أفاقت في غسق الدجى والهواجس تكدّر صفو رقادها، تحسست المنبّه فوق المنضدة بقربها، ضغطت على الزر كي يضيء لها فغشّاها نوره حتى كادت تسقطه على الأرض.
يا إلهي، لا يزال الليل طويلا…
عدّت الساعات المتبقية لكي تبدأ يومها كما خطّطت، وغرقت في إحتمال «ماذا لو أخفق هذه المرّة كذلك»؟.. وإستعادت ذاكرتها القريبة، الأسبوع المنصرم فقط، كيف خانها تركيزها وأضاعت فرصة ذهبية، فقد كانت الرياح معتدلة والسماء نقية من كل كدر ومع ذلك أخفقت.
علي أن أتدرب اكثر قالت، نعم، الحل أن أخصص ساعتين أو ثلاث ساعات من يومي للتدريب، لكن ؟ كيف السبيل لذلك ؟ دراستي واجباتي أصدقائي……لماذا يقسّم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة ؟ لماذا لا يتفق البشر على تأجيل ساعات النهار لكي يصبح اليوم أطول؟ لا أدري لماذا يحب الناس النوم؟ أليس القبر سبات يمتد لآلاف السنين؟ لماذا لا نغتنم الحياة لحظة بلحظة؟ الحياة بحزنها وفرحها بنجاحها وفشلها بصدقها وكذبها بأخيارها وأشرارها، تستحق أن تعاش، كم من الناس يخضع الآن للعلاج من أمراض مزمنة ؟، يدفع كل غال ونفيس كي يزيد من أنفاسه اياما وربما سنين….والأصحاء يقتلون الوقت في أسرّتهم….
أنا أحب النهار، أحب الشمس تتخلل إلى روحي تمنحني دفئا،أملا، وحبا…
يبدو أنها إنسجمت تماما مع ما يدور في خلدها حتى أنها وقفت وصارت تذرع غرفتها ذهابا ومجيئا، وهي ترافع وتنتصر لرأيها…كأنها في قاعة محكمة..
أفقدتها الطائرة صوابها….حال الشغوف بالحياة…
أشرق الصبح، وتسللت حبيبتها من النافذة تداعب جفونها….أيقضتها ببطء، فتحت عيناها ’ ياإلهي الشمس….الصبح…؟ أبصرت من حرمتها النوم البارحة في زاوية تزين بألوانها الأبيض والأصفر والأحمر والأزرق غرفتها…صلّت وتضرّعت لله: ياربي أنجح هذه المرة يا رب….
لبست ثيابها على عجل كوّرت حقيبتها وضمت طائرتها لصدرها كأنها تعانق حبيبا تخاف فقده…نزلت السلالم في لمح البصر، تناولت فطورا سريعا.. وإستقلّت دراجتها…صباح الخير سيد سعيد..صباح الخير سيدة فلّة…زادت من سرعة دراجتها كي تختبر سرعة الرياح والأمل يحذوها الأمل أن تنال المبتغى…تسترق النظر يمينا ويسارا تنظر للباعة وهم يهمّون لفتح متاجرهم…الأطفال يملأون الدنيا ضجيجا وقفوا قبالة المدرسة.. السيدات متأنقات متجهات للعمل أو السوق…لا يهم…سأصل الشاطئ قريبا، أشم رائحة البحر من هنا ممزوجة برائحة الشمس…
تراءى لها الشاطئ من بعيد زرقته مع إنعكاس نور الشمس على أمواجه يخطف الأنفاس..
ركنت دراجتها إلى الصخرة ثم قالت دائما ما أركنها هنا….ثم تداركت نفسها ، سترمين فشلك على الصخرة؟ ما شأنها بك ؟ ما أضعف الإنسان عند ما لا يجيد تفسير فشله..يلوم حتى الصخر؟..
خلعت حذاءها وشمرت عن ساقيها وترجّلت حافية القدمين صوب الشاطئ، أمسكت بطائرتها وهي تراعيها كوليد، الرياح جيدة بإتجاه الشرق، وضعتها على الرمال وخطت خطوات معدودات إلى الخلف، تسلل الخيط خلسة من بين أناملها الليّنة، وإرتفعت بالريح عاليا، خفت صوت الضجيج شيئا فشيئا فلم تعد الطائرة تسمع غير شقشقة العصافير..عانقت السماء داعبت الريح وأشعة الشمس، نظرت إلى البحر أسفلها….كم أنت عملاق مهيب، مبجّل..
غسقت عينا بسمة وهي ترقب طائرتها تعلو، تساير الريح بخفة أصابعها، وتردد كلمات: طائرتي تحلّق…نعم لقد طارت…. ياربي نجحت أخيرا…وحلّق قلبها مع طائرتها سما
وارتقى….
منى مقراني- الجزائر