تونس ـ حبيب الحاج سالم: في بروكسل، اطلق «الحوار القطاعي الثالث» بين بلدان الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسّط حول التعليم العالي، تحت رعاية قسم التعليم العالي التابع للّجنة الأوروبيّة. ويشمل مصطلح دول جنوب المتوسّط (الجغرافي)، إلى جانب الدول العربيّة، إسرائيل. تتمثّل أهداف الحوار، حسب موقعه الرسمي على الانترنت، في توفير منصّة إقليميّة للتحاور حول سياسات التعليم العالي، ومشاركة التجارب والخبرات بين الحاضرين، وتقييم برامج الدعم التي يقدّمها الاتحاد الأوروبي لدول جنوب المتوسطّ. كما أضاف في دورته هذه محورا جديدا حول ادماج فئات من اللاجئين ضمن الجامعات الأوروبيّة.
تكوّن الوفد التونسي، كما يشترط الطرف المنظّم للحوار على جميع الوفود، من ممثلِين عن وزارة التعليم العالي، وممثلِين عن الجامعات، وممثلِين عن المنظّمات الطلابيّة. وشارك عن المنظمات الطلابيّة كلّ من سمر السديري، عضوة المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس، وهيثم التميمي عن الاتحاد العام التونسي للطلبة. وهما يمثّلان أكبر المنظّمات الطلابيّة التونسيّة.
اللاّفت في هذه الدّورة هو رفض ممثلي المنظمات الطلابيّة المشاركة في الحوار بسبب مشاركة وفد إسرائيلي. حيث أعلن الاتحاد العام لطلبة تونس عبر صفحته الرسميّة على موقع «فيسبوك» في اليوم الأوّل للحوار مقاطعة ممثّلته. وحمّل صورة لسمر السديري حاملة ورقة كتب عليها: «من أجل تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني». فيما أعلن لاحقا هيثم التميمي عبر حسابه الشخصي على نفس الموقع انسحابه من قاعة الحوار للسبب ذاته.
«القدس العربي» اتصلت بسمر السديري للاستعلام أكثر عن تفاصيل الحادثة. فأكدت أنها تلقت دعوة للمشاركة في الحوار، وأتمت الاجراءات الإداريّة، من دون أن تكون على علم بالدول المشاركة فيه، حيث لم تقدّم لها وزارة التعليم العالي تفاصيل كثيرة حول البرنامج. وعند وصول الوفد التونسي إلى بروكسل تحصّلت السديري على البرنامج مفصّلا ولاحظت مشاركة وفد إسرائيلي، فرفضت التسجيل وطلبت من الإدارة تسجيل مقاطعتها وأسبابها.
تقول السديري، أن مقاطعتها للحوار «مسألة مبدئيّة»، وتشدد منظمتها الطلابيّة في تقارير مؤتمراتها على ضرورة مقاطعة الكيان الصهيوني ومقاومته بجميع الأشكال الممكنة، إضافة إلى مشاركتها في الأنشطة والتظاهرات المساندة للقضيّة الفلسطينيّة، ورفعها صور شهداء تونسيين سقطوا دفاعا عن فلسطين.
كما شدّدت على صدمتها من ردّة فعل جزء من الوفد التونسي، إذ تقول أنها تعرّضت لضغوط من أعضاء من الوفد لمحاولة ثنيها عن قرارها. حيث صرّحت لنا أن أحد أعضاء الوفد قال لها أنها بصدد المسّ بصورة تونس وتشويهها في نظر الأوروبيّين، وأنها تحرج بموقفها الدولة التونسيّة. كما دعتها عضوة من الوفد إلى العدول عن موقفها حتى تحافظ على صورة المرأة التونسيّة. ووصل الأمر إلى استدعائهم بعض أعضاء الوفد الفلسطيني لإقناعها بحضور الأشغال، قائلين لها أنّه إذا كان الفلسطينيّون أنفسهم لا يمانعون في الحضور مع الإسرائيليّين، فلماذا ترفضين أنت التونسيّة ذلك؟
لم تفلح محاولات الوفد التونسي، واستنجادهم بالوفد الفلسطيني، في اقناعها بالحضور، حيث أصرّت السديري على مبدئيّة موقفها. ودعّمت مقاطعتها بانسحاب ممثّل الطلبة الثاني، هيثم التميمي، من قاعة الحوار. كما غادر عضو ثالث من الوفد التونسي، وهو الأستاذ جمال بن طاهر، قاعة الأشغال عندما أخذ الوفد الإسرائيلي الكلمة.
ويعود شعار «من أجل تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني»،الذي تحمله السديري في الصورة، إلى حملة قادها ائتلاف من الجمعيات في العام 2011 سعى إلى جمع أكبر عدد ممكن من التوقيعات من أجل حثّ المجلس الوطني التأسيسي على تخصيص بند في الدستور يجرّم التطبيع مع إسرائيل. ونصبت حينها خيام في الطرقات والفضاءات العامّة والجامعات لجميع التوقيعات وحشد الدعم لمسعاهم، ووزّعت وألصقت مطبوعات للحملة على نطاق واسع. تبنّت لجنة الحقوق والحريّات في المجلس المطلب وصادقت على المقترح. لكن لم يكرّس المسعى فعليّاً، حيث وإن لقي دعما من بعض النواب والكتل النيابيّة الصغرى في المجلس، إلاّ أن الكتل الأغلبيّة رفضت التصويت على البند، إذ اعتبرت أنّ مسألة التطبيع غير مطروحة أصلا، وأنّ الدستور يحوي مبادئ عامّة ولا يمكن تضمينه مسائل تفصيليّة. وقد مارست إسرائيل في حينها ضغطا على دول أوروبيّة حتى تتدخل لدى تونس وتعيق مشروع الفصل الذي عُرف في وقتها بالفصل رقم 27.
هذا وما زالت مسألة التطبيع تثير جدل واسعا في تونس، حيث ندّدت «الحملة الشعبيّة التونسيّة لمناهضة التطبيع»، مطلع هذا العام بتعيين خميّس الجهيناوي وزيرا للخارجيّة وجددت تنديدها بتعيين سلمى اللومي وزيرة للسياحة وطالبت بإقالتهما. ويعود سبب ذلك إلى أنّ الجهيناوي شغل في أواخر عقد التسعينات خطّة رئيس مكتب التواصل مع إسرائيل، وترأس لفترة المكتب التونسي في تل أبيب قبل اغلاقه مع بداية الانتفاضة الفلسطينيّة في العام 2000. وأكد الأخير للصحافة في معرض تبريره، أنّ فتح مكتب التواصل قد تمّ بإصرار من الزعيم الراحل ياسر عرفات. أما اللومي فتتهم الحملة بالتطبيع الاقتصادي مع اسرائيل التي زارتها لغايات تجاريّة بصفتها صاحبة مشاريع اقتصاديّة.