طائفية الحرب وسلمية الثورة في سوريا

حجم الخط
0

هل كان التغيير الديموغرافي الذي انطوت عليه صفقة كفريا والفوعة في مقابل الزبداني ومضايا، هو الدليل الأول على طائفية الحرب في سوريا؟ هل كان بين المهجرين أو المهاجرين في إطار انتصارات أو مصالحات الحكومة مسيحيون أو علويون أو دروز؟ هل تعاملت جبهة النصرة وأشقاؤها كأحرار الشام وجيش الإسلام مع غير السنة في مناطق سيطرتهم على أنهم سوريون لا يحتاجون لقرابين مادية أو دينية للعيش في مناطقهم؟
افتضاح طائفية الحرب عبر اتفاق البلدات الأربع، إن كان سراً أصلاً، هو تأكيد جديد على عدم سوريتها إن جاز التعبير، فمن خطط وأبرم هذا الاتفاق ليسوا سوريين، وما تنفيذه من قبل الحكومة وفصيلين مسلحين يعارضانها إلا إمعان في لاسورية الحرب.
ربما حان الوقت للتفريق بين الثورة والحرب في سوريا، حان الوقت لإدراك أن الثورة التي انطلقت قبل سبع سنوات تحولت إلى حرب طائفية يديرها الخارج على الأرض السورية، حان الوقت للاعتراف بعد كل هذه السنوات أن أحلام الثوار بالانتصار والمؤيدين بعودة العهد الأسدي قد تبدلت، فبات الثوار يحلمون باسترداد ثورتهم من أمراء الحرب، والمؤيدون يتوقون للتحرر من الروس والإيرانيين.
قرار الحرب والسلم غادر السوريون إلى أن تقع معجزة ما، ويكفي أن نستدعي محادثات أستانا لنتذكر أن وقف إطلاق النار كان بقرار ثلاثي من إيران وروسيا وتركيا، وما تبع هذا القرار من محادثات بين الحكومة وفصائل معارضة كان مسرحية متعددة الفصول، حيث أن جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام، أبرز الجماعات المسلحة التي تقاتل الحكومة غابت عن هذه المحادثات، ليس قراراً منها طبعاً وإنما بتنسيق بين تركيا وبقية خصوم دمشق لترك فتيل الميدان قابلاً للاشتعال في أي لحظة دون أن يتهموا بتقويض السلام، بينما تستغل إيران هذا الاستثناء للتمدد في مناطق هذه المجموعات.
خارج مناطق النفوذ الأمريكي في سوريا، مناطق الأكراد طبعاً، والتي لم يقربها أحد من خصوم دمشق وحلفائها منذ العام الأول للحرب، تبدو روسيا صاحبة اليد الطولى في الميدان ولكن حقيقة الأمر أن موسكو تمتلك القرار طالما يحلق طيرانها في السماء السورية، وما أن يهدأ غبار الغارات التي تشنها المقاتلات الروسية وتنقشع الرؤية حتى تجد إيران تتحكم بغالبية مفاصل المعركة وحتى الحياة العامة في سوريا.
الحضور الإيراني في سوريا مصيبة استدعتها دمشق، ولكن استفحالها وتحولها إلى احتلال مباشر يتحمل مسؤوليته إلى جانب دمشق طبعاً «أصدقاء الثورة» وأتباعهم من المعارضة.
مسؤولية المعارضة السورية في تحول الثورة إلى حرب طائفية تقع في تبنيها الجماعات المسلحة المتطرفة كأذرع عسكرية لها رغم القطيعة الواضحة بينهما في الإدارة والتخطيط والمرجعية. ثمة فرق كبير بين المعارضة المسلحة التي كانت تتطلع لها الثورة مع انشقاق عناصر من الجيش احتجاجاً على ممارسة العنف ضد المتظاهرين المدنيين، وبين تسليح المتظاهرين وتحويلهم إلى جند يأتمرون بأوامر عناصر من تنظيم القاعدة أو متطرفين أو مجرمين فروا من السجون، فالتسلح لحماية الثورة يعني المحافظة على سلميتها ووطنية مطالبها، أما تسليح متطرفين فهو للسيطرة على مدن وتطبيق أنظمة أسوأ بمراحل من النظام الذي ثار السوريون ضده وطالبوا بتغييره.
ثمة فرق واضح آخر لا بد من ملاحظته لقراءة الأزمة السورية، ألا وهو التمييز بين المعارضين والثوار، فالثوار جمعتهم فكرة واحدة صائبة تماماً التفوا حولها بعفوية قبل أن يعبروا عنها في الشوارع، في حين أن المعارضين تلقفوا تلك الفكرة بمجرد نزولها إلى الساحات والميادين وحولوها إلى أجندات ومشاريع تغيير يقودون الثوار عبرها، وبالتالي أي خطأ في الاختيار أو الحكم أو المقارنة خلال أي مرحلة من مراحل الثورة يقع على عاتق المعارضة وليس الثوار.

صحافي سوري مقيم في لندن

طائفية الحرب وسلمية الثورة في سوريا

بهاء العوام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية