بيروت ـ «القدس العربي»: عبر شركته «ليزر فيلمز» دخل طارق سكياس الإنتاج السينمائي في لبنان بفيلم جريء كشف حياة فئة من اللبنانيين تتسم بالمغامرة، والعبثية وصولاً للمقامرة بالحياة. «ورقة بيضا» فيلم قدم بكثير من التشويق والرشاقة امرأة مدمنة قمار، وأخرى مدمنة اصطياد الرجال. امرأتان تجدان حياتهما في هذا الطريق، بغيره هما في انعدام الوزن. بالطبع للرجال وجود فاعل جداً في هذا الفيلم، هم قائد عصابة، قواد، وآخرون يلعبون حوله، مرضى نفسيون بامتياز. مسار الكاميرا يتجه إلى عالم سفلي بحثاً عن نوادي القمار، ومعها يتابع المشاهد كادراً سينمائياً مشغولاً بعين محترفة جداً بخاصة في مشاهد الحركة. المخرج هنري بارجيس قدم صورة أو مشهداً غنياً خارجيا كان أم داخليا. «ورقة بيضا» سيكون في عرض أول بحضور نجومه على السجادة الحمراء في سينما سيتي – وسط بيروت عشية 16 الجاري تمهيداً لانطلاقه في الصالات في19 منه. مع المنتج طارق سكياس كان هذا الحوار بعد العرض:
○ «ورقة بيضا» كم يشبه لبنان واللبنانيين؟
• ليس لبنان وحسب، بل كل بلد أو مجتمع فيه ما يشبه الفيلم. لم نقل أن لبنان على هذه الصورة، بل أضأنا على واقع موجود. ولا شك في وجود أمور كثيرة يمكن نقلها إلى الشاشة، وهذه احداها. من السائد أننا مجتمع يخاف من الكشف عن قضاياه. نحن مجتمع يختبئ بخبث خلف اصبعه. لو وجد بلد في العالم دون قمار، ومخدرات ودعارة لرافقت أبنائي ورحلت إليه. ربما هذه الأمور متفاقمة عندنا قياساً لعددنا والسبب في رأيي الحرب التي مرّت، الأمن الذي يهتز في أحيان، والبطالة التي تشجع. عندما عرض الفيلم في مهرجان دبي جاءني من يقول انه فكر في أن دخول هذا النفق سيؤدي إلى الدمار؟ في رأيي هذه رسالة مهمة أوصلها الفيلم. وأظنها رسالة احتاج أن تبلغ أولادي كأب، فالإدمان على القمار سيؤدي في لحظة ما للعب بالحياة. وكذلك حال المخدرات. لسنا بصدد تقديم الدروس والأخلاقيات، بل كشركة إنتاج سعينا لتقديم فيلم مسلي ويتضمن روح النكتة. حتى المشاهد الجريئة صُورت بطريقة مضحكة. فنحن نعرف أن الكوميديا توصل الرسالة أكثر من التراجيديا.
○ في الفيلم أكثر من شخصية مأزومة نفسياً والأزمات جنسية ذكورية وهذا ليس دليل عافية. فهل نحن مجتمع عاجز؟
• نحن في مجتمع ذكوري لبنانياً وعربياً. للزوج ضرب زوجته دون عقوبة أو بعقوبة مخفضة جداً. في «ورقة بيضا» ليس لـ«لانا» المكانة التي تشبعها وترضيها كإنسان في المجتمع. سعينا لوجهين نسائيين محوريين، وهذا في رأيي أفضل من الوجه الذكوري للإضاءة على مشكلة اجتماعية. امرأتا الفيلم كانتا في بحث عن حريتهما، فالمجتمع يقيد المرأة في مكان ما، والعمل ليس متاحاً لجميعهن خاصة البعيدات عن المدن الكبيرة. أن تكون المرأة حبيسة المطبخ وجدران المنزل فهذا يؤدي للملل من الحياة. هذا حال «لانا» التي أخذها عدم احساسها بوجودها إلى نفق مظلم أدى لاصطدامها بالجدار.
○ ما هي صلة المخرج الفرنسي هنري بارجيس بتفاصيل حياتنا حتى صورها بهذا الاقناع؟
• كشركة نعمل مع بارجيس منذ 20 سنة في تصوير الإعلانات. له صلة بمجموعة كبيرة من اللبنانيين على صعيد الحياة الاجتماعية. جال كمخرج لأفلامنا وصوّر في كافة المناطق من الناقورة حتى النهر الكبير. لم تبق مدينة لم يزرها. بات يعرف عاداتنا وتقاليدنا ونمط تفكيرنا. هذا ليس الأساس، بل كونه ناجحاً في مهنته كمحترف. درس تفاصيل عمله بدقة عندما صار الفيلم من مسؤوليته.
○ هل يتقن العربية ليشعر بروح الحوار وإحساس الممثلين أثناء التصوير؟
• في ظني عندما يكون التمثيل حقيقيا سيشعر به المخرج بأي لغة. هذا ما لاحظته في موقع التصوير. كان يطلب الإعادة حرصاً على العواطف والانفعالات الصحيحة. لكنه بالطبع لن يكتشف كلمة خطأ قالتها الممثلة دارين حمزة لأنه لا يجيد العربية، وهذه كانت مهمة تانيا سكياس كاتبة السيناريو التي تواجدت طوال زمن التصوير.
○ قلت بقيمة مضافة من بارجيس على الفيلم فما هي؟
• أعرف أن العديد من المخرجين اللبنانيين يتميزون بالحرفية، لكن أعرف في الوقت نفسه أن مخرجاً أجنبياً عمله يكسبه خبرة أكبر. ثمة تفاصيل طلبها بارجيس كمثل المختص في مشاهد الضرب. درّب الممثلين على ركوب الدراجة النارية، وضرب الكفوف، الوقوع أرضاً وغيرها. ولهذا جاءت المشاهد واقعية. عين المخرج الأجنبي ترى من بيئتنا تفاصيل ضرورية للمشهد السينمائي أصبحت بالنسبة لنا كلاسيكية. منها على سبيل المثال أسلاك الكهرباء المتدلية في الشوارع. ثمة إضافات كثيرة جمعتها عين بارجيس من حياتنا أغنت المشاهد.
○ اختيار هنري بارجيس مخرجاً أفي ذلك هدف وصول سريع ومؤكد إلى السوق العالمي لعرض الفيلم؟
• كل منتج يطمح لتقديم فيلم يصل كل العالم وهذا ما نعمل لأجله. الحلم بالوصول يتطلب نوعية عمل معينة. عندما قررت الإنتاج كان ضرورياً أن يكون العمل جيداً بقدر الممكن، وإلا لا ضرورة له. لهذا بحثت عن كافة المكونات المساعدة ومنها كلفة منطقية للإنتاج.
○ مشاهد كثيرة من الفيلم قاسية تترك المتفرج متأهباً. فسحة الراحة في مشهد النساء الأرامل. هل تريدون القول أن الزوجات أكثر سعادة دون الأزواج؟
• ثمة خيط يجمع بين بطلتي الفيلم «لانا وجيني» والنسوة المرتاحات دون أزواجهن. الصبيتان تواجهان مشاكل جمة. كذلك المشهد يركز على السيدات اللواتي لديهن خادمات يتعاملن معهن على أنهن لسن بشرا. كذلك مشهد العاملة الفلبينية التي تنظف أوساخ المقامرين. لفت نظر فقط إلى خلفية بطلتي الفيلم وبيئتهن المصنفة أكثر من متوسطة الحال، للقول أن إدمان المخدرات أو القمار ليس حكراً على الفقراء.
○ من مغامرات البطلتين السير بهدوء على حافة مبنى مرتفع. هل وصلتا لحدود المقامرة بالحياة؟
• هو كاريكاتير المرأتين المبني على المجازفات في كافة الاتجاهات. ونحن في لبنان نعيش يومياً احتمال المغامرة بالحياة أو على حدودها. لمتابعة يومياتنا نحتاج لأدرانالين عالي جداً لا يحتاجه مطلقاً المواطن السويسري. كما أن قسماً لا بأس به من اللبنانيين يعيش حياة المغامرة الدائمة، بحيث يذهبون دائماً إلى النهاية في أي خطوة كحال «لانا».
○ في مشهد تسكع «جيني» جريحة لم يلتفت لها أحد في الشارع. هل نحن مجتمع من دون نخوة؟
• بالعكس. حملها أحدهم وزاحته، وقبل وصولها إلى البار حاول أحدهم مساعدتها ورفضت. وخلال التصوير لم ينتبه الناس للكاميرا فكانوا يسارعون لمساعدتها، فنطلب منهم الابتعاد.
○ أن تُفجر خصية قذفت بعصاة الغولف لغماً ما بعد الحدود هل هذا مشهد عادي في رأيك؟
• مشهد ليس ابن الصدفة. نحن في منطقة تشتعل. ومشهد ضرب قذيفة الهاون مبهم كذلك. ففي سوريا على سبيل المثال ضعنا بين موالاة ومعارضة.
○ وهل هي حزورة؟
• بل تقول بأننا كلبنانيين قد تذهب حياتنا مجاناً. إلى جانب وجود إسرائيل نحن الآن لا نفهم كيف ولماذا يموت الناس من حولنا؟ لقد تداخلت الأمور. في هذا المشهد تابعنا جنديين، لم نعرف أحاسيسهما، لكننا نعرف أننا في مواجهة عدو.
○ الجميع قضى بالهاون لماذا «ربيع» نأى بنفسه عن مكان الخطر قبل لحظات؟
• رُكّبت شخصيته من خلال شخصيات متعددة. هو الانتهازي المحترف اللاعب من بعيد غير المجازف بنفسه بل بغيره. هؤلاء البشر موجودون في كل زمان ومكان.
○ هل سيعرض الفيلم لمن هم دون الـ18 سنة؟
• نسعى مع المعنيين ليشمل المشاهدين من 16 وما فوق.
○ وماذا عن مساره خارج لبنان؟
• عرض في مهرجان دبي في إطار «الليالي العربية». ولأن المخرج ليس عربياً ليس للفيلم المشاركة في المسابقة الرسمية. في عرض دبي مرّ الفيلم دون أي حذف.
○ هل هذا يعني إمكانية عرضه في الدول العربية؟
• هذا ما تقرره الرقابة في كل بلد عربي، الفيلم بات في حوزتهم.
○ وماذا على الصعيد العالمي؟
• شركة شورلينغ الأمريكية اشترت حقوق العرض في كل العالم عدا الدول العربية، وهم بدأوا العمل في التسويق.
○ هل تثقون في دعم الشركة لفيلم عربي؟
• تجربتها تعود لـ25 سنة من الإنتاج السينمائي وتوزيع الأفلام المستقلة من كافة الدول الفقيرة والنامية، من افغانستان وأمريكا اللاتينية وغيرها. الشركات الكبيرة في هوليوود تشتري أفلام العالم الثالث وتضعها في الأدراج. في حين تفتقد الشركات الصغيرة لقدرة فرض فيلم، أما الشركات المتوسطة فهي كبيرة لكنها غير ضخمة، واهتمامها بأفلامنا جدي.