تزخر الساحة الفنية المغربية هذه الأيام بجملة من الأسماء التشكيلية الباهتة، التي تكاثر لغوها في هذا المعرض أو ذاك، نتيجة تناسل وانفراط دور الناقد الفني، بما كان يمثله سابقا من حظوة معرفية وجمالية لدى المؤسسات الثقافية والفنية، محافظا بذلك على التزامه النقدي وتعاقده الرمزي مع القارئ، إلا أنه أصبح اليوم متواطئا بشكل رهيب مع هذه «الطحالب الفنية»، عبر ما يمارسه من تضليل وتزوير وتخريب للتاريخ الفني والجمالي المغربي، بعد أن بنت مجد ماضيه الفني، ثلة من التجارب التشكيلية المتفردة والرائدة في العالم العربي، كالجيلالي الغرباوي ومحمد القاسمي ومحمد شبعة وفريد بلكاهية وأحمد الشرقاوي وفؤاد بلامين، وغيرهم من التشكيليين الذين ساهموا في تأسيس وإرساء دعائم الحداثة الفنية في المغرب، عبر موضوعات فنية براقة غير مطروقة من قبل في الساحة التشكيلية المغربية والعربية.
لقد أصبح النقد الفني عندنا هذه الأيام في عموميته، يحتكم إلى الشخص بدل العمل الفني، وما يفرضه من معاينة دائمة ومن فتنة فنية وجمالية وقيمة معرفية وفلسفية كبرى، تفرض سلطتها على المشاهد ليكون محصنا ذاته بجملة من التخصصات الأدبية والفنية والتاريخية والأنثروبولوجية، تساعده على الوصول إلى ماهية العمل الفني، وفك شيفراته الملغزة من خلال عنصر مهم في القراءة التحليلية أو عتبة أولى وهي: التأويل.
هذه الحالة الفظيعة التي وصل اليها النقد التشكيلي في المغرب، هي التي فرّخت لنا جملة من الفنانين ذوي التجارب التشكيلية المعطوبة داخل الساحة الفنية المغربية، هم في الأصل ليسوا فنانين وليس لهم تاريخ ثقافي أو فني يشهد لهم بذلك، بل هم متطفلون ودخلاء على المنظومة التشكيلية، لأنهم في الأصل عبارة عن أطباء لآلام الرأس وقرحة المعدة والقلب والشرايين، ورؤساء لجمعيات تدير مهرجانات وصالونات فنية تافهة باسم العالمية، تدعي الفن والثقافة، لست هنا ضد أي ميولات أو اختيارات شخصية أو انخراط سياسي أو جمعوي، لكني ضد أن يسند الأمر الكلي لإدارة مهرجان فني أو ثقافي لأشخاص متخندقين في وحل السياسة، أو فاعلين جمعويين، لا يهمهم التشكيل إلا ما يجنونه منه من أرباح مادية. أشخاص لا رؤية فنية ولا تعليم أكاديمي لهم، أشخاص معطوبو الخيال ويعانون من فقر دم الإبداع، لا يؤمنون بقيمة الشعر ولا بالتشكيل ولا بالسينما، وما يحدثانه من تجميل خلاق في حياتنا، ومن تغيير في حياة الفرد والمجتمع داخل هذا الوهم الذي نعيش فيه والذي يحلو لنا أن نسميه «الوطن».
إن مثل هذه الأخطبوطات والطحالب الفنية، التي نبتت بشكل عشوائي داخل حديقة تشكيلنا المغربي، تساهم وزارة الثقافة اليوم بشكل غير مباشر، وبدون وعي فني منها في دعمها وتأجيج لهيبها الوهمي، أصبحت اليوم تكتسح عددا من المؤسسات الفنية والمنابر الإعلامية بشتى ألوانها، تساهم بطريقة ضمنية في تغريب وتهميش العديد من التجارب التشكيلية المغربية الجادة، وغيرها من التجارب الفنية والابداعية العصامية داخل المغرب. وعلى الرغم من الدور الطلائعي الذي لعبته وزارة الثقافة مؤخرا أدبيا، من خلال إعادة اصدار الأعمال الكاملة لبعض الشعراء المغاربة كعبد الله راجع وأحمد بركات وغيرهم من شعراء جيل السبعينيات والثمانينيات، في المشهد الشعري المغربي المعاصر، الا أنها اليوم في أمس الحاجة فنيا الى إعادة التعامل مع هذا الرهط من التشكيليين، من خلال التريث في تقديم الدعم للمعارض الفنية الرديئة، التي تقام في بعض المدن كالدارالبيضاء والرباط واسناد مسؤولية إدارة المهرجانات الى أشخاص مثقفين من شعراء ونقاد وروائيين وتشكيليين لهم صيتهم العربي، بما يتميزون به من رؤية فنية وجمالية اكتسبوها على مدار سنوات اشتغالهم الدؤوب، وأيضا عبر ما راكموه من تجارب مهنية مهمة، ومن إنتاجات فنية وأدبية، ضمنت لهم صيرورتهم الفنية والجمالية طوال هذه السنوات.
٭ ناقد مغربي
أشرف الحساني