جنى فواز الحسن وللمرة الثانية تُرشح رواية لها للقائمة القصيرة في مسابقة البوكر العربية السنوية وهي رواية «طابق 99» من إصدارات دار الضفاف ودار الاختلاف عام 2014.
جنى وحسبما مكتوب في محرك البحث غوغل روائية من مواليد 1985 وتعمل في الصحافة المكتوبة والمترجمة منذ عام 2009 . ما جذبني لقراءة روايتها هو فضولي لاكتشاف عوالم الإبداع المبكر لديها، التي منحتها حق الوصول إلى القائمة القصيرة في البوكر، لقد تمعنتُ في قراءتي هذه لأتعرف على حجم الموهبة والقدرة التي تمتلكها وهي الأصغر سناً وتجربة عن باقي المتسابقين في عالم السرد الروائي.
أعجبتني الجرأة التي يتمتع بها قلمها واقتحامها لعوالم سياسية شرقية عربية، لم يسبق لغيرها أن تجرأ واقتحمها إلاّ في ما ندر، خاصة كشفها المباشر لجوانب من علاقة الفلسطينيين بالعرب عموماً وتحديداً اللبنانيين منهم، والنظرة السلبية التي ينظرون بها إلى الواقع الفلسطيني، رغم معاناته ومآسيه، كذلك تعمقتْ جنى أكثر في كشف الغطاء عن ماهية حزب الكتائب ودوره السياسي في التحكم بلبنان، وعن المبررات التي ينسب إليها اللبنانيون سلوكهم المحبط تجاه القضية الفلسطينية آنذاك. راق لي ما كتبته وراقت لي أكثر الحرية التي منحتها لها دارا النشر الضفاف والاختلاف، بعدم حذف الصفحات التي تحتوي على هذه الحقائق من الرواية، كما أنني أثمّن عمل اللجنة المسؤولة عن تقييم الروايات في مسابقة البوكر وتقديرها للعمل الروائي من الناحية الأدبية والفنية بعيداً عما يتضمنه من مآرب سياسية.
حول رؤيتي عن الرواية نفسها فإنني سأبدأ بالعنوان الذي بدا لي غير موحٍ بشكل منطقي عن أحداث الرواية، فكل ما يربط الرواية بالعنوان هو أن الشخصية الأولى أي الشاب الفلسطيني المُعاق (مجد) يعمل في مكتب أنيق في الطابق 99 من إحدى البنايات في أمريكا، وأنه يمضي ساعات طويلة فيه تتقاذفه الذكريات والأحداث التي مرت به، «كنت هنا الآن في أهم بلدان العالم، أمرّ يوميا قرب مبنى (الامباير ستايت) أحدق إلى طوابقه المئة واثنين بدهشة وأمني نفسي بأن العمارات قد نجحت في أن تشق طريقها إلى السماء، وأنني ما أن أقف على قمة البرج أو المبنى سأنتمي أنا أيضا إلى الأعلى وستبقى كل البلاد في الأسفل، بيروت وفلسطين التي لم أعرفها» ص25.. هناك في طابق 99 تتحرك مخيلته لتعيد الماضي في سردية طويلة مكررة في الكثير من المشاهد عن الوطن المهجور قسراً، أما الحاضر عند مجد فهو شبه غائب والمستقبل غير واضح المعالم. الأحداث تتوالى بشكل متقطع والصور هي ذاتها تحضر وتغيب بدون آلية مدروسة لتوافق الصورة مع المشهد. يأتي اختيار العنوان مخيباً لتوقعات القارئ بعد الانتهاء من الرواية. اللغة المستخدمة، بسيطة وأنيقة لكنها سردية عادية خالية من الدهشة والابداع وهنا أستغرب من ضعف جرأة الكاتبة على خرق الأسلوب النمطي القديم في تقديم المشاهد وتقييمها، رغم جرأتها في طرح المواضيع الحساسة. لم ألاحظ أخطاء نحوية أو إملائية كثيرة، لكنني لاحظت التكرار في تصوير المشاهد نفسها، لكن بصيغ وتعابير لغوية مختلفة.
أحداث الرواية رغم جرأتها في طرح بعض جوانب الصراع الذي حصل بين الفصائل المتناحرة في لبنان وفلسطين، إلا أن الرواية ماتزال بحاجة إلى وجود حبكة فنية تربط المشاهد والأحداث مع بعضها بصورة توافقية منسجمة تُدخل القارئ إلى المشاهد المتتالية بمرونة وجاذبية، بعيدة عن الملل والنفور، وفي الوقت نفسه تعالج الحدث بحسية عالية… ويبدو لي أن جنى لم تتمكن من شد أواصر العلاقة ما بين الأحداث لتنمو لوحدها من دون اقحام بعض المشاهد التي لا مبرر لها. أما الاسلوب السردي ورغم أناقة وبساطة اللغة المستخدمة فقد غلب عليه الحشو والتكرار مما أكسبه ترهلاً واضحا وخلخلة في النسيج البنيوي للشخصيات والأحداث معاً، فأدى ذلك بشكل أو بآخر إلى إضعاف الهيكل الخارجي وفقدان الجاذبية الفنية التي بدأت بها الرواية، «كانت تقول دائما أن هذه اللحمة بين أبناء الوطن الواحد في الشتات هي ما تصبرهم على التهجير وكانت تنتقد الفلسطينيين الأغنياء الذين تخلوا عن أبناء ديرتهم ولم يحاولوا أبدا أن يمدوا لهم يد العون، على إيش، إيش ينقص منهم أن تعاونوا ولا كأنهم كانوا مننا» ص63 . ومن ذلك يبدو أن السرد عند جنى ترتفع قوته بخط مستقيم مائل إلى الأعلى لصفحات عديدة ثم ما يلبث أن يهبط فجأة ليترك خلفه مساحة كبيرة ومفاجئة من الخلل في الشكل والمعنى، فيصاب القارئ عند ذاك بخيبة التلقي والبحث عن الحلقة المفقودة التي تسببت في ضياع أو تشتت الفكرة وقد تكررت هذه الحالة في أكثر من فصل.. أما أكثر الملاحظات أهمية فهي أن جنى لم تتمكن من التخلص من سيادة ذاتها على شخصيات الرواية، فصارت كلها نسخا مكررة من شخصيتها هي، لكن مع بعض الاختلافات السطحية، وبإمكان القارئ أن يرى بوضوح القالب الواحد الذي تحركت به شخصياتها وضمن حدود رسمتها الكاتبة من دون وعي منها وفشلت في اختراقها, فظلت الشخصيات حبيسة توأمتها لبعضها، فمجد يشابه هيلدا بأفعاله وردودها وسلوكه، وهما يشبهان ماريان المرأة ذات الجذور الأمريكية والهندية، وكلهم يشبهون الآخرين في لبنان أو فلسطين، لذلك غلب التصنع على سلوك الشخصيات ففقدت أصالتها، مما تسبب في تثاقل حركتها وتفاعلها مع بعضها أو مع المشهد، إضافة إلى أن الروائية لم تترك للقارئ فرصة الانغماس في تحليل وفهم السلوك الفردي لكل شخصية، ومن ثم تحديد نوع تلك الشخصية على ضوء تقييمه الذاتي وحسب رؤيته هو، بل فرضت عليه رؤيتها وأقحمت نظرتها الذاتية عليه وعلى استقباله لفكرتها، وذلك بوصف وتبرير وتفسير سلوك الشخصيات.. رغم تلقائية الروائية ومحاولتها الكبيرة لجذب القارئ بتقنية صياغة الحدث وجرأة طرح المواضيع، فإنني أرى قلمها لايزال غير ناضج بما يكفي، ولازالت رؤيتها محصورة في قالب معين لم تفلح في الإفلات منه، وهو القالب نفسه الذي حشرت أسلوبها فيه في روايتها السابقة «أنا وهي والأخريات»!
٭ كاتبة عراقية
سوزان سامي جميل