ضربات ما قبل الحداثة… العشائرية في العراق

حادثتان تزامنتا في الايام القليلة الماضية في العراق، لفتتا الانتباه إلى ما يحدث من ردة إلى البنى الاجتماعية التقليدية، الحادثة الاولى مشكلة بين عضوي برلمان تصاعدت وتحولت إلى أزمة لم تحل عبر الآليات الادارية البرلمانية، ولا عبر القنوات القضائية، إنما تم حلها عشائريا مقابل دية (فصل عشائري مالي) 400 مليون دينار عراقي تم تخفيضه إلى 100 مليون دينار عراقي، بعد الوساطات.
أما الحادثة الثانية فهي نزاع قبلي كبير بين قبيلتين في محافظة البصرة جنوب العراق، استعملت فيه الاسلحة الخفيفة والمتوسطة، وهذه المرة كان ضمن التعويضات المدفوعة، عدد من النساء التي يطلق عليهن وفق العرف العشائري (الفصلية) وهي المرأة التي تدفع كتعويض من عائلة القاتل إلى عائلة القتيل ليتزوجها بدون مهر أو تكاليف، أحد افراد عائلة القتيل، والمرأة في هذه الحالة عادة ما تعامل معاملة اشبه بمعاملة العبيد. كيف يمكن أن نقرأ الحادثتين اعلاه، ونحن في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بعد مرور قرن على تأسيس الدولة العراقية الحديثة؟
لفهم ما يجري في العراق لابد من فرشة تاريخية تدخلنا إلى الموضوع، ففي العراق العثماني لم تكن هنالك حدود واضحة لقوانين الجزاء، وتكاد تتركز سلطة الدولة في مراكز المدن الثلاث الكبرى (بغداد، البصرة والموصل)، أما ما تبقى من المجتمع العراقي وهو حوالي 75٪ من المجتمع فكان موزعا بين الريف والبدو، والقطاعان محكومان بقوانين قبلية تنظم علاقات الافراد وفق سياقات وبنى اجتماعية تقليدية بسيطة وغير معقدة، أو ما تعرف ببنى ما قبل الحداثة، القوانين ووسائل الضبط الاجتماعي فيها هي ما تعرف بوسائل الضبط الداخلية القائمة على خليط من القيم الدينية والاعراف والتقاليد الاجتماعية، وهي بمجملها تعرف في العراق بـ (السواني) اي السنن المتوارثة عن الاسلاف، وأن من يقوم بدور القاضي بين المتخاصمين هم وجوه وأعيان المجتمع المحلي من شيوخ قبليين ورجال دين وكبار السن المعروف عنهم الحكمة، وهم من يطلق عليهم (العارفة) اي الخبراء بالسنن القبلية، المعروفون بحسن الســـيرة والذمة في حل النزاعات.
عندما احتل العراق من قبل الجيوش البريطانية، إبان الحرب العالمية الاولى، قام البريطانيون بخطوات لتنظيم المجتمع العراقي، قائمة على خبرتهم في ادارة مستعمراتهم في الشرق بشكل عام وفي الهند بشكل خاص، فتم تشريع قانون العقوبات البغدادي في 21 أكتوبر 1918 كما صدر في عام 1919 قانون اصول المحاكمات الجزائية البغدادي، وأعطيت له هذه التسمية، لأنه كان يسري على المناطق الحضرية في العراق فقط، أما بقية المناطق (ريفية وبدوية) فقد أصدر القائد البريطاني للحملة العسكرية لاحتلال العراق نظام دعاوى العشائر لسنة 1918 – باللغة الانكليزية، والمترجم إلى العربية ترجمة غير دقيقة – الذي بموجبه تم تحويل الأعراف والعادات العشائرية المتعلقة بالمنازعات إلى قواعد قانونية، واكتسبت نصوصه صفة القانون بموجب المادة 114 من القانون الأساسي العراقي الصادر سنة 1925، وهذا يعني أن المناطق غير الحضرية قد تركت لتطبق قوانينها العشائرية على أمل أن يتم احتواء هذه المناطق بالتدريج لتصبح داخلة ضمن النسيج الاجتماعي/القانوني للبلد.
وقد تم اجرء العديد من التعديلات على القانون وبشكل تدريجي يتناسب مع دخول قيم الحداثة وشيوعها في المجتمع، وتقليص دور البنى الاجتماعية التقليدية بشكل متدرج، وربما كان اهم تعديل لقانون العشائر هو ما صدر سنة 1933، الذي حصر تطبيق قانــون العشائر خارج حدود البلديات، أما داخل حدود البلديات فتتولاها المحاكم النظامية.
واستمرت مواده بالســـقوط الواحدة تلو الأخرى، انسجاماً مع المطالبات المستمرة، وزيادة وعي المواطنين، وشعور الدولة بأن هذا النظام لا ينسجم مع الادعاء بأن الدولة تنزع نحو التقدم والحضارة حتى انقلاب يوليو 1968، حيث تم إلغاء قانون العقوبات البغــــدادي وقانون العشائر وتشريع قانون جديد جامع للعقـــــوبات برقم 111 لسنة 1969، واصبح نافذا بعد ثلاثة اشهر من تاريخ صدوره ليصبح كل مواطــن في العراق خاضعا للمنظومة القانـــونية نفسها التي تحكم البلد.
ومع التأثيرات الكبيرة لوسائل الاتصال والنقل وربط المدن ببعضها، ومع مركزية حكومة العاصمة وشيوع التعليم ودخول التقنيات الحديثة بدأت البنى الاجتماعية التقليدية بالانسحاب امام البنى الاجتماعية الحديثة المتمثلة بقيم مدينية وحضرية تسود حتى العلاقات الاجتماعية في الريف، وإن بدرجة أقل، فظهرت سطوة الاحزاب السياسية والنقابات المهنية، وترافق ذلك مع شيوع نمط العائلة النواة، بدل العائلة الممتدة وما تمثله من ارتباط بالقبيلة، بسبب نمط العيش الجديد الذي صبغ حياة المجتمع بسمات الفردية والحرية الشخصية وسرعة التنقل والتغير الاقتصادي، كل ذلك أدى إلى تراجع بنى ما قبل الحداثة بطريقة ملموسة في المجتمع.
كما تجدرالاشارة إلى ظاهرة الهجرة الكبيرة التي حدثت من الارياف إلى المدن الكبرى بسبب العوامل الطاردة في الريف وعوامل الجذب في المدن، وقد كان المهاجرون يحملون قيما اجتماعية تقليدية معهم يحاولون مواءمتها مع حياة المدينة، ما خلق ظاهرة اخرى في مدن العراق في حقب الستينيات وما بعدها، وهي ظاهرة ترييف المدن، لكن حتى مع هذه الظاهرة كانت سطوة قيم الحداثة تحاول أن تصلح ما يمكن اصلاحه في المجتمعات الهامشية للمهاجرين، عبر منظومة التعليم الحديث والاعلام الحديث ونمط العيش المديني.
عندما حدثت الانتفاضة عام 1991 في العراق بعد غزو الكويت، وسقطت اربع عشرة محافظة بيد المتمردين الشيعة في الجنوب، والاكراد في الشمال، ولم يبق تحت سلطة نظام صدام سوى بغداد وثلاث محافظات في الوسط، انتبه النظام إلى خطورة الافراغ المجتمعي من القوى الفاعلة التي عمل عليها طوال عقد الثمانينيات، عبر القضاء على الاحزاب السياسية المنافسة له بوحشية لم يسبق لها مثيل في العراق، واحتكار النقابات والاتحادات المهنية حتى وصل إلى حالة من الانتشاء بالتفرد بالسلطة، وبات يتعامل مع مجتمع اخنعه ولا يمكنه القيام بل التفكير بثورة شعبية ضد النظام، لكن الانتفاضة حصلت وأربكت كل حسابات النظام الذي لم يجد امامه الا استخدام القوة المفرطة على يد قوات النخبة من الحرس الجمهوري التي سحقت المدن الثائرة مرتكبة العديد من الجرائم ضد الانسانية، واطلق الاعلام الرسمي على التمرد الشعبي اسم (احداث الغوغاء) عندما كان يحاول معالجة التمرد، لكنه عندما تأكد من قمع الانتفاضة واستتب الامر له مجددا سمى الاحداث (صفحة الغدروالخيانة) وبذلك يكون قد الصق اقبح توصيف للمجتمع المتمرد.
وفي هذه اللحظة الفارقة ابتدأ النظام بالتفكير ببدائل مجتمعية تملأ الفراغ المهول الذي يعيشه المجتمع، وهنا التجأ إلى محاولة احياء البنى التقليدية، بنى ما قبل الحداثة في خطوة قرأها البعض على انها ارتداد في طروحات البعث الذي كان يقدم نفسه على انه حزب تقدمي علماني، وجاء تحرك النظام عبر احياء القيم القبلية، بتقريب الشيوخ القبليين الجدد ومنحهم العطايا مقابل فرض سيطرتهم على مواطنيهم من قبائلهم، وأطلق العراقيون تسمية تهكمية على الشيوخ الجدد وهي (شيوخ ام المعارك او شيوخ التسعينيات) في توصيف يشي بأنهم ليسوا شيوخا قبليين حقيقيين، انما هم نمط هجين اوجده النظام لفرض سيطرته على المجتمع، ومن ناحية اخرى تم اطلاق ما عرف (بالحملة الايمانية) لاحتواء النشاط الديني في المجتمع، وفرض نمط من الاسلام (الحكومي) المصنوع على مقاس الديكتاتور، لينافس الحركات الاسلامية المعارضة ويحتكر تمثيل المؤسسة الدينية في المجتمع، كل ذلك جاء متزامنا مع تعديلات قانونية ذات اثر رجعي على قيم المجتمع، مثل قتل الثأر وموقف القضاء منها، وقتل (غسل العار ) التي تنفذ بحق النساء المشكوك باخلاقهن وعدم معاقبة القاتل الا ببضعة اشهر من السجن، وتشجيع الولاءات القبلية والعشائرية، وإصدار اوامر بتقديم شجرة العائلة للعشائر والقبائل، بل واصدار عقوبات على من يدعي التحدر من نسل الرسول (عشائر السادة) ويثبت عكس ذلك في مفارقة مضحكة، لأن رأس النظام اصدر شجرة عائلة تربطه بالرسول الكريم – وهي كذبة مفضوحة – وطبعت منها الاف النسخ ووزعت في كل مكان، ليصبح مجتمع العراق في حقبة التسعينيات محكوم بعبارة (انت من يا عمام ؟) اي إلى اي قبيلة تعود؟
عندما أطاحت القوات الامريكية بنظام صدام ابان احتلال العراق عام 2003، كان المجتمع العراقي قد بات خاويا من البنى الاجتماعية الحديثة او يكاد، وما تبقى منها كان يلفظ انفاسه الاخيرة، فتسيدت المشهد البنى التقليدية؛ طائفية وعشائرية ومناطقية، وإن لبس البعض منها بعد مرور اكثر من عقد لبوس الحداثة السياسية، لكن حوادث مثل التي ابتدأنا بها المقال لا تلبث أن تكشف زيف الحال الذي يعيشه العراق.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية