غادر الرئيس اللبناني الأخير ميشيل سليمان قصر بعبدا الرئاسي قبل اكثر من عام، بتاريخ 24 ايار 2014. ومنذ ذلك الحين حاول البرلمان اللبناني أكثر من 20 مرة انتخاب وريث له، ولكن بدون نجاح حتى الان. وفي البداية فشل البرلمان بتحقيق اغلبية ثلثين المطلوبة لانتخاب مرشح من قبل المسيحيين. في جولات التصويت والتي تمت من أجل شغل وظيفة رمزية وسياسية مهمة، لم تتحقق اغلبية الثلثين من اعضاء البرلمان، من اجل اعطاء الانتخابات صفة الفعالية. الفراغ الرئاسي هو اشارة سياسية اوسع للطريق المسدود، الذي منع الائتلافيين السياسيين المركزيين من التوافق على مرشح يكون مقبولا على الطرفين، سواء لاعتبارات ضيقة او بسبب غياب الثقة المتبادلة المتجذر.
ان الانقسام الداخلي العميق ليس ظاهرة جديدة في لبنان، ويجب التذكير ان ميشيل سليمان نفسه انتُخب فقط عن طريق «اتفاق الدوحة» الذي تم بوساطة قطر عام 2008 وبفضل الوساطة السعودية والسورية من وراء الكواليس. وأنهى الاتفاق 18 شهرا من الشلل السياسي، وسد الفجوة الطائفية السياسية مؤقتا بين المعسكرات في 8 آذار و 14 آذار، وفيما بعد تطلب الامر سنة كاملة كي يستطيع رئيس الحكومة الحالي تمام سلام من اجل بلورة صيغة حكومة وحدة وطنية مقبولة على جميع التيارات والقوى السياسية المركزية.
الازمة المستمرة في المؤسسة السياسية اللبنانية منعت الدولة من اجراء اصلاحات سياسية واقتصادية مهمة، بما في ذلك تغيير طريقة الانتخابات القطرية، ما ادى إلى تمديد دورة البرلمان وتأجيل الانتخابات ـ للمرة الثانية منذ انتخابهم في حزيران 2009 – إلى 2017 على الاقل.
في الخلفية دائرة صعبة من الانقسام الداخلي والضعف السياسي والحرب الاهلية في سوريا. منذ اندلعت هذه الحرب عام 2011 عمق الانقسام بين ائتلاف 8 آذار وائتلاف 18 آذار. هذه الديناميكية تتغذى من التدخل الآخذ بالازدياد لحزب الله في الحرب الاهلية في سوريا. وفي الاسابيع الاخيرة وفي ظل عدم وجود رئيس، ازداد التوتر الداخلي أكثر فأكثر.
كلما اتسعت الحرب الدموية في سوريا، كلما ازداد تورط حزب الله في الصراع، واصبح هذا الحزب قوة حاسمة لصالح نظام الاسد، وعنصر اساسي في استراتيجية الحرب.
في داخل لبنان تعرض الحزب اللبناني الشيعي إلى انتقادات واسعة من قبل معسكر 14 آذار، بقيادة «تيار المستقبل» لسعد الحريري. وكذلك انتقادات من قبل منظمات سلفية جهادية تابعة بشكل مباشر او غير مباشر لمنظمات جهادية في سوريا.
«تهديد التكفير» شغل حزب الله في السنة الماضية، وقد استثمر التنظيم في تحسين أمنه الداخلي وأمن مؤيديه من الجمهور، وزيادة التعاون مع قوى الجيش اللبناني، واستخدام لوبي سياسي من أجل تحويل صعود قوى جهادية في لبنان لمشكلة أمن قومي من الدرجة الاولى، والنقاش حول تأثير العناصر الجهادية في لبنان نشأ وازداد بعد الهجوم الدراماتيكي الذي حصل في آب 2014 في منطقة الحدود اللبنانية عرسال، حيث هاجم محاربو داعش والنصرة جنود الجيش اللبناني مباشرة، ردا على اعتقال الجيش اللبناني لقائد النصرة في لبنان. خطفوا 37 من رجال الامن اللبنانيين، ولا زال 25 منهم في الاسر.
بعد هذا الصدام زاد الجيش اللبناني من تواجده في الميدان وزاد من تعاونه مع حزب الله، من اجل اعادة سيطرته. وخلال العام الماضي حدثت صدامات من قبل الطرف الاخر، ولكن رغم التركيز على مواجهة تحدي «التكفير» استمرت المناطق الجبلية على طول الحدود اللبنانية السورية بكونها اماكن تمترس المسلحين المتطرفين. وكذلك جرود عرسال ـ التي من السهل التسلل اليها ـ تحولت إلى نقطة مهمة بالنسبة لـ 3.000 ـ 4.000 محارب جهادي، والذين ينتمون بغالبتيهم لداعش وجبهة النصرة.
مسألة مواجهة جماعة «التكفير» صعبة وتثير الخلاف في الاسابيع الاخيرة، باعقاب الرد الذي بادر اليه حزب الله وبالتنسيق مع جيش الاسد، من اجل القضاء على بقايا معارضي النظام في منطقة القلمون الاستراتيجية مع التركيز على الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا، وقال حزب الله ان العمليات التي قام بها ناجحة وفعالة ليس فقط من أجل حزب الله ومؤيديه، بل من أجل «الدفاع عن لبنان ايضا»، بوجه «التكفيريين» وبعد انتهاء المعارك على الجانب السوري للحدود انتقل حزب الله وبدأ التركيز على جرود عرسال ونقل بذلك ساحة الحرب إلى لبنان.
قام أمين عام حزب الله حسن نصرالله بتوضيح الموقف الاستراتيجي للحزب حول اعماله وضرورتها للبنان «ضد تهديد التكفير» وجاء ذلك من خلال مجموعة خطابات في ايار 2015.
وشدد نصرالله ان طرد «قوى التكفير» من الحدود هي مصلحة لبنانية اولا وقبل كل شيء. وان هذا الهدف مهم بالنسبة للحزب. وهو «صحيح» بالنسبة «للشعب اللبناني».
واعلن نصرالله صراحة انه اذا تحملت الحكومة الاحتلال التكفيري لبعض اجزاء من لبنان (عرسال ومحيطها) فان الشعب اللبناني سيستمر في العمل من اجل انهاء ذلك.
لا داعي للقول ان هذه التصريحات صبت الزيت على النار. وانتقد سياسيون من معسكر 14 آذار هذه التصريحات لنصرالله، واتهمت المنظمة الشيعية اللبنانية بالاستخفاف بالحكومة اللبنانية من خلال التهديد باخذ زمام الامور ودفع الجيش إلى معارك خطيرة ضد داعش والنصرة على الحدود اللبنانية السورية.
موقف حزب الله الحازم من عرسال ينضم إلى الصدامات الاخيرة التي حدثت بين «تيار المستقبل» وبين حزب الله باعقاب الخلاف حول الحرب في اليمن. وتصريحات وزير الداخلية ـ ينتمي لتيار المستقبل ـ نهاد مشنوق، حول استعداده بالمساعدة للسعودية في مطاردة اثنين من رجال حزب الله المطلوبين في المملكة. وهذا يبعد فرصة الحوار بين الطرفين. اضافة لذلك فان العمليات العسكرية الواسعة التي يقوم بها حزب الله في عرسال ومحيطها ـ منطقة غالبيتها سُنة ـ تزيد من التوتر في الدولة، خصوصا بسبب تحول عرسال حسب مصادر رسمية إلى ملجأ لـ 40.000 لاجيء سوري.
زاد الجيش اللبناني في الاسابيع الاخيرة من استهدافه لمحاربي الجهاد في عرسال معلنا انه مستعد لحرب شاملة ضد تهديد الجهاد. وقد اثارت تصريحات حزب الله نقاشا وجدالا وطنيا حول الخطوات التي على الجيش اتخاذها. وزاد هذا الجدل التوتر بين ائتلاف 14 آذار وبين 8 آذار. وزاد من عدم استقرار الحكومة وباقي مؤسسات الدولة الضعيفة في لبنان.
الضعف السياسي والانقسام الداخلي هما اندماج قاتل، بالذات داخل دولة مهددة من قبل الحرب الاهلية في سوريا، على خلفية ازمة امنية متواصلة ومصاعب اقتصادية واجتماعية وسياسية تكمن في استيعاب 1.2 حتى 1.5 مليون سوري هربوا حتى الان إلى لبنان. بالذات استمرار الفراغ الرئاسي منذ عام والشلل السياسي المتواصل الذي يضع الطريقة السياسية في الدولة موضع الشك، والتي اعتمدت بعد الحرب الاهلية في لبنان وتستند على التقسيم الطائفي. يحاول بعض الباحثين تقدير كيف ستكون سوريا بعد حقبة الاسد. ولكن يجب التفكير ايضا بصورة لبنان في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف.
نظرة عليا 19/6/2015
بنديتا بارتي