القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: يُقام الآن في معهد جوته في القاهرة أسبوع الفيلم الألماني، الذي يستعرض أهم تجارب السينما الألمانية التي عُرضت في السنوات الأخيرة، أو التي شاركت جهات ألمانية في إنتاجها. تنوعت الأعمال ما بين روائي ووثائقي.
نتوقف أمام فيلمين فيهما العديد من العناصر المتشابهة، من حيث الشخصية ورحلتها، والاستناد إلى نص أدبي بالأساس ــ كل من الفيلمين اعتمد على رواية ــ إضافة إلى فكرة التخلص من عبء الماضي، والمحاولة المستميتة لخلق بداية جديدة. وهي فكرة أساسية في الفيلمين. فما بين «طائر الفينيق» 2014 و»الغرب» 2013 يمكن إيجاد فكرة التطهير من خلال المواجهة مهما كانت النتائج، مواجهة الماضي والنفس في المقام الأول، هناك أزمة لابد من حلها، خاصة أنها لم تعد مباشرة، كما في أعمال سابقة تناولت أجواء الحرب العالمية الثانية، لكنها هنا شخصية إلى حدٍ كبير، دونما صخب، فقط ظِل الحرب وتبعاتها، فالأمر هنا يتعلق بإعادة النظر إلى حالة وجود، من خلال قصة حب.
«ويست»
ألمانيا في منتصف السبعينيات، أجواء الحرب الباردة تحيط الجميع، امرأة وطفلها يعيشان في ألمانيا الشرقية، وبعد موت صديقها الروسي ووالد طفلها، تقرر الرحيل إلى ألمانيا الغربية، المرأة حاصلة على دكتوراه في الكيمياء، وصديقها الراحل كان يعمل في مجال الفيزياء. وبعد تحايل منها تستطيع الفرار أخيراً، حالمة بتغيير حياتها، ونسيان ذكرياتها وتوفير حياة أفضل لطفلها. ولكن وصمة كونها من ألمانيا الشرقية، إضافة إلى مهنتها ومهنة صديقها جعلها تحيا جحيماً من نوع آخر في ألمانيا الغربية، فالساحة الآن صراع ما بين أجهزة المخابرات الروسية والأمريكية. تصبح المرأة تحت رحمة التحقيقات المتلاحقة من قِبل المخابرات الأمريكية، إضافة إلى حياتها في أحد معسكرات اللاجئين مع رفاقها الفارين من الجهة الأخرى. حياة أشبه بحياة المستعمرات، الجميع في خوف دائم، والشك يلاحقهم في مَن حولهم. أي غرب إذن يتم البحث عنه؟!
تتأرجح المرأة بين شخصين، محقق في السفارة الأمريكية، يقيم معها علاقة حميمة، ويخبرها بأن صديقها كان عميلاً سابقاً للمخابرات الروسية، وأنه لم يمت، بل أنهى مهمته في ألمانيا الشرقية ورحل، ومن هنا تبدأ المرأة في الشك بوجود المفقود الوهمي، فحياتها وقصة حبها كانت كذبة كبيرة، تحاول مواجهتها في صعوبة. الشخصية الأخرى هو أحد جيرانها في المعسكر، مُعارض قديم في الجانب الشرقي، تم سجنه من قبل، وفر إلى الغرب، يحاول مساعدتها، لكنها تشك في كونه أحد العملاء الذين يراقبونها، وبما أن جو الشك هو المسيطر على الجميع، يقوم الجيران بمعاقبته من دون أي دليل، ويكاد يفقد حياته جرّاء ذلك.
يستعرض الفيلم صعوبة الحياة والإجراءات المعقدة حتى يصبح الهارب من الجحيم الشرقي مواطناً صالحاً في نظر جنة الغرب، حيث الديمقراطية والحرية والحياة الآدمية. ولكن رغم ذلك يبدو هاجس العودة هو شاغل الشخصيات، حالة اغتراب يعانيها الجميع، يصرّح بها عجوز فرّ رغماً عنه لإرضاء ابنته الشابة، الذي يتحدث دوماً برغبته في العودة إلى بلاده، وقد عاد بالفعل مع ابنته في النهاية.
تحاول المرأة التحايل على نفسها هذه المرّة، وقد أصبحت مواطنة غربية وتسلمت عملاً، وعاشت في مسكن خاص هي وطفلها، وحاولت أن تتناسى والد طفلها، فإن لم تستطع العثور على جثته والتأكد من موته، فإنها قد دفنته في مخيلتها، على أمل أن تبدأ حياتها من جديد.
الفيلم من إخراج Christian Schwochow، المأخوذ عن رواية للألمانية Julia Franck بعنوان «Lagerfeuer/المعسكر»، الصادرة عام 2003. ومن بطولة Jördis Triebel وAlexander Scheer.
«فونيكس»
ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية بقليل، امرأة يهودية تشوّه وجهها نتيجة التعذيب في معسكرات الاعتقال، كانت تعمل بالغناء، ومتزوجة من عازف بيانو. تصر أن تعيدها عمليات التجميل كما كانت، من دون اختيار وجه جديد، كما أشار عليها الطبيب، إلا أن وجهها بعد ترميمه أصبح يُقارب إلى حد ما ملامحها السابقة. تبدأ في البحث عن زوجها بعد عودتها. تحاول صديقتها التي تعمل في إحدى المنظمات التي تساعد في تهجير اليهود إلى فلسطين بأن يرحلا معاً إلى الأرض الجديدة، إلا أن المرأة ترفض ذلك، فهي تريد الوصول إلى زوجها بأي طريقة، توحي لها صديقتها في البداية، ثم تؤكد بأن زوجها هو الذي وشى بها للنازيين، فلا تصدق، وتصل إليه، من دون أن تخبره بحقيقتها، ليجد شبهاً كبيراً بينها وبين وزوجته، من دون أن يعرفها، ويتفق معها أن تتقن تصرفات زوجته لاستلام ثروتها، وتتماشى معه في لعبته، حتى يكتشف أنها زوجته، وتتأكد هي تماماً من أنه بالفعل قد وشى بها، وتتركه وتمضي في النهاية.
يبدو اسم الفيلم المستوحى من طائر خرافي لا يموت، ويخرج من رماده في اللحظات الأخيرة من حياته ليبدأ من جديد، كحال المرأة التي خسرت قصة حياتها، لكن إصرارها على مواجهتها والوصول إلى الحقيقة هو همّها الوحيد مهما كانت النتائج. هناك مقارنة ما بين المرأة وصديقتها، المرأة التي تمسكت بالبقاء في بلدها، وأن تحيا كما كانت، بداية من عدم تغييرها ملامحها، ثم مواجهة حياتها القديمة ــ زوجها ــ في شجاعة، وبين المرأة الحالمة بالعودة إلى أرض الميعاد والحياة من خلال أساطير دينية، وهي هنا لم تكن تحمل يقيناً تواجه به الجميع، ونفسها في المقام الأول، فما كان منها إلا الانتحار، وهي إشارة دالة على العديد من الحالات التي انتوت أو هاجرت بالفعل وتركت ألمانيا، بينما صاحبة الحكاية استمرت بحياتها في وطنها، رغم كل ما لاقته من عناء، وما ستلاقيه وقد أصبحت وحيدة تماماً، بعد خيانة زوجها.
تبدو هذه المقارنة من خلال التعديلات التي أدخلها السيناريو على الرواية، والتي دارت أحداثها في فرنسا بعد الحرب، ونقلها السيناريو لتدور أحداثها في ألمانيا، لمناقشة مثل هذه الأفكار، الهجرة أم البقاء؟ وفكرة المواجهة واليقين في ما تريده الشخصيات.
الفيلم من إخراج Christian Petzold، والمأخوذ عن رواية بعنوان « The Return from the Ashes/العودة من الرماد»، للفرنسي «Hubert Monteilhet»، والصادرة عام 1961. بطولة Nina Hoss وRonald Zehrfeld.
التحايل والمواجهة
هنالك العديد من الأشياء المشتركة بين الفيلمين، وبخلاف التشابهات الشكلية، من حيث الشخصية الرئيسية، والرحلة المضطرة للقيام بها، نجد مقابلة بين يقين كل منهما، فبيـــنما تحايلت الشخصية في فيلم West على الماضي والذكريات، وانتوت البداية من جديد، ولكن في حالة من الشك لم تســـتطع التخلص منها، نجد صاحبة الحكاية في فيلم Phoenix تسترشد بيقيــــنها، ومواجهة ماضيها مهما كانت التبعات، وأهمها الحياة في وحدة شديدة، لكنها أنقذت نفسها في النهاية، وقد اســتعادت صوتها في أغنيتها التي تغنّت بها أخيراً أمام زوجها الخائن، وكأنها توْدِع حياتها السابقة في قبر، بينما المرأة التي تحيا في ألمانيا الغربية لم تستطع سوى الوقوف وراء نافذة زجاجية، تنظر إلى العالم من خلالها، رغم علامات السعادة المرتعشة التي تعلو ملامحها.