ضمن فعاليات مؤتمر القاهرة للرقابة والمسرح: الأنظمة لا تقبل النقد والمسرحيون لجأوا إلى مراوغة السلطة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: الرقابة غير الرسمية على الأعمال المسرحية كانت عنوان الندوة التي أقيمت على هامش فعاليات مؤتمر القاهرة الثقافي الفني الدولي «الرقابة والمسرح»، حيث قال الناقد والكاتب المسرحي محمود كحيلة، إن هناك وجها غير رسمي للرقابة على الأعمال المسرحية، في ما يتعلق بالمراقبة الذاتية التي يمارسها المبدع نفسه، مستندا إلى خبرات وأفكار وعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، بالإضافة إلى «أفق توقعاته» عن المتلقي بأنواعه وشرائحه كمستهلك لمنتج مسرحي يتميز عن باقي الأشكال الدرامية، بحضور قطبي العمل المسرحي، عارضين وجمهورا، في فضاء واحد وزمان واحد، وهو ما يقلق الأجهزة الرقابية ويجعلها أكثر تحسسا تجاه العروض المسرحية، ويمثل الشق الآخر للرقابة غير الرسمية، وهي رقابة المجتمع، أفرادا ونقادا ورقابة، جهات الإنتاج التي تتجه إلى حيث الربح الذي يتطلب الحفاظ على علاقة جيدة بالجمهور والنظام. ويشير إلى أن الرقابة غير الرسمية تجسدها رقابة الجمهور، أفرادا ونقادا، والرقابة غير المباشرة من قبل هيئات وجهات إنتاجية في هيئة لجان قراءة وإجازة وغيرها من وسائل المراقبة، كما في البيت الفني للمسرح والهيئة العامة لقصور الثقافة وهيئة الكتاب في مصر، والأمر بالمعروف في السعودية والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.
ويضيف كحيلة أن الرقابة غير الرسمية نشأت عندما أجبر المسرحيون على التحايل لتوصيل رؤاهم وأفكارهم الدرامية بأقل قدر من الخسائر، إذ توارثت الأجيال سيرة العواقب، ومصائر المتحررين من منع رسمي للنصوص، أو وقف حكومي للعروض وقمع للأفكار في مهدها تمارسه السلطات والأنظمة المختصة منذ الأزل، وعلى الدوام، ومصادرة حرية المبدع ولذلك اتخذ قرار الفرار إلى الرقابة الذاتية، حيث تعلم أغلب المسرحيين من تجارب السابقين وتراكمت لديهم خبرات رقابية ذاتية كـ»مضاد درامي» لمواجهة الرقابة الحكومية، نتحصن به كما علمنا السلف عندما نرى الساحة لا تحتمل الصدق ولا الصراحة والوضوح لغياب الحرية، فنضطر أن نحوم حول الأمر بصياغة التراث في قالب مسرحي، ونلجأ إلى الرمز ونختار من الماضي ما يعبر عن الحاضر، لنكتب نصوصا للمستقبل، وهكذا يظل يدور الكاتب وشركاؤه من صناع العرض المسرحي في فلك البعيد، منتصرا بكل الطرق والوسائل لما يؤمن به من أفكار ويعتنق من عقائد، والأوفر حظا هو من توافق رؤاه هوى الجمهور فيحصد النجاح.
ويؤكد ان أغلب الأنظمة لا تقبل النقد ويقلقها اتساع مساحة الحرية فتحد من حرية مبدعيها ومفكريها بدعوى الحفاظ على القيم الأخلاقية والتقاليد الدينية، وهو ما يعد نجاحا من الرقابة الحكومية في مصادرة نطفة الإبداع بإصدار قوانين استباقية وإعلانها رسميا، لتصبح حجة على الكتاب، ومنها قانون يضمن للرقابة كافة الحقوق القانونية على المنتجات الفنية التي تتضمن الدعوات الإلحادية والتعرض للأديان السماوية والعقائد الدينية، وتحبيذ أعمال الشعوذة، او إظهار صورة الرسول صراحة أو رمزا أو صورة أحد من الخلفاء الراشدين وأهل البيت والعشرة المبشرة بالجنة، أو إسماع أصواتهم، وكذلك إظهار صورة السيد المسيح أو صورة الأنبياء عموما، على أن يراعى الرجوع في كل ذلك إلى الجهات الدينية المختصة. ويشير إلى أن تاريخ المسرح العربي المعاصر فيه إبداعات مسرحية كتبت قبل إصدار هذه الفتوى مثل إبداعات علي أحمد باكثير، وأيضا مسرحية (محمد) صلى الله عليه وسلم لرائد المسرح العربي توفيق الحكيم.
ويوضح أن المسرحيين لجأوا إلى مراوغة السلطة ومداعبة النظام، بارتداء عباءة التراث في طرح قضايا واقعية من دون أن يضبطها الرقيب الرسمي التقليدي، حيث يلقي المبدع بإبداعه في حضن حقبة من التاريخ أو الأساطير المليئة بحكايات كالواقع.

التراث والتاريخ من أشكال الفرجة الشعبية للشكل المسرحي

تناولت أسماء مؤمن خليفة استاذ علوم المسرح في جامعة حلوان شغف كتاب الدراما المصرية بالتاريخ والتراث منذ ستينيات القرن الماضي، في أعقاب ثورة 23 يوليو/تموز 1952، حيث كان النظر للتراث والتاريخ على أنهما وسائل تجسيد وتأصيل للهوية المسرحية المصرية، حتى يتناسب المسرح مع التعبير عن هموم وقضايا وأحلام المجتمع الجديد، فكان اللجوء للتراث والتاريخ كمضمون وإلى أشكال الفرجة الشعبية على مستوى الشكل المسرحي.
وتؤكد أن هذا الشغف بالتاريخ لم يكن هادفا لطرح وتسجيل حوادث التاريخ، بل إعادة قراءة للتاريخ في ضوء المتغيرات الجديدة في الواقع السياسي والاجتماعي، هروبا من الرقابة والعراقيل التي تفرضها إذا ما حاول الفن انتقاد الواقع مباشرة، فكان التاريخ والتراث هو مظلة الكتاب للتحايل على الرقابة من خلال الرمز والتورية والإسقاط من التاريخ على الواقع، وكلما كانت الرقابة تضع العراقيل أمام الكتاب، كان لجوؤهم للتراث والتاريخ يزداد، فقدموا أعمالاً تبدل مفهوم المسرح الممجد للثورة (السلطة) بمفهوم يناضل من أجل الحرية الاجتماعية والديمقراطية المنعدمة، فتناولت الأعمال مشاكل العصر السياسية والاجتماعية مستخدمة الإسقاط التراثي والرمز والتورية وازدواج المعنى، وتغيير تصوير الواقع االمصري بعيداً عن النهج التقليدي، سعياً وراء اكتشاف الواقع بأسلوب وأشكال وقوالب جديدة للهروب من القيود والأحكام الرقابية التي قيدت حريتهم.
وتختتم اسماء مؤمن مؤكدة أن العلاقة بين التاريخ والدراما والتراث علاقة وثيقة، ذلك أن التراث هو المصدر الشامل الذي وجدوا فيه ضالتهم، خاصة أشكال المسرح الشعبي، والسير الشعبية لقدرتها على مزج الواقع بالخيال، الفنان يلجأ إلى التراث كوسيلة فنية حتى لا يسقط في المباشرة التي تقتل جمالية الإبداع، ولذا أتت الأعمال المسرحية التاريخية أو التراثية، أعمالاً تراثية لها مدلول سياسي راهن.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية