طارق الرامي: المسرح أول تجليات الإنسان إبداعياً وأكثرها رسوخاً

حجم الخط
0

طنجة – «القدس العربي»: كانت طنجة على موعد مع هذا الفن، المسرح، طنجة المؤهّلة تماماً للعب هذا الدور الجامع بين الحضارات التي تلتقي على ساحة العمل الإنساني الجمعي، بما تحويه من عوامل وروافد للتعدد والانفتاح على الآخر، وتموضعها بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبين القارة الأفريقية وأوروبا التي لا تبعد عنها سوى 14 كيلومتراً من جهة أخرى، وتمثل أكبر نقطة التقاء بين الحضارات المتوسطية، طنجة مدينة العالم كما قال محمد شكري، أو طنجة الكبرى ذات الأصول العربية والأمازيغية وظلال الموريسكيين، والمرفأ الفينيقي، التي بدأت مسيرة حضارتها مع اليونان، وصولاً إلى الثقافة الإسلامية، كانت على موعدٍ مع فن البشرية الأول، المسرح، في مهرجانها الدولي للمسرح، الذي تلقيت دعوته، فتركت كل شيءٍ وحلّقت إلى أقصى المحيط الأطلسي، لأكون على الموعد مع هذا الفضاء المُقدَّس والجوقة والأقنعة ذات الألوان الصارخة في الاحتفالات الديونيزية، والمدرجات الرخامية من العصر البيزنطي، والقباب والأقبية، والفرق التي جاءت من شتى أنحاء العالم لتقف أمام الناس، عارضةً تراثها التاريخي والإبداعي لهذا الفن، في تجليات تقاليده البيزنطية واليونانية، في صورةٍ عصريةٍ تطرح قضايا إنسان العصر. وكان هذا الحوار مع رئيس مهرجان طنجة الدولي للمسرح «طارق الرامي»، الذي اتخذ من شعار «طنجة… فضاء لكل الفضاءات» رمزاً وهويةً له.
■ «طنجة فضاء لكل الفضاءات».. ما دلالة هذا العنوان الرحب المتسع، وما أبعاده ذات الخصوصية المتعلقة بالمسرح تحديداً؟
□ بالنسبة لشعار المهرجان وهو «طنجة فضاء لكل الفضاءات» فقد نبع من حقيقة أن طنجة منذ قديم الزمن أرضٌ لحضارات كثيرة، وكان هناك دائماً تنوُّعٌ حضاريٌّ وتنوُّعٌ ثقافي فيها، وهي أول من رسَّخ قانون التعايش المدني، لأنها تعد المدينة الدولية الأولى، ولذلك كان فيها الكثير من أوجه التعدد الثقافي. في السنوات الأخيرة شهدت طنجة انتعاشة كبيرة اقتصادياً وحضارياً وعمرانياً وثقافياً واجتماعياً، وأطلق الملك محمد السادس مشروع «طنجة الكبرى»، وهو مشروع طَموح وكبير على المستوى الثقافي والاجتماعي وتعايش الحضارات.
■ عبّرت في كلمتك الافتتاحية للمهرجان عن رغبتك في تحويل طنجة إلى عاصمة ثقافية وفضاء لـ»البين الثقافي».. هل يتقاطع ذلك مع رؤيتك لمشروع «طنجة الكبرى»؟ وكيف يمكن أن يكون المسرح تحديداً سبيلاً إلى ذلك؟
□ بالنسبة إلى جمعية القنطرة هي جمعية سوسيو- ثقافية تهتم بكل ما هو ثقافي واجتماعي، ومهرجان طنجة الدولي للمسرح هو المشروع الحقيقي المُجسِّد لـ»البين ثقافي»، ولذلك تجد هناك مشاركين من كل أنحاء العالم، وفدوا من أربع قارات بلغات مختلفة، ولذلك دائما ما نحاول أن نعطي صورة حقيقية لطنجة، مدينة التعايش والتسامح، ونحن نعمل على ترسيخ هذه الفكرة، أما في ما يختص بموضوع «البين ثقافي» فنحن أطلقناه في ذروة «الربيع العربي» كرؤية مغايرة لإمكانية التعايش في سلام مع تحقيق تطلُّعات الناس للاستقرار والأمان. ونحن في طنجة والمغرب نحاول العمل جاهدين لإعطاء صورة حقيقية لبلادنا للاستقرار والتحاور والتسامح عن طريق الثقافة طبعاً.
■ عُرِفَت طنجة منذ القدم بأنها «مدينة العالم» المنفتحة على الثقافات، مدينة كوزموبوليتانية بامتياز. كيف يستطيع مهرجان طنجة الدولي للمسرح أن يرسِّخ هذه الصورة تحديداً من خلال فعالياته، وأن يعمق هذه الهوية لمدينة طنجة مجدداً؟
□ طنجة «عاصمة عالمية» بالفعل للثقافات والأعراق الأخرى، والمُكوِّن الإنساني المُتعدِّد. وعُرِفَت بذلك منذ وقت طويل، ونحن الآن نحاول أن نُمثِّل الشعاع الثقافي الممتد لهذه الفكرة من زاوية المسرح باعتباره التجلي الأبرز للثقافة. نحاول أن نقول إن الثقافة يُمكِنها أن تخدم الشعوب وأن تخدم السياسة والاقتصاد، ونحن نعمل من هذا المنطلق؛ و»طنجة الكبرى» تمتلك من الخصوصية والجاذبية ما يساعدها على ذلك، فإن أسَّست مشروعاً ثقافياً جيداً، فإن اسم المدينة ووجودها في التاريخ يساعدانها على نشره وتفعيل أهدافه بكل سرعة.
■ يمتلئ برنامج المهرجان بِوِرَش تنمية مسرحية وجلسات مقاربة فكرية وحوارية، إضافةً إلى الجانب التطبيقي المتمثل في العروض الحية للفرق المشاركة، هل يُراعي هذا التكثيف المعمَّق للنشاطات بُعد الجمهور وينتبه لشروط التلقي أو التواصلية الخاصة بمتابعة الجمهور لفن المسرح؟ أم أن شروط التلقي الاستهلاكي تفرض نفسها على ما يتم تقديمه؟
□ المهرجان بالفعل يراعي الجمهور المتلقي، ويتم انتقاء العروض المهمة التي تخدم الشباب والطلبة والباحثين وأيضاً التي تخدم المختصين، فطنجة تعتبر المهرجان فضاءً للتصالح والتقاسم والتشارك والتآخي، وهو مناسبة جيِّدة للتشبث بالحياة، وهذا مهرجان للحياة، مليء بالاحتفالات والفرح والإبداع، وهي من أهم القيم التي يرسِّخها فن المسرح، وهو أيضاً الأساس لمهرجان طنجة الدولي للمسرح.
■ هل هناك من إشارات تطبيقية ستصدر عن المهرجان، لتفيد الفعاليات اللاحقة، أو تخدم فن المسرح عموماً؟
□ نعم، هناك توصيات ستخرج عن المهرجان، وكذلك عن الندوة الدولية التي ستعقد في دار الصحافة عن المسرح والمدينة، وسيشارك فيها كبار الكُتَّاب والنُقَّاد المسرحيين المغاربة والعرب والأوروبيين، وسيتم نشرها في كتاب لاحقاً.
■ المسرح أبو الفنون، وأول الأشكال المنظِّمَة للفن في صورته العليا، لماذا نراه اليوم يتراجع أمام الفنون الأخرى جماهيرياً، ليس من جانب القيمة بالطبع، ولكن من زاوية استقطاب أشكال أخرى من الفنون للجماهير، كالسينما والتلفزيون والأغاني المصورة ذات الإيقاع السريع، هل مازلتم تراهنون على المسرح في هذا الزمن الصعب «مسرحياً»؟!
□ المتلقي اليوم تصل إليه أشكال الفن بسرعة كبيرة، المواد الرقمية تصلك في المنزل عبر الشاشة الصغيرة، وفي هذا العصر تصلك الأفلام عبر الهاتف النقّال، ولا أظن أن الناس في هذا العصر المتسارع الإيقاع يمكنهم أن يشاهدوا عملاً مسرحياً ضمن يوميات حياتهم وأثناء استغراقهم في تفاصيل يومهم، بل قد يشاهدون عملاً مسرحياً على الشاشة الصغيرة أو الهاتف، فتصور أن ترى عملاً مسرحياً من دون جوقة حية على المسرح، ومن دون خشبة أو ستار أو مُدرَّجات، إن ظروف التلقي لفن المسرح والإيقاع السريع للعصر والتحولات الكبيرة لأشكال الفن وأنماطه أصبحت جزءاً من فكرة التواصل مع العمل الفني.
■ ما الذي يُمكن أن يُقال أيضاً عن طنجة؟ عن الفضاء الحي، أو عن المهرجان.. ما السؤال الذي لم أوجهه إليك عن طنجة الكبرى وأمنياتك لها: المسرح والمدينة والآخر؟
□ أمنياتي لمهرجان طنجة الدولي للمسرح أن يجمع مسرحييّ العالم، طنجة تتسع للجميع، فهي مُلتَقَى الحضارات والثقافات المختلفة، ولهذا كان شعار المهرجان «طنجة فضاء لكل الفضاءات» بما تحويه الجملة من معنى، ومن هذا الأساس نحن نعمل، ولذلك فأي عمل يشارك معنا يجب أن يراعي الخصوصية المغربية والقيم المغربية تماماً كما نقبل ثقافة الآخر ونحترم تقاليده وقيمه، نقبل كل الثقافات المُعلية لقيمة الفن والإبداع وعروضها المسرحية وأطروحاتها التطبيقية، على ألا يكون فيها ما يخدش الحياء أو يتنافى مع القيم المغربية أو العربية أو الإسلامية.

حمزة قناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية