ضد «فرانز كافكا»

حجم الخط
0

كوبنهاغن – أحمد سليمان : تسربت إلى أنفي رائحة قوية، تشبه رائحة البيض الزنخ. جدران الغرفة الفاتحة عكست زرقة الفجر في فضاء المكان. طرفت بعيني صوب الساعة الجدارية المائلة وأنا ممدد بالوضعية ذاتها التي غفوت عليها منذ خمس دقائق بالضبط. حلمت فيها بأنني أموت في القطب الشمالي المتجمد. ما الذي أيقظني؟ لا أدري على الرغم من السكون العميق الذي يسود جو الخامسة صباحاً.
انتابني صداع رهيب مع رغبة لا تقاوم في التقيؤ. هرولت مخطوفاً إلى الحمام. كان مضاءً وبابه مغلقاً على صوت خشخشة ملابس بداخله. حين حاولت فتحه استعصى مزلاج الباب بقبضة معاكسة من الداخل دون أن ينطق أحد. من في الداخل؟ لم يجب.. بابا؟ ماما؟ أختي؟ كنت خلال هذه الدقائق المكهربة بالغرابة والتوتر قد تقيأت على السجادة، مقابل الحمام وعبقت رائحة كريهة حولي.
أسمع همهمات غامضة في الحمام. كأنها أغنية خفيضة الصوت، يرسلها راديو أو شيء آخر. حاولت فتح الباب بقوة مرة أخرى، فاقفل طقتين بمفتاح من الداخل وتراخت قبضة الباب المستعصية. ثم انطفأ الضوء بسرعة. هز الصداع رأسي كارتطامات متتالية على بلاط بارد. شعرت بانحباس تنفس وضغط للأسفل على أجفاني. من في الحمام لماذا لا ترد.. قل شيئاً؟.
كمعتقل يريد الهروب تخبّط الباب وأخذت قبضته تتحرك بشكل عشوائي مخيف، الضوء يشعل ويطفئ. وصوت ضحك رجولي مهووس يرجّع صداه في مساحة الحمام الضيقة. شلّني رعب أذوقه للمرة الأولى في حياتي وربما الأخيرة، أردت الصراخ وخلع الباب وقتل من في الداخل فلم أستطع. أحسست بأني غير موجود. شبح يحوم حول جسد مرتجف. التصقت بالجدار مقشعراً. التوى كاحلي فوقعت على الأرض وتمرغ خدي بالقيئ المتخثر. زحفت إلى غرف النوم بينما ذاك المجنون الغريب يحطم مرايا الحمام ويفتح الصنابير، دخلت غرفة أبي وأمي. كانت جثتان مرميتين على الأرض تسبح الغرفة بدمهما. فمان فاغران تعلوهما عيون معلقة بزعقات وقف منتصفها الزمن لم تلحق مواجهة السكاكين في الظلام.
تقيأت. بكيتُ أكثر مرة في حياتي بفم مفتوح على آخره. مشلول تماماً. زحفت في الممر الأخير إلى غرفة أختي. لم أجدها على السرير في ضوء الفجر. تكوّمتُ في زاوية الممر عندما أحسست بشيء ساخن يسيل ببنطالي على فخذيّ المرتعشتين. خمدتُ في الزاوية كقطعة حطب متحجرة بين رماد في موقد منسي. طق قفل باب الحمام ببطء وخيم صمت مريب. أسندت بذراعي جسدي نحو الحائط. تماسكت نحو الحمام ملتصقاً به يقطر البول من حواف بنطالي. انتصبتُ أمام الباب حاملاً مطرقة حديدية مسننة. تلاشت رعشتي وخالجني شعور بقوة ألف ثائر. رفست باب الحمام المعتم. تناهى من آخره لهاث حيوان متسارع شبع تواً من فريسته، أشعلت ضوء الممر الجانبي فبان جسد ضخم يتنفس على بلاط الحمام. شرعت مطرقتي في الهواء وقطعت المسافة بيننا محلقاً نحو جمجمته بالمطرقة وأوقفت ضحكه المهووس بمسنناتها الحادة التي ثقبت رأسه الأصلع. سحبتها وسلخت بها لحم وجهه بضربات هستيرية، فقأت عينيه وقلعت أسنانه، عرّيته. شرّخت عضوه الذكري. أدميت جلده بالمطرقة حتى امتلأ دماً ثم غطستُ رأسه في حوض الـ «بيديه». تراجعت مبتعداً عنه فاصطدمت بشيء طري، عليه سائل لزج فاتر، شعر مبلول، جسد من دون ملابس. نهضت مذعوراً وأشعلت ضوء الحمام، لأرى أختي مغمسة بالدم، مطروحة على حافة البانيو رأسها داخله وقدماها تتدليان على البلاط بصورة تجعل النظر إليها مرتين أمراً مستحيلاً. سحبت السفاح من مكانه وجررته في الممر إلى وسط الصالون، أخرجت عبوة المازوت المعدنية من المدفأة ورششت بها جميع زوايا البيت وكل الجثث فيه، رميتها أخيراً على جثة السفاح، أشعلت ورقة وألقيتها على السجاد المضمخ بالمازوت. ثم ركضت هائماً خارج البيت. ركضت، وركضت، ثم ركضت.
نظرت خلفي إلى البيت تندلع النار من نوافذه المتكسرة، ويغلفها الشحار. احترق كل شيء هناك في صباح تشرق فوقه الشمس وتنعق الغربان.
– لا أعرف شيئاً، أنا لا أعرف شيئاً سيدي. لم أعرف ماذا حدث في تلك الساعة ولم أعرف ماذا أفعل بعدها ولا أين أذهب. لذا أتيت إلى المخفر لأخبركم عن هذه الجريمة
– أين يقع البيت؟
– أي بيت!
– بيت حضرتك الذي وقعت فيه الجريمة
– لا أدري
– لا تدري؟
– نعم
– لحظة لحظة
– ما اسمك يا ابن الحرام؟
– فرانز كافكا
– عفواً!
– اسمي فرانز كافكا، وأحياناً إدغار آلان بو
– أعطني هويتك
– ليست معي
– ماذا تعمل؟
– أنا كاتب. كاتب منذ ثلاثين عاماً
– خذوا هذا المجنون إلى الزنزانة وعذبوه حتى يعترف بكل شيء
– شكراً جزيلاً سيدي الضابط ..

ضد «فرانز كافكا»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية