باريس ـ «القدس العرب» ـ آدم جابر : على مدار الأسبوع الجاري هيمن الملفُ السوري على المشهد السياسي الفرنسي، في أعقاب الضربات الجوية التي نفذتها فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فجر السبت 14 نيسان/ابريل الجاري، في سوريا، ردا على استخدام الأسلحة الكيميائية، في 7 من الشهر الجاري بمدينة دوما، حيث تقول الدول الثلاث إنها تمتلك أدلة تثبت أن النظام السوري هو من يقف وراء العملية. لكن هذه الضربات فتحت على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باب الانتقادات اللاذعة من معارضيه في فرنسا يمينيا ويساريا ووجهت بتحفظات أوروبية.
إيمانويل ماكرون اعتبر، في مقابلة تلفزيونية مطولة ليلة الأحد الماضي، بمناسبة مرور عام على توليه السلطة، أن العملية العسكرية في سوريا كانت «شرعية» باعتبار أنها تمت من قبل «المجتمع الدولي» مشيرا إلى أنها حققت «نجاحا» على الصعيد العسكري وأنها لا تشكل إعلان حرب على بشار الأسد، بل عقابا له على استخدام الأسلحة الكيميائية.
ومنذ توليه السلطة، في منتصف أيار/مايو الماضي، بدا موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من سوريا ضبابيا، خلافا لسلفه الاشتراكي فرانسوا أولاند، الذي وضع شرط رحيل بشار الأسد عن السلطة كمخرج للأزمة السورية. في المقابل أكد ماكرون أن رحيل الأسد لا يشكل شرطا مسبقا بالنسبة له، معتبرا أن الأخير عدو شعبه وأن عدو فرنسا هو تنظيم «الدولة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي استعمال للسلاح الكيميائي يشكل «خطا أحمر» وسيكون موضع رد فوري من باريس. وهذا ما ذكّر به وزيرا الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان والدفاع فلورانس بارلي، موضحا أن التصعيد الكيميائي غير مقبول في سوريا، لذلك كان لا بد من الرد عليه، فيما شددت فلورانس بارلي على أن باريس «لا تتطلع لمواجهة وترفض أي منطق للتصعيد، ولذلك تم إخطار الروس مسبقا بالضربات».
غير أن هذه المبررات لم تجد الكثير من الأذان الصاغية في صفوف الطبقة السياسية والرأي العام الفرنسيين، حيث إن غالبية الذين صوتوا على الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة تمنوا أن تكون هناك في عهده قطيعة مع الدبلوماسية الفرنسية السابقة في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا أولاند ومن قبله اليميني نيكولا ساركوزي، واللذين استمرت فيهما دبلوماسية فرنسا بالتبعية للدبلوماسية الأمريكية. واستغل النواب الفرنسيون يمينا ويسارا فرصة الجلسة التي عقدها البرلمان الفرنسي، يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، لمناقشة التدخل الفرنسي في سوريا من دون تصويت، حسب ما ينص على ذلك الدستور، لتوجيه سيل من الانتقادات ضد هذه الضربة، مشددين على أنها لم تلق تفويضا من الأمم المتحدة، وأن مشاركة باريس في الضربة الأمريكية ضد سوريا هي رسالة ولاء من الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الإدارة الأمريكية.
في مقدمة هؤلاء المنتقدين زعيم اليسار الراديكالي والنائب البرلماني جان ليك ميلانشون، الذي طالب بتقديم أدلة واضحة تثبت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، وركز على السياق الجيوسياسي للتدخل الفرنسي، معتبرا أن سلطات بلاده تدخلت في «أسوأ منطقة على كوكب الأرض» حاليا، ما يشكل حسبه «ضربة للدبلوماسية» الفرنسية. أما زعيمة اليمين المتطرف والنائبة البرلمانية مارين لوبان فقد شككت في الرواية الفرنسية بشأن المواقع التي تم قصفها في سوريا، واعتبرت أن المجتمع الدولي ليس فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة فحسب. كما اعتبرت أن الرئيس الفرنسي قام بمغامرة قد تكون لها انعكاسات خطيرة على فرنسا والفرنسيين. وأعرب كريستيان جاكوب رئيس كتلة حزب الجمهوريين اليميني المحافظ في البرلمان عن قلقه من «خطر تصعيد عالمي» في ضوء تطور النزاع السوري، محذرا من مغبة سيناريو حرب الخليج الثانية في عام 2003، التي اندلعت استناداً إلى وجود أسلحة الدمار الشامل والتي اتضح أنها غير موجودة أصلا. فيما رحب الاشتراكيون بالضربة الجوية الفرنسية ضد النظام السوري، وأكد زعيمهم الجديد والنائب البرلماني أوليفه فور أنه «يؤيد تدخل محدود في الوقت والمكان والهدف» معتبرا أن الضربة مثلت إشارة «مفيدة» وأنه الآن حان وقت «الهجوم الدبلوماسي».
تحفظ أوروبي
تداعيات الضربة التي نفذتها فرنسا في سوريا لم تقتصر فحسب على البرلمان الفرنسي، بل لاحقت الرئيس إيمانويل ماكرون داخل مقر البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ، يوم الثلاثاء، حيث استقبله بعض البرلمانيين بأوراق بيضاء وضعوها على كراسيهم، كتبت عليها شعارات بالإنكليزية من قبيل «أوقفوا الحرب في سوريا». واعتبر برلمانيون أوروبيون من اليمين المتطرف أن الضربات في سوريا «لا تحل شيئا بل تزيد الطين بلة وتبعد أكثر عملية السلام في هذا البلد» الأمر الذي أثار حفيظة الرئيس ماكرون ورد عليهم غاضبا بالقول إن التدخل في سوريا كان «حفاظا على شرف الأسرة الدولية».
كما أن دول الاتحاد الأوروبي بدت منقسمة حيال الضربات في سوريا، فرغم أن المستشارة الألمانية انغيلا ميركل أعلنت أنها كانت «ضرورية ومناسبة»، إلا أن أعضاء آخرين في الاتحاد الأوروبي أبدوا تحفظهم على أي خطوة قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد. كما أن البيان الصادر عن وزيرة خارجية الاتحاد فيديريكا موغيريني اكتفى بالتأكيد أنه سيتم «محاسبة المسؤولين عن هذا الانتهاك للقانون الدولي».
ولا يزال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يبحث منذ أشهر تشكيل مجموعة اتصال دولية حول سوريا تضم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ودولاً إقليمية فاعلة كإيران وتركيا. وفي هذا السياق أكد هذا الأسبوع أن باريس تسعى إلى بناء «حل سياسي شامل» في سوريا، مسلطا الضوء على الحركة الدبلوماسية الفرنسية الهادفة إلى «التحدث مع الجميع». كما أن باريس أطلقت نهاية كانون الثاني/يناير الماضي مبادرة دولية لملاحقة المسؤولين عن الهجمات الكيـميائية في سوريا، وأعلنت على هامشها عن تجميد أصول 25 هيئة ومسؤولي شركات من سوريا وأيضا من لبنان وفرنسا والصين يشتبه في «مساهمتهم في برنامج الأسلحة الكيميائية السوري».
ورغم ذلك يؤكد مراقبون أن فرنسا ماكرون تبدو حتى الآن تائهة في الملف السوري بعد مرور عام على دخوله قصر الإليزيه، تماما كما كان الحال مع فرنسا فرانسوا أولاند.