ضربة موجعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» والنظام السوري والميليشيات الكردية: المنطقة العازلة جنة للاجئين وفرصة للمعارضة السورية لتحقيق مكاسب

حجم الخط
2

واشنطن ـ «القدس العربي»: فتح الرئيس الأمريكي باراك اوباما من خلال الاتفاق الأخير مع تركيا حول إنشاء منطقة الحظر الجوي الطريق أمام تغييرات حقيقية في سوريا بعد سنوات طويلة من الجمود، على الرغم من ان الهدف التركي الرئيسي من الخطوات الأخيرة هو ملاحقة حزب العمال الكردستاني واتباعه وتطهير الشريط الحدودي من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.
تفاصيل الاتفاق لم تكتمل بعد. ولكن الاهتمام الأمريكي ينصب في المحادثات مع تركيا على دعم انقرة لمواجهة «الدولة الإسلامية» في شمال سوريا وإنشاء منطقة خالية من مقاتلي الجماعة وضمان قدر أكبر من الأمن والاستقرار على طول الحدود التركية ـ السورية. أما تركيا التى صعدت بالفعل جهودها ضد «الدولة الإسلامية» فما زالت تركز على هزيمة الرئيس السوري بشار الأسد كأولوية أولى مما يعنى ان الاتفاق يواجه التحديات التي ابتليت بها السياسة الأمريكية منذ فترة طويلة في سوريا. ووصف المسؤولون الأتراك وقادة المعارضة السورية الاتفاق كأداة وجائزة ينتظرونها منذ فترة طويلة ضد الأسد. إذ ستحد المنطقة الآمنة من الضربات الجوية السورية على مناطق المعارضة وستسمح لعدد كبير من اللاجئين السوريين في تركيا بالعودة إلى ديارهم وعزل تركيا عن الحرب. أما واشنطن فما زالت تصر على ان هذه الخطة ليست موجهة ضد الأسد مع توضيح ان المنطقة الآمنة هي في الواقع نتيجة ثانوية للخطة وانها، أيضا، ليست جزءا من الصفقة.
وأيا كان الهدف كما تقول «نيويورك تايمز» فان الخطة وضعت الطائرات الحربية الأمريكية والمتحالفة على مسافة أقرب من أي وقت مضى من المناطق التي تقصفها الطائرات السورية بانتظام مما يثير مسألة ما الذي ستفعله الولايات المتحدة إذا تعرضت طــائرات التحالف بما في ذلك تركيا لهجوم من الطـــائرات السورية؟ وبدلا من التــركــيز على موضوع المنطقة الآمنــة ظــهــرت تصريحات تكشف ان المســؤولين الأمريكيين والاتراك يعــمــلــون على تفاصيل اتفاق لطرد «الـــدولة الإسلامية» من المناطق المتــنــازع عليها بشدة بين الضواحي الشرقية لمدينة حلب ونهر الفرات.
الأهداف العسكرية للاتفاق الأمريكي التركي تبدو طموحة نوعا ما لانها تستهدف مساحات ذات أهمية استرتيجية ورمزية كبيرة لتنظيم «الدولة الإسلامية» كما تضيف «نيويورك تايمز» ومن المرجح انها ستشمل مناطق تقصفها المروحيات السورية بانتظام. ووفقا لما ذكرته وكالة الأنباء التركية فان المنطقة ستشمل، أيضا، بلدة دابق التي تحتل مكانة خاصة لدى الجماعة المتطرفة إضافة إلى بلدة الباب التي تسيطر عليها الجماعة بقوة وتعرض سكانها لقنابل براميل من طائرات النظام السوري في الأسابيع الأخيرة. أما عمق المنطقة الآمنة أو العازلة فما زالت أهم نقطة في التفاصيل التنفيذية التي لم تقرر بعد في الصفقة. ولكن واشنطن وانقرة اتفقتا حتى الآن على ان الخطة ستضم العديد من المراكز السكانية الكبرى.
والخطة لا تتضمن على الاطلاق تصورا بدخول القوات البرية التركية إلى سوريا رغم امكانية استخدام المدفعية التركية بعيدة المدى عبر الحدود. وحسب ما أكدته تقارير متعددة فان تركيا لم تطلب من دول حلف شمال الأطلسي خلال الاجتماع الطارئ دعما عسكريا كبيرا.
السياسة الأمريكية في الشأن السوري لم تحقق انجازات تذكر منذ بدء الحرب الأهلية وهناك أسئلة كثيرة حول دور المعارضة السورية المعتدلة في العملية الجديدة. ووفقا للاعترافات المحرجة لوزارة الدفاع الأمريكية فانه لم يتم تدريب أكثر من 60 معارضا حتى الآن، في حين لم يشارك عدد كبير من المتمردين السوريين الذين تدربهم وكالة المخابرات المركزية في برامج سرية، في معارك حقيقية ضد الجماعات المتشددة. وفي تعقيد آخر، ستحقق الجماعات السورية المعتدلة مكاسب في الأسابيع المقبلة على حساب الميليشيات الكردية.
الهجوم التركي ضد «الدولة الإسلامية» لا يعنى كما يقول مات سيشفانزا في مجلة «اتلانتك» ان هذا البلد لم يعد يرغب في إزالة الأسد من السلطة. ولكن الاستراتيجية الجديدة تعني بكل المقاصد والنوايا ان اردوغان والأسد يقاتلان الآن على الجانب نفسه. وهذا تطور ايجابي للدكتاتور الذي يستمتع بشهر جيد إلى حد ما. فهو المستفيد الأول من سخاء طهران بعد توقيع الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران. كما ظهرت بوادر تشير إلى التخفيف من عزلته. ولا تعني هذه المعطيات الجديدة ان نظام الأسد سيعيد السيطرة على البلاد في وقت قريب. ولكن هناك مؤشرات تدل على شعور النظام بثقة أكبر مثل اصدار مرسوم يمنح العفو عن الهاربين من الخدمة العسكرية.
امتنعت تركيا على مدى أكثر من عامين من المشاركة في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الجماعة، وفجأة، أعلنت انقرة انها ستسمح لواشنطن بشن ضربات جوية من قاعدة انجرليك التركية. كما ضربت مقاتلات تركية من نوع «اف 16» أهدافا ضد الجماعة داخل سوريا في اول هجوم مباشر ضد المنظمة المتطرفة منذ تأسيسها. ووفقا لاحمد داوود أوغلو رئيس وزراء البلاد فان هذه الهجمات جزء من استراتيجية أوسع نطاقا ومن المرجح ان تستمر.
ويوضح سيشفانزا ان اسقاط الأسد كان الهدف الأول لتركيا والولايات المتحدة منذ أواخر 2011. ولكن اتضح ان الدكتاتور لن يتنحى عن السلطة في مواجهة الانتفاضة الشعبية.
ومنذ ذلك الحين، دعمت واشنطن وانقرة جماعات المعارضة بدرجات متفاوتة داخل سوريا، وتحولت الأولوية الأمريكية بعد استيلاء تنظيم الدولة على مدينة الموصل، ثاني أكبر مدينة عراقية، إلى هدف هزيمة الجماعة. أما تركيا التي تنتمي لحلف شمال الأطلسي فقد أيدت الخطة علنا ولكنها لم تساهم بجهد كبير في هذا الجهد.
وقد فسرت حكومة الرئيس رجب طيب اردوغان مرارا سبب تقاعس تركيا ضد «الدولة الإسلامية» في كون وحشية الأسد هي التي تسببت في بروز الجماعة في المقام الاول. لذا فمن المنطقي ان يتم القضاء على الدكتاتور اولا. ولكن التفسير الأكثر اقناعا وفقا لتحليل سيشفانزا هو ان تركيا ترغب في اجتثاث الجماعات الكردية المسلحة وهي لن تتورع عن مهاجة المسلحين الأكراد في البلدان الأخرى ولا يمكن لتركيا ان تتسامح مع قيام دولة كردية مستقلة في سوريا. لذا لم تكن هناك مفاجأة تذكر عندما لم تهب تركيا لمساعدة الأكراد في معركة كوباني ضد الجماعة.
أما الهجوم الانتحاري الذي أسفر عن مقتل 34 في بلدة حدودية تركية فقد كان واحدا من العوامل التي غيرت الحسابات التركية. إذ تسببت وحشية تنظيم الدولة في العراق وسوريا في تهجير ما يقارب من مليون من اللاجئين إلى تركيا التي تواجه صعوبات متنامية في تزويدهم بالغذاء والماوئ ناهيك عن الانتقادات الداخلية المكثفة ضد ارودغان بسبب رفضه مهاجمة المجموعة.
وقد استقبلت تركيا اعدادا هائلة من اللاجئين ومنحتهم تأمينا طبيا وسمحت لهم بالبحث عن عمل ناهيك عن المخيمات مما شكل عبئا ماليا على الميزانية العامة للدولة. وكما قال المحلل ديفيد بارتشارد الذي يعمل كصحافي ومستشار واستاذ جامعي في الشؤون التركية فان البلاد انفقت أكثر من 6 مليارات دولار على اللاجئين السوريين وفي الوقت نفسه تسببت في تشريد العمال الأتراك ذوي الاجور المتدنية مما قد يفجر التوترات العرقية. وبدون أدنى شك، فان قضية اللاجئين تشكل جزءا كبيرا من التفكير الاستراتيجي التركي والخطوات الأخيرة.
ومن الواضح ان التحركات التركية الأخيرة بداية لاستراتيجية مختلفة إذ أعلن اردوغان بصراحة ان بلاده ستتخذ موقفا نشطا في محاربة «الدولة الإسلامية» ضمن التحالف الدولي. كما انها فتحت قواعدها العسكرية للولايات المتحدة والدول الحليفة الأخرى. وفي الوقت نفسه شنت غارات جوية ضد معسكرات حزب العمال الكردي في شمال العراق. ولكن الأهم من ذلك كله هو استعداد تركيا لتنفيذ رغبتها السابقة بإنشاء مناطق عازلة على طول الشريط الحدودي مع سوريا وانشاء منطقة حظر جوي.
ورغم حرص الولايات المتحدة على وصف منطقة الحظر الجوي بتسمية أخرى هي منطقة مكافحة تنظيم الدولة كما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر. إلا ان تركيا بغض النظر عن المصطلحات تتعامل كان الولايات المتحدة وافقت بالفعل على إقامة هذه المنطقة.
وظهرت رؤية مختلفة في بعض وسائل الإعلام الأمريكية والغربية تحذر من السياسة التركية واهتماماتها الخاصة من الصفقة مع واشنطن. إذ اتهمت مجلة «الايكونومست» بلهجة معادية بدون تحفظ، الحكومة التركية بانها تثير عمدا المشاعر المعادية للأكراد وتعرض فرصة لتسوية دائمة للمسألة الكردية للخطر. وانها تهاجم فقط القوات الوحيدة التي قاتلت بضراوة تنظيم «الدولة الإسلامية»، أي قوات البيشمركة، وان ارودغان يريد استخدام الأزمة والصفقة لمصلحته السياسية الخاصة.
اتهامات «الايكونومست» وصلت إلى حد القول ان أردوغان سيضع تركيا في محرقة الشرق الأوسط بسبب حسابات داخلية وان انقرة مهتمة بمنطقة خالية من الأكراد في شمال سوريا.

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية