كانت حلقة تستحلب الذاكرة بجمالية وجهد واضحين، من برنامج «صاحب السعادة» الذي تبثه قناة «سي بي سي» المصرية، وقد قدمت فيها إسعاد يونس، حلقة كاملة عن موسيقى الشارة «التتر» لبرامج وأعمال تلفزيونية قديمة قبل مرحلة انتشار الفضائيات.
غالبا كان الحديث عن برامج أنتجها التلفزيون المصري، وهي ملامسة لذاكرة أجيال من المصريين، لكن لأن كثيرا منها كانت تعيد بثها محطات عربية، فإن الذاكرة تصبح جمعية مشتركة عربية.
دوما هناك حنين لكل ما هو قديم، رغم تقدم الإنتاج وتقنياته الفنية اليوم في العصر ما بعد الديجيتالي، مما يجعل الإنتاج القديم يشبه أحفوريات طبشورية، إلا أن لذلك الزمن رونقه.
ولعل أكثر ما يميز ذلك الزمن هو الخط الأخلاقي الناظم للمنتج التلفزيوني أيا كان نوعه، وكما ذكر ضيف إسعاد يونس الإعلامي التلفزيوني طارق علام، فإن زمان لم يكن هناك أي لفظ خارج يخدش حياء مستمعيه.
لذا اعتبر أن ما تقدمه إسعاد يونس في حلقات عديدة من برنامج صاحبة السعادة وصفة نجاح للبرنامج، حيث أنها غالبا ما تعيد إلى الذاكرة ذلك الحنين والوجد بالماضي القريب إما من خلال فقرات وعناوين تحيلنا إلى ذلك الزمن، أو بضيوف متميزين غالبا هم امتداد لذلك الزمن.
الحريات الإعلامية في لبنان إلى الوراء در
ومرة أخرى، يوجعني أن تتعرض قلعة الحرية الإعلامية في لبنان (مهما اختلفنا او اتفقنا) إلى هذا الهجوم الخارجي الشرس، والذي صار فيه المدعي العام اللبناني يحرك الدعاوى القضائية في حملة تضييق على تلك الحريات.
برنامج «لهون وبس» للكوميديان الساخر هشام حداد، من أكثر البرامج اللبنانية الساخرة بامتياز على قناة «أل بي سي» (المؤسسة اللبنانية للإرسال، وهي مؤسسة قديمة و عريقة)، وفي حلقة من حلقاته الأخيرة تناول المقدم اللبناني الساخر وبسخرية لطيفة لا إساءة جارحة فيها، شخص ولي العهد السعودي، لتقوم قيامة المدعي العام اللبناني فيحرك دعوى قضائية ضد حداد وبرنامجه.
هناك برامج لبنانية على مختلف القنوات تعرض للسياسيين اللبنانيين أنفسهم شخصيات كاريكاتورية بالغة السخرية، ولم يعترض أحد، فلماذا ولمصلحة من تثور ثائرة المدعي العام اللبناني هذه المرة؟
ميزة فضاء لبنان الإعلامي أن سقفه السماء فعليا، حتى السماء أحيانا يتم اختراقها بحرية يدرك كل لبناني أهميتها ليكون هذا البلد دوما كما هو في مخيلتنا، فضاء رحبا للحرية المسؤولة.
كإعلاميين، نقف بقوة مع هشام حداد وحقه في التعبير، ومع حرية الإعلام في عموم العالم العربي، فلا يمكن لمجتمعاتنا أن تتغير وتساير العصر دون هذا الإعلام، الذي لا يحده أمير ولا يخنقه مسؤول مهما علا شأنه.
«رؤيا» وخطأ رؤيا الضيف
لكن الحرية لا تعني الفوضى، ولا توظيف الهواء للهبل والتسحيج والتسول.
وهذا بالضبط ما وقعت في فخه قناة «رؤيا» الأردنية صباح الثلاثاء في برنامجها الصباحي «دنيا يا دنيا»، والذي كان مكرسا للاحتفال بمناسبة وطنية، وبسبب خطأ في الإعداد كما يبدو، تفاجأ مقدما البرنامج ومن بينهما السيدة المخضرمة رندا عازر، بضيف تم تقديمه بصفة «عاشق للوطن»، ومؤلف كتب، ليتبين أن كتبه مواضيع إنشاء في فنون التسحيج والمدح السلطاني، وأمام ارتباك المقدمين في مواجهة ضيف انفلت على الهواء ليطلب مقابلة الملك متسولا تلك المقابلة الشخصية على الهواء، ثم طلبه الغريب الذي بادر فيه فجأة بطلب مقابلة رئيس مجلس إدارة مؤسسة خاصة فقاطعه المقدمان بحزم، ودرءا للحرج، طلبا منه أن ينهي بقصيدة شعرية قال إنه أعدها بالمناسبة الوطنية، ليلقي «كلاما على عواهنه» مدحا في ولي العهد الأردني، الذي نجزم أنه لو سمع النص لتوجه برفع قضية تشهير على الرجل، الذي أهان اللغة العربية بكل هذا التشويه الذي ارتكبه.
الفقرة انتهت بشبه طرد للضيف على الهواء، لكن هذا يضعنا دوما أمام سؤال حول أهمية فريق الإعداد في برامج كتلك، وضرورة إسناد المهمة لأهلها من المحترفين.
مشكلة مزمنة إسمها خطأ الإعداد
لكن رؤيا، لديها باقة إعلامية اسمها «زينة صندوقة» من فلسطين، وهي مراسلتها هناك، من الأرض المحتلة، وتقدم كما تعد بنفسها تقارير تكاد تحملك إلى روابي فلسطين وسهولها بسلاسة وحب.
في كل مرة، أنتظر برنامج «حلوة يا دنيا» يوم الجمعة غالبا لمتابعة تقارير فلسطين التي تعدها بعناية زينة صندوقة، وكل مرة أجدني أسرح بهذا الجهد الإعلامي الواثق على قصر مدته، وهي تقدم لنا شيئا من الوطن المحتل على شكل فقرة مصورة تكاد تشتعل فيها كل حواسك وأنت تتابعها.
في الجمعة الماضية، كانت تحلق عاليا في فقرتها الفلسطينية بامتياز، لكن بعد الفقرة الحلوة، انتقل بنا البرنامج من صندوقة وحضورها الواثق والواعي، إلى الاستوديو في مقابلة أكثر من رديئة مع سيدة تم تقديمها أنها ممثلة فلسطينية، وهي ليست أكثر من مدعية تمثيل (مما رأيناه من مختاراتها.
الكارثة أنه تم الاحتفاء بها باسم فلسطين (أسجل هنا للإنصاف أن المقدم فؤاد الكرشة لم يكن سعيدا بحضورها كله كما شعرنا)، وكان معظم حديثها بلا معنى لكنها تتحدث بلهجة توحي أنها ممثلة كونية يكاد مهرجان كان السينمائي لا يقوى على الانعقاد دونها.
هذا خطأ إعداد آخر، تكاد تشعر فيه بمحسوبية ما فرضا تلك المسكينة ضيفا ثقيل الدم على المشاهدين، وكذلك صورة أخرى لهواة اليوم من جيل يعميه بريق أضواء التصوير ليصاب بغطرسة تجعله يقتل التواضع المطلوب للفنان الحقيقي.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة