عمان ـ «القدس العربي»: تعد محافظة مأدبا من أكثر المدن الأردنية المليئة بالآثار الرومانية القديمة والتي يعود بعضها إلى عصر الخلافة العثمانية، وهي البوابة الرئيسية لجبل نيبو وللبحر الميت. وتزخر «مدينة الفسيفساء» بمواقع سياحية متنوعة تمثل صورا للحياة الاجتماعية والدينية في الفترات القديمة وخصوصا البيزنطية والإسلامية المبكرة مما جعلها مقصدا للزوار محليا وخارجيا.
وأهم ما تميزت به المدينة وجود أول خريطة جغرافية مسجلة على أرضية فسيفسائية من القرن السادس الميلادي في كنيسة سانت جورج «كنيسة الخريطة» وتمثل الأراضي المقدسة من الجانب الغربي والشرقي من نهر الأردن والبحر الميت ومن شمال الدلتا المصرية. وتضم مأدبا أهم موقعين للحج المسيحي والسياحة الدينية التي اعتمدتهما دولة الفاتيكان عام 2000 بعد زيارة البابا يوحنا بولس الثاني وهما «قلعة مكاور» و»جبل نيبو».
قلعة مكاور
يقع جبل مكاور إلى الجنوب الغربي من مدينة مأدبا وعلى بعد 35كم من قرية» لب»، حيث يرتفع عن سطح البحر 730 مترا وعن سطح البحر الميت الذي يعتبر اخفض بقعة في العالم 1125 مترا.
ويضم الجبل قصر هيرودس، الذي لم يبق منه سوى بعض الجدران المطمورة بين الأنقاض وبقايا أطلال تشبه الممر، وانبثق اسم مكاور عن الساميين الذين اطلقوه على منطقة الجبل المنفرد الذي أقام عليه القائد «إسكندر جانيوس» قلعته الحصينة، ويدل اسم مكاور على استدارة الجبل وقد استخدام هذا الاسم باليونانية لتقارب معناه مع كلمة «مكاريوس» اي السيف نسبة لوعورة الجبل.
وعلى الرغم من الأهمية التي اكتسبتها مكاور سياحيا، إلا أنها غير مستغلة لجذب السياح وتطوير المنطقة وخدمة أهلها، تبين نائبة مديرة مديرية التنمية الاجتماعية فاتنة دعباس «لا نشعر بأنها منطقة سياحية، فهي صحراء تكاد تخلو من أية خدمات سوى استراحة صغيرة تقدم بعض المشروبات، كما أنها غير موجودة على خارطة الأماكن السياحية رغم أهميتها».
بينما يقول مدير مديرية سياحة مأدبا وائل جعنيني: «بدأنا العمل على تأهيل منطقة مكاور سياحياً منذ عام 2000 أي منذ اعتمادها من قبل البابا يوحنا بولس الثاني كأحد مواقع الحج المسيحي، وقامت وزارة السياحة بتشييك المنطقة المطلة على القلعة وإعادة تطوير المرافق الصحية عند مواقف الحافلات ورصف الطريق المؤدي إلى الجبل بالحجارة وتوفير المقاعد الحجرية على جوانب الطريق».
إلا أن تطوير المنطقة ـ بحسب جعنيني ـ يحتاج إلى مخصصات مالية وخاصة أنها لم تُدرج بعد ضمن خريطة المواقع السياحية. وطالب جعنيني جمعية وكلاء السياحة والسفر من خلال مكاتبهم السياحية الترويج للمنطقة ووضعها ضمن برامج السياح الزائرين للأردن، حيث تدل الأرقام في العام الماضي على تراجع كبير في أعداد زوار منطقة مكاور الذين وصلوا إلى أقل من 20 ألف زائر من أصل 208 آلاف زائر لمحافظة مأدبا.
ولا بُدَّ من بذل مزيد من الجهد سواء من قبل دائرة الآثار أو وزارة السياحة لتنفيذ عدد من المشاريع التي من الممكن أن تنهض بالمنطقة سياحياً، ويذكر جعنيني من هذه المشاريع «إنارة القلعة، واستخدام المغر القريبة للصلاة وإيقاد الشموع والحديث عن قصة النبي يحيى عليه السلام». ومن المتوقع أن تطلق وزارة السياحة الشهر المقبل «التذكرة الموحدة»، حيث يستطيع السائح عند دخوله الأردن زيارة 35 موقعاً سياحياً من بينها قلعة مكاور.
وبالعودة إلى تاريخ الجبل، أُعتبر جبل مكاور منطقة حدودية آنذاك بين الإمبراطورية الرومانية ومملكة الأنباط، حيث أثبتت الحفريات القائمة منذ عام 1978 بأن الموقع يرجع إلى حقبتين رئيسيتين، العهد المكابي «90-85» قبل الميلادي والعهد الهيرودي «30 قبل الميلاد إلى 72 ميلاديا» ففي سنة «90 قبل الميلاد» بنى إسكندر جانوس المكابي على قمة قلعة حصينة ليقف في وجه الأنباط الذين كانوا يسيطرون على الطريق السلطاني وعلى مدينة مأدبا وظهرت من آثار القلعة الأبراج على القمة والسفح الشمالي، حيث تكثر آبار المياه التي تغذيها قناة تمتد من التل المقابل.
ولقد دمر هذه القلعة الحاكم الروماني «غابينوس «سنة «75 قبل الميلاد» بأمر من القائد الروماني بومبي، وفي سنة «30 قبل الميلاد» أعاد «هيرودس» الكبير بناء القلعة وبنى في داخلها قصرا اشتمل على حمامات للضيافة وأمامها ساحة تحيط بها الأعمدة وإلى القرب من الحمامات عدة مرافق «انتباس» التي سجن فيها يوحنا المعمدان «النبي يحيى»، وقطع رأسه بسبب الراقصة «سالومي»، كما يروي «الإنجيل» وبقيت القلعة في أيدي أبناء «هيرودس» حتى استولى عليها الرومان سنة 44 قبل الميلاد، وعندما اندلعت الثورة اليهودية فرت الحامية الرومانية من القلعة فدخلها الثوار إلا ان القوات الرومانية عادت إليها وحاصرتها، ثم استولت عليها سنة 72 قبل الميلاد، ودمرتها تدميرا كاملا.
وتم العثور في قلعة «مكاور» على أقدم لوحة فسيفساء في الأردن وهي تعود للقرن الأول الميلادي وهي معروضة في الواجهة الأمامية لمداخل المنتزه الأثري في مدينة مأدبا، كما عثر على بقايا كنيسة فسيفساء أرضيتها تعود للقرن السادس الميلادي، وهناك آثار كنيستين أخريين في وسط القرية على المنحدرات الشمالية.
وقامت دائرة الآثار العامة بالتعاون مع معهد الفرنسيسكان للآثار بأعمال التنقيب في قمة جبل «المشنقة «قرب قرية «مكاور» وكشفت الحفريات عن أجزاء من التحصينات التي شيدها الآدوميون في هذه القلعة واستعملها الملك «هيرودس» الملقب بالكبير والذي ينحدر من أصل» آدومي» الذي تمكن من فرض سيطرته على فلسطين والأردن في زمن الرومان، كما كشفت الحفريات عن بناء حمام روماني وكمية من الأواني والأوراق والكسر الفخارية والنقود النحاسية.
وبالتعاون مع معهد الفرنسيسكان للآثار قامت وزارة السياحة بإعداد المخططات والدراسات اللازمة لصيانة القلعة والمنطقة الأثرية وذلك عام 1987 حيث تم فتح طريق تصل بين قرية «مكاور» ومنطقة القلعة بطول 2 كم بالتنسيق مع وزارة السياحة، وعمل مواقف للحافلات السياحية وبناء الجدران الاستنادية وزراعة الأشجار كون المنطقة تفتقر للثروة الحرجية، كما تم فتح طريق من موقف الحافلات إلى قمة الجبل، وبناء جدران حجرية قديمة وأدراج تتماشى وطبيعة المنطقة وتأمين الموقع بمرافق صحية.
واستملكت الوزارة مجموعة من المباني القديمة وسط القرية بهدف الحفاظ على التراث المتميز في المنطقة، حيث تم ترميم ثماني غرف تعود ملكيتها إلى وزارة السياحة وبناء جدران استنادية محاذية للغرف بالقصب والإسمنت بالإضافة لتنظيف البئر القديم و«المغر» المكتشفة وعمل الصيانة اللازمة.
جبل نيبو
على ارتفاع يزيد على ألف ومئة متر عن سطح البحر، ومن أعلى قمم جبال مأدبا يوجد مقام النبي موسى على جبل نيبو الأثري والذي اعتمده البابا يوحنا بولس الثاني كأحد مواقع الحج المسيحي في الأردن خلال زيارته عام 2000.
يقع جبل نيبو على بعد 10 كم للغرب من مدينة مأدبا ويطل على مناظر خلابة لوادي الأردن والبحر الميت والضفة الغربية والقدس ويعدّ واحدا من المواقع المقدسة في الأردن اذ يرد في النصوص التوراتية ان سيدنا موسى عليه السلام نظر من اعلى جبل (يعتقد انه جبل نيبو) إلى ارض كنعان التي لم تطأها قدماه، ويشكل مجمع نيبو الذي اكتشف موقعه دوق ليونيس في العام 1864 ميلادي وقام معهد الإباء الفرنسيسكان بأعمال الحفريات الأثرية فيه منذ العام 1933 حيث يشكل المجمع موقعا اثريا للحج المسيحي وكنيسة منذ نهايات القرن الرابع الميلادي.
ونظرا لارتفاع الجبل، يستطيع الزائر في الأيام الصافية أن يرى بالعين المجردة البحر الميت وجبال البلقاء وكل فلسطين بما فيها قبة الصخرة وأبراج الكنائس في مدينة القدس وجنوب لبنان وجبل الشيخ شمالا حتى جبال سيناء جنوبا.
ويضم الجبل مجمعا واسعا من الكنائس وديرا وقبورا ومجموعات من اللوحات الفسيفسائية الأرضية الجميلة الكاملة التي تمثل مشاهد من الحياة الرعوية وحياة الصيد التي كان أهل المنطقة يعيشونها في ذلك الوقت بالإضافة إلى المعبد المثلث وهو مقام النبي موسى عليه السلام ومصلبات وقبور للأثرياء.
ويحوي الموقع العديد من اثأر المباني القديمة ومنها الكنيسة الرئيسية الواقعة اعلى التلة حيث اكتشفت بقايا الكنيسة والدير مبنية فوق جبل نيبو العام 1933 ويبدو ان المكان كان في الأساس مبنى لكنيسة صغيرة أنشئت من قبل أوائل المسيحيين في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي وذلك تكريما للنبي موسى عليه السلام، كما يمكن مشاهدة العناصر لهذه الكنيسة بما فيها لوحة الصليب الفسيفسائية العمودية المجدلة إلى الجنوب من المذبح في الكنيسة الحالية.
يذكر المؤرخون انه تم توسيع الكنيسة نفسها لتصبح كنيسة مستطيلة أكثر اتساعا في القرن الخامس الميلادي كما أعيد بناؤها مرة أخرى في العام 597 م بعد إصابتها بإضرار نتيجة زلزال كبير في تلك السنة.
ويشير المؤرخون إلى ان اسمها بالعربية هو «صياغة « وقد ورد ذكره في التورات رأس الفسيحة ويعني «القمة العالية» وهي سلسلة من جبال كانت مسلك من القوافل التجارية القادمة من البادية الشرقية إلى الغرب كما كانت هذه المنطقة طريق للحج القديم إلى الأراضي المقدسة في فلسطين كما ان «صياغة» تعني في اللغة السياج المحيط بالدير، أما كلمة نيبو فهي مشتقة من (نبا) آلهة التجارة البابلي.
وتأتي الأهمية الدينية لهذه المنطقة كونها الممر الذي سلكه العبرانيون بعد خروجهم من مصر متجهين إلى الأراضي المقدسة بقيادة النبي موسى، الذي وقف في هذه المنطقة ويعتقد انه مات ودفن فيها ولم يطأ الأراضي المقدسة حيث اطلق على هذا الجبل جبل نيبو عدة أسماء في الفترة البيزنطية منها الجبل المقدس وجبل موسى النبي، وهذا الموقع مقدس لدى الديانات السماوية الثلاث اليهودية والإسلامية والمسيحية، حيث يضم الموقع الدير الأثري الذي يحتوي على مجموعة من الكنائس التي يعود تاريخها إبتداء من القرن الرابع ولغاية القرن السادس الميلادي.
يذكر ان بعد اعتماد الموقع من قبل دولة الفاتيكان من ضمن 5 مواقع في الأردن للحج المسيحي والسياحة الدينية عام 2000، زاره البابا بنديكتوس السادس عشر ويبلغ عدد زوار الجبل شهريا ما يقارب الـ 20 ألف سائحا.
آية الخوالدة