجرة الكثير من سكان الريف إلى العاصمة، بسبب الجفاف والفقر والجوع، تغيرت الأوضاع وتحولت الظاهرة إلى تجارة وانتهاك للطفولة، وتحولت بعض الكتاتيب التي تدرس القراَن للزنوج في نواكشوط إلى مراكز لنشر المتسولين في الشارع، وتحول بعض مدرسي القراَن إلى مجموعة من المجرمين الذين يفرضون على الأطفال الموجودين لديهم أن يتسولوا و أن يحصلوا على مبالغ محددة، وإلا تعرضوا للضرب والتنكيل، بحيث يوجدون على الطرقات في ساعات متأخرة من الليل وهم ما زالوا يبحثون عن المبلغ المطلوب».
ويرى أحمد جدو «أن ظاهرة الألمودات طريق إلى الإنحراف والجهل»ويؤكد «أن وجود هؤلاء الأطفال في الشارع لفترات طويلة وتعودهم على التسول وحرمانهم لسنوات من رؤية أهلهم، حوّل الكثير منهم إلى مجرمين ناشطين في عصابات، يمارسون النشل وكل أشكال اللصوصية، ويتم استخدامهم أحياناً في تجارة المخدرات، ويصبح مصير الكثير منهم التورط في جرائم والذهاب إلى السجن».
ويطالب المدون الموريتاني الحكومة بالتحرك «لإنقاذ الأطفال، بوضع برامج حقيقية فعالة من أجل دمجهم في الحياة الطبيعية، والوقوف في وجه المشايخ المتاجرين بهم باسم تدريس القراَن، ووضع قوانين واضحة تجرم فعلهم، مع القيام بحملات توعية المجتمعات لإقناع العائلات بالتوقف وتنبيهها لخطورة ما يحدث لأولادها» مضيفا «أن ظاهرة «الألمودات» لا تقتصر على موريتانيا فقط، فهي موجودة في أغلب دول غرب إفريقيا وهي تمارس بالطريقة نفسها».
ولمواجهة ظاهرة تشرد الأطفال افتتحت الحكومة الموريتانية عام 2006، مركز الحماية والدمج الاجتماعي التابع للوزارة المكلفة بشؤون المرأة والطفولة الذي استقبل حسب مديرته المساعدة مريم بنت الحبيب «أزيد من 600 شخص ما بين مشرد ولقيط».
وتؤكد مريم بنت الحبيب «إن الحكومة الموريتانية تنفذ عبر المركز سياسة ذات محورين أحدهما وقائي، والآخر علاجي حيث أسست مراكز الإيواء، واعتمدت البحث عن الأطفال المهددين بالانحراف، أو المعرضين للتسرب المدرسي نتيجة للتفكك الأسري، أو للفقر المدقع من أجل دمجهم وحمايتهم».
هذه الظاهرة منتشرة في الكتاتيب التي يشرف عليها معلمون وهي خاصة أيضا بالأطفال ذوي الأصول الزنجية.
يقول تيام عبد الله وهو مختص في علم الاجتماع وناشط في منظمات دولية معنية باستغلال الأطفال «إن ظاهرة استغلال أطفال «التاليبي» ازدادت بعد أن تدنى ريع الزراعة المصدر المالي الذي كان يعتمد عليه أساتذة الكتاتيب فلم يبق لديهم من وسيلة سوى ابتعاث الأولاد لجمع المال في الطرقات».
ويضيف «في المدن يتعرض الأطفال لشتى المخاطر: حوادث الطرق، الإختطاف، الإعتداءات الجسدية والجنسية وغير ذلك…».
وتؤكد الأخصائية الإجتماعية آمناتا سمب «على خطورة أوضاع الأطفال المشردين فهم بعيدون عن ذويهم ولا يملكون وسيلة للدفاع في حالة الإعتداء عليهم في الشارع أو في حالة ما إذا عاملهم المعلم بعنف».
وتضيف «إن مصير الأطفال داخل الكتاتيب، هو بيد معلميهم من شيوخ القرآن الذين اتخذوا فتح المدارس وجمع الأيتام فيها وسيلة للعيش، فتجد الشيخ الواحد يدير عشر مدارس تجمع كل منها مئات الأطفال، ولا بد لكل طفل أن يجمع مبلغا ماليا كل يوم، ومشاكل الحياة من غلاء وارتفاع تكاليف الاستئجار والدواء كل هذا يجعل مشائخ المدارس ملزمون بدفع الأولاد نحو الإستجداء».
ويشير صمبا جاخاتي وهو خريج سابق من مدرسة للقرآن في مدينة كيهيدي جنوب موريتانيا إلى «أن معلمي القرآن يخفون الحقائق عن عائلات الأطفال المستغلين».
ولا تتوقف معاناة هؤلاء الأطفال عند حدود وجودهم داخل الكتاتيب بل المشكلة أكبر بعد التخرج حيث لا يملك الخريجون مهارات تمكنهم من العمل فيضطر الكثيرون منهم للتحول بدورهم لأساتذة يستغلون أطفالا آخرين وهكذا دواليك..
وحذرت دراسات اجتماعية كثيرة تنـاولــت هذه الظــاهرة بينها دراسة أعدها الأستاذ محمدو جوم عام 2001 لوزارة التعــليم السنغالية، من خطورة نظام الكــتاتيب القائم على استغلال الأطفال.
يقول محمدو جوم «..خلال فترة الطفولة التي يتعلم فيها الصبي الحياة الإجتماعية يكون طلاب الكتاتيب على الهامش منبوذين لروائحهم المنتنة ولأجسادهم الموبوءة فيكبرون على العزلة والإعتزال وعلى حياة لا سيادة فيها إلا للعنف والشقاء».
وبما أن أطفال اليوم هم قادة المجتمع في الغد فما الذي تفعله حكومات الدول التي تنتشر فيها هذه الظاهرة الغريبة؟ بالنسبة للسنغال التي تنتشر فيها أكثر هذه الظاهرة والتي عبرت منها الى موريتانيا ومالي فإن الحكومة تجمع بين رقابة الكتاتيب عن بعد والسماح باستمرارية نظامها خوفا من إثارة شيوخها ذوي التأثير الكبير. وفي عام 2012 اصدر الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد قانونا بتحريم التسول داخل المدن غير أن الحكومة اضطرت، تحت ضغط احتجاجات الشيوخ، لسحب القانون بعد ثلاثة أشهر من تطبيقه.
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد نشرت في آذار/مارس الماضي تقريرا بعنوان «استغلال بحجة التعليم» انتقدت فيه تعامل السلطات السنغالية مع ظاهرة تسول الأطفال، ودعت لإصدار قانون ينظم ويدعم المدارس القرآنية حتى لا تظل وكرا لتدمير الناشئة.

150.000 ألف طفل مستغل ضمن نظام «الألمودات»

تؤكد إحصائيات منظمة اليونسيف أن عدد الأطفال المستغلين ضمن ظاهرة «ألمودات تاليبي» يبلغ 150.000 طفل.

البداية:

بدأت الظاهرة عام 1974 عندما هجر الريفيون السنغاليون والموريتانيون قراهم بعدما اكتسح جفاف السبعينيات المحاصيل الزراعية ففروا نحو المدن الكبرى أملا في الحصول على وسيلة كسب للمعاش.

أسباب:

فقدت الأسر مواشيها وقضى الجفاف على المحاصيل فاضطر السكان لإرسال أبنائهم للكتاتيب ووضعهم تحت تصرف مشائخ مدرسين للقرآن مع السماح باستغلالهم مقابل تعليمهم.
نشأت الظاهرة وافتتحت مئات المدارس، وعلى مر السنين ترسخت المنظومة الإستغلالية وأصبح كل من لا يملك وسيلة لإعاشة ابنه يرميه داخل المدارس ليتحول إلى مسترق للمعلم الذي هو أبوه الروحي.

واجبات الطفل:

أن يأتي كل يوم بنقود أو بخبز أو سكر أو دقيق أو فواكه..المهم أن يأتي بشيء، وهذا يضطره للتجوال طيلة اليوم بين المنازل ودور العبادة وداخل الأسواق.. ويضطر الأطفال أحيانا للسرقة كيلا يعودوا بأيد فارغة.

غرائب:

غالبية أطفال «الألمودات» لا يحفظون أي شيء من القرآن رغم مضي سنوات عليهم وهم في مدارس قرآنية؛ إنهم أدوات بشرية لا دور لهم سوى إثراء المعلم.

إحصاءات:

تقدر إحصائيات الأمم المتحدة عدد الأطفال المستغلين في نظام «الألمودات» بما يتراوح بين 120 و150 ألف طفل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية