طارق رمضان وإدغار موران… بين الإيمان و«اللاأدرية»

حجم الخط
1

■ منذ سنوات قليلة أصدر الفيلسوف الفرنسي إدغار موران كتابا مشتركا بالفرنسية مع طارق رمضان أستاذ الإسلاميات في جامعة أكسفورد بعنوان «في خطر الأفكار»، وللحديث عن هذا الكتاب نزلا ضيفين على حصة «الضيف» التي يقدمها الإعلامي الفرنسي باتريك سيمونان.

حول الاختلاف:

احتار بداية باتريك في ما جمع بين المتناقضين في «لقاء غير منتظر» بين ـ كما قال ـ طارق رمضان المختلَف حوله، «المُبعد» من قبل بعضهم، وإدغار موران المُجمع حوله تقريبا، فما الذي جعل هذا الأخير يشارك هذا الـ»رمضان» في الكتابة؟
يجيب موران على ذلك بأنه قَبِل الكتابة مشاركة لأنه يحب النقاش والحوار، وأنه وجد كاتبا يختلف مع وجهات نظره، وكان يعلم إنه سوف يجد مواجِها فكريا فعالا، رغم سمعته «المندفعة» التي لا يجدها مؤسسة، وليس مهما بالنسبة إليه ما يقال عن تطرفه ومعاداته للعلمانية، ويعتقد إنه عن طريق الكتابة والاختلاف، سوف يُعرف كليهما بالنسبة للآخر، أما بالنسبة لطارق رمضان، يرى أنهما مختلفان جدا، لكنه قرأ موران طالبا واستشهد به واستوحى من أفكاره، وأشار إلى مفارقة شديدة وهي كونه مؤمنا وموران لاأدريا، لكنه في الطريقة التي يتكلم بها عن المعتقد أو الطقوس الدينية، يفهمها طارق جيدا، بمعنى أنه ليس لديهما الأجوبة نفسها، لكنه يفهم مسار شكوكياته وتساؤلاته.
إجابة طارق رمضان تضع الإسلاميين موضع سؤال، فموقفه من إدغار موران، لا يعتبره آخر بالمفهوم السلبي الذي يضع الذات إيجابية، بحيث أن الذات الإسلاموية، والإسلاموية هنا تعبر عن موقف فكري، أكثر منه أيديولوجي، تحسم في مسار الأفكار الذي يعد إيجابيا، من حيث إنها تخلط بين الوحي والتاريخ، كما يرى الباحث المختار الشنقيطي، وبالتالي يكون طارق رمضان قد أنتج مفهوما جديدا للاختلاف أساسه المعرفة بكيفية معالجة الآخر لطروحاته، وليس الاختلاف على الدوام هو في الفروق بين ما تعتقده الذات وما تتبناه وما يعتقده ويتبناه الآخر. أيضا يقول بأنهما متفقان حول الأنسنة والمواقف، وإنهما أكثر اتفاقا حول الأفكار الواردة في الكتاب، لكنهما متفقان حول أفكار لا تشكل الكثير من الإجماع، أي حول التعددية، الاختلاف الثقافي، ويقاطعه مقدم الحصة ليستفسر حول «العلمانية» ومكانة الأديان، يتساءل هل هما متفقان أم منقسمان؟ يرد طارق رمضان بأنهما متفقان حول شيء، كون العلمانية طورا تاريخيا كان إيجابيا لأنه ساهم في تنوع الأديان، والموقف في فرنسا من موقع علمانيتها، يضيف طارق أن ما يعجبه في فرنسا هو أن العلمانية مطبقة بالحرف، وفقا لروحها وبالنسبة للجميع وبالطريقة ذاتها، مع وجود بعض اللائكيين في فرنسا يخلطون بين العلمانية ومحاربة الأديان، بالنسبة لهم كل التعبيرات الدينية يجب أن تختفي لصالح فهم مشوه للعلمانية، ويختتم طارق رمضان بأنه وموران متفقان حول أسس وجوهر العلمانية.
قد لا يتفق الكثير من الإسلاميين حول بعض طروحات طارق، لأن قناعاته صادرة عن اشتغال عقلي داخل منظومة مجتمعية، تتيح التعدد وتسمح بالاختلاف، وتضع الشخص موضع القائم بأمر المعرفة التي تتقدس في علياء العقل والحركة المستمرة نحو التحولات الجدلية للاجتماع والسياسة والثقافة والاقتصاد.

حول العلمانية (إدغار موران):

يعيد الفيلسوف إدغار موران الإشكال العلماني إلى أصوله المنهجية والفكرية، حينما يرى أن طارق رمضان واجه مشكلة العلمانية في الراهن، حين شهدت أزمة الخمار الإسلامي ظهورها، وأيضا ظاهرة العلامات الدينية في المدارس التي ُطرحت بحدة، بينما هو ـ موران ـ يعتبر نفسه ابن كل هذه المراحل التاريخية، التي بدأت مع عصر النهضة، وفكرٍ وضعَ العالم محل السؤال، وبادر إلى أسئلة الوجود الإلهي التي تطورت مع عصر الأنوار الذي أنتج حقوق الإنسان، يضيف أنا ابن هذه العلمانية، لكنني أعترف بأنها وإن كانت ضرورية بالنسبة لتشكيل الوعي الجمهوري، إلا أنني أتنبه إلى ضرورة عودة العلمانية اليوم إلى المنابع الأولى، لأن الأديان ظواهر كونية، وحسب رأيه يجب أن ندرسها، ليس هذا الدين أو ذاك، ولكن الظاهرة الدينية التي توجد في كل مجتمع، ويعتقد أن العقلانية عرفت بعض الضعف والأمراض ويجب أن نعرف أن العقل لا يضيء كل العالم، وبالمحصلة يدعو موران إلى إيجاد مكان للديني، لأن الدين كظاهرة موجود منذ ما قبل التاريخ، ويقول بأن ما يشعره اتجاه الديني ووجوب حضوره هو ما يجب الانتباه إليه، خصوصا لدى من لا يؤمن به.
إن هذا الموقف من إدغار موران حول الرؤية المختلفة للعلمانية التي صاحبت في البدايات كل تلك الثورة على ما هو مكبل للعقل، وما يسمح بالتلاقي وترميم الفجوات في طريق التواصل العقلاني والفكري والإنساني، هو ما أشار إليه طارق في الاختلاف المبني على فهم الطريقة التي يتبنى ويناقش بها الآخر طروحاته، وهو ما يقود إلى فهم مختلف للعلمانية.
إن نظرة موران للظاهرة الدينية أو الديني بمفهومه التعددي والجذري، يجعل طارق متجاوبا مع طروحاته، ويقول بأنه في هذا الكتاب وكتاب آخر، أوضح بوجوب التصالح مع أربعة عناصر: التاريخ، الفلسفة، الحدث الديني ومعرفة الأديان والمتخيل أي الفن، ويقول إنه بالنسبة للإسلام ليست هناك مشكلة لدى المواطنين الأوربيين المسلمين، ويردف قائلا بأنه ابن المدرسة اللائكية، لكن باتريك سيمونان يتوجه بالسؤال لموران، عما إذا كان هناك إشكال بالنسبة لتواجد الإسلام داخل المجتمعات الأوروبية المعاصرة، يجيب بأن هناك مشكلة تاريخية عميقة لماذا؟ لأن تطور المجتمع في أوروبا الغربية، خصوصا في فرنسا، حدث بواسطة ضغط تدريجي للقوة الدينية على الدولة والمجتمع وعلى الجميع، لكي تصبح قوة خاصة مميزة، في حين أن هذا التطور لم تشهده الدول الإسلامية، التي هي الأخرى بعد فترة تفتح وازدهار في بغداد والأندلس، وجدت نفسها مكبلة وساكنة ثم استعمرت بعد ذلك، وحَلت الأزمة.
إذا شئتم هناك تطور تاريخي مصحوب باختبار للنصوص ونقد تاريخي وأنثروبولوجي لها، الذي بدأ منذ القرن السادس عشر في (أوروبا)، والذي لم يحدث في العالم الإسلامي، ولكن يجب أيضا أن نذكر لماذا، فالإسلام كان على الدوام متسامحا جدا، ولم تكن الكنيسة، على الأقل في العصور الوسطى وبدايات الأزمنة المعاصرة كذلك، المسيحيون واليهود عاشوا مع تسامح الإسلام، بينما الكاثوليكية أقصت اليهود والمسلمين، إذن، كان هناك تسامحا ومفكرين عظماء كابن خلدون وآخرين الذين نشأوا في ظل الإسلام، ونفسه طارق رمضان يرغب في إمكانية المصالحة بين الدين والعقل، الشيء الذي لا أعتقده، إذن، هناك تطور تاريخي أوجد هذا العالم العلماني، والتطور ذاته يشهد صعوده حاليا داخل العالم الإسلامي عن طريق أشخاص أمثال طارق.

حول العلمانية (طارق رمضان):

طارق رمضان ردا على موران، يقول أنه متفق معه، ويجب مقارنة ما يقبل المقارنة، ووضع الأشياء في سياقها التاريخي، تطور العلمانية في الغرب الذي أنتج التنوع والاختلاف هو شيء آخر بالنسبة إلى ما حدث من علمانية في معظم الدول الإسلامية في القرن الأخير، لقد اقترن ذلك بالديكتاتورية أكثر مما هو انخراط في المجتمع الديمقراطي، وإجابة عن سؤال الإسلام في الغرب، فإن الغالبية العظمى للمواطنين ذوي الديانة الإسلامية ليس لهم أي إشكال مع المجتمعات التي يعيشون داخلها، لكن يتساءل باتريك، لماذا تلتصق بك تلك الصورة؟ لماذا هناك صعوبة للاستماع إليك؟ في ما يتعلق بي، لأنني أثير العديد من الأسئلة، في فرنسا وحدها، لا أستطيع أن أحاضر في الجامعات، منعت مني القاعات، وُسِمت بالشيطنة، في إنكلترا حيث أقيم، أُمثل صوت الاعتدال والمصالحة، فرنسا لديها مشكلة مع الديني، مشكلة مع الكاثوليكية قبل أن تكون مع الإسلام، لديها مشكلة مع الاستعمار، بمعنى حضور عربي يتواصل مع فرنسا وجها لوجه، تاريخيا لم يكن كذلك، يتدخل باتريك سيمونان، يُقال إن لك خطابا رسميا معتدلا، وخطابا متطرفا خاصا، يرد طارق: هذا الكتاب قدمته في المغرب، مواقفي كلها معلنة، موقعي على الإنترنت يتابعه حوالي مليون شخص، في الفيسبوك. يتوجه باتريك إلى إدغار موران لحوصلة النقاش، أعتقد ـ يقول موران ـ أكثر أننا هنا لدينا مشكلة مع الأشخاص من أصول إسلامية، باعتقادي أن الإسلام هنا كلمة ـ حقيبة تخفي العديد من الحقائق، سواء كانت مع جزائريين، تونسيين مغاربة أو سنغاليين، أعتقد أنه من الخطأ أن نختصر المشاكل في كلمة إسلام، كما لو أننا نقول فرنسا المسيحية، في حين أنها كانت مسيحية ولم تعد كذلك، هذا مشكل أول. المشكل الثاني هو آثار حرب الجزائر التي استمرت في الجهتين، هناك الطريقة التي حولت قطاعا من المغتربين الفقراء إلى العيش داخل غيتوهات الضواحي (تجمعات معزولة)، ولقد أبعدوا، وهم تبعا لذلك أبعدوا أنفسهم، المشكل هو نحن، لماذا أوجدنا هذه الضواحي، لقد رأيت في كولومبيا والبرازيل المبادرات إلى إخراج الشباب من الغيتوهات التي انزلقت بهم إلى الجنوح، وذلك بالاعتراف بهم، يتدخل باتريك سائلا موران، وهل معنى ذلك أن تلك هي الأسباب التي جعلت طارق مشيطنا في فرنسا؟ يرد موران، في فرنسا قمنا بخلط بين الجهاديين والإسلاميين ومسلمين، ونحاول أن نختصر كل هذه المظاهر ـ متناسين الأشكال الأشد تسامحا مثل الصوفية ـ في شكل واحد للإسلامي المتطرف، ونختصر أيضا الإسلامي المتطرف في شكل الإرهابي، إذا نحن بطريقتنا الاختزالية والمهينة أمام الحقيقة، نحن الذين نعاني من مشكل ما، وحقيقةً هناك بعض الشباب المغاربيين أو السود الذين يعانون من مشاكل لأنهم كانوا ضحية معاملة سيئة، هناك هؤلاء وأولئك لكن ليس المشكل نفسه. إن هذا «اللقاء غير المنتظر» بين فيلسوفين صادقين، يبين كم هي فسيحة مساحة اللقاء والحوار وتبني الطروحات المعتدلة في التاريخ.

٭ كاتب جزائري

طارق رمضان وإدغار موران… بين الإيمان و«اللاأدرية»

عبد الحفيظ بن جلولي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية