قبل أن يسدل الستار على العرض التلفزيوني المباشر من داخل قاعة الجلسات، فضّل رئيس مجلس نواب الشعب أن يرسل تهنئة قلبية للحاضرين تحت قبة المجلس والمتابعين في الخارج على ما اعتبره إنجازا عظيما أمكن التوصل إليه تلك الليلة.
ومثل كل مرة تتم فيها المصادقة على مشروع قانون مهم، وقف أعضاء البرلمان التونسي ليل الجمعة الماضي صفا واحدا كالبنيان المرصوص مرددين السلام الوطني بحماسة، بعد ما حصل مشروع قانون المحكمة الدستورية على أغلبية كاسحة من الأصوات. ولم يغفل رؤساء الكتل عن أخذ الكلمة لاحقا للإشادة بتوافق سحري نزلت بركاته بردا وسلاما لتخمد نار خلاف حاد بين الموالين والمعارضين حول بعض فصول المشروع، كاد يفسد معالم الفرحة التي ظهرت على وجوه الجميع في ختام الجلسة. لقد هرم بعض النواب وقبلهم هرم وحلم الاف المناضلين المعروفين والمجهولين بالوصول يوما إلى تلك اللحظة التاريخية، التي أقرت فيها تونس بشكل رسمي وجود محكمة دستورية «مستقلة ضامنة لعلوية الدستور وحامية للنظام الجمهوري الديمقراطي وللحقوق والحريات»، مثلما نص عليه الفصل الأول من القانون الذي أحدثها. ولكن التونسيين بدورهم هرموا وملوا وصاروا مرعوبين وحساسين جدا من «هيصة» الديمقراطية التي انجذبوا إليها بدافع الفراغ أو الفضول، بدون أن ينعموا بها أو يعرفوا لها طعما أو لونا أو رائحة، أو يدركوا ولو شيئا بسيطا من تعقيداتها وتفاصيلها الغريبة، تماما مثلما يحصل حينما ينساق حشد من الطرشان إلى زفة لا قدرة لهم على الاطلاق على فهم جوها الحاد والصاخب.
هل كان ممكنا أو متوقعا أن يخرجوا في مسيرات مليونية حاشدة للابتهاج والتهليل للمحكمة الدستورية، أو للحريات التي حصلوا عليها، أو الدستور الذي لم يقرأ معظمهم ولو سطرا واحدا من فصوله؟ لقد كان ذلك ضربا من الجنون وحلما من احلام يوتوبيا يونانية غارقة في الأوهام، لأن كل ما يشغلهم ويستحوذ على تفكيرهم هو الأمن ولا شيء غير الأمن. هل كانوا يعيشون طوال الشهور الاولى التي تلت هروب رئيسهم المخلوع بن علي في غيبوبة أفاقوا منها على واقع لا مكان فيه أبدا لما راودهم من توق ظاهري إلى الانعتاق والتحرر والخلاص من أغلال الاستبداد الثقيلة؟
أين اختفت كل تلك الشعارات وكيف غابت «هتافات خبز وماء وبن علي لا» التي ملأت شوارع وساحات تونس صخبا قبل خمس سنوات من الآن؟ ما تقوله الرواية الرسمية هنا هو أن الشعب قاد ثورة للاطاحة بحكامه المستبدين، بعد أن عاثوا في البلد ظلما وجورا وفسادا، وأن تلك الثورة كانت عفوية بلا زعيم أو قائد أو منظر، وكانت فقط وحصريا من وحي إرادة ذلك الشعب وتخطيطه. ولكن التونسيين أنفسهم باتوا لا يصدقون ذلك، رغم أنهم صاروا في عيون الكثيرين حول العالم «مصدر إلهام»، على حد وصف وزير الخارجية الامريكي جون كيري. والغريب حقا أنه لا أحد باستطاعته الجزم صراحة عما جرى في الايام الاخيرة قبل واقعة الهروب الشهيرة، وكيف تحولت مطالب الناس من اسقاط النظام إلى مجرد استرجاع الامان، حتى لو كان ذلك على حساب الحرية والكرامة التي قيل إنها الوقود الذي ألهب الثورة على النظام. لقد حملت نتائج استطلاع للرأي أجرته قبل ايام مؤسسة «سيغما كونساي» ونشرته الصحف المحلية صدمة اضافية لمن كانوا يعتقدون أن ذلك الشعب قاد ثورة بالفعل، بعد أن صدموا العام الماضي بنتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية، التي جاءت لتعيد الحرس القديم إلى مواقع القيادة. ما اثبته ذلك الاستطلاع هو أن هناك جانبا واسعا من التونسيين لا ينظر إلى الديمقراطية الا من زاوية واحدة فقط، وهي مقدار ما تدره عليه من عوائد ومكاسب فردية ومباشرة، بدون أن يكون ذلك في كل الحالات على حساب حاجته الفطرية للشعور بالحد الادنى من الطمأنينة التي ليس بوسع اي ثورة بالطبع أن تحققها على المدى القصير والمتوسط. وفيما كان الشعار الاول للمتظاهرين الذين خرجوا للتظاهر ضد نظام بن علي هو «لا خوف بعد اليوم» أثبتت الارقام أن ثمانية وسبعين بالمئة من الشريحة التي شملها الاستطلاع «تقبل التنازل عن بعض الحريات مقابل أمنها»، اي أن الخوف صار محددا لانتظارات الناس وموجها لرغباتهم، فيما تحولت الحرية والديمقراطية وجميع مشتقاتهما إلى بضاعة كاسدة في سوق الرعب الكبير والمفتوح. إنهم يخافون من الاشباح التي تقتل أو تفجر أو تجعل حياتهم كوابيس مستمرة، بعد أن تمدد الخوف في النفوس واستعاد الروح، رغم الاعلان قبل سنوات قليلة عن مواراته الثرى وقبره إلى الابد. لقد كان اقوى مما توقع الكثيرون ولم يعد مجرد اسم الرئيس أو صورته أو اعوانه وجنده يثير الفزع، بل صار هناك غول كوني لم تعد مقاومته سهلة أو ممكنة، أمام هجمة الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي على عقول وقلوب ضربها التكلس على مدى العقود الماضية. لقد بدأ الامر بقادة السياسة، ثم انتقل إلى رجال السلطة، اي الجندرمة والجيش، وما تدل عليه المؤشرات هو انه في طريقه الان إلى الشعب بفقرائه ومعدميه وشبابه التائه والمشتت. «لا نستطيع لوم الشعب» على قبوله مقايضة الحرية بالأمن، يعلق نائب رئيس لجنة الحقوق والحريات بالبرلمان في تصريح لصحيفة «الصباح» المحلية على تلك الارقام، مضيفا أن «ذلك الخطاب خطير في مرحلة ديمقراطية هشة، وأن دور النخبة السياسية والحقوقية والثقافية والاعلامية هو التصدي لمثل تلك الخطابات المحبطة، ولن يكون ذلك بمنطق لوم الشعب على مواقفه وخياراته، بل بتكريس وعي وطني بان الدكتاتورية بأي شكل من الاشكال لا تقضي على الارهاب بل تغذيه». لكن الإشكال الحقيقي اليوم هو في تلك النخبة المنغمسة للاخر في صراعاتها ومناكفاتها الايديولوجية والوجودية التي لا تنتهي. وليس واضحا حتى الان إن كان لتلك النخبة من الوقت أو الرغبة ما يدفعها للهرولة نحو نشر الوعي في صفوف الناس، مثلما تمنى النائب، اللهم إلا في حالة وحيدة وهي متى كان ذلك المجهود ممكنا ومتاحا داخل قصر قرطاج بصحبة الرئيس، كما اقترح ذلك استاذ جامعي معروف منذ ايام عقب مقابلته الباجي قائد السبسي، من خلال ما وصفه ببعث «خلية استشارية صلب مؤسسة الرئاسة تضم مفكرين ومثقفين لا يتقاضون أجرا ولا ينتظرون تحقيق منفعة شخصية تكون مهمتهم الاساسية تقديم النصح والاستشارة إلى رئيس الدولة».
لكن ما ليس معروفا هو ما اذا كان سيتم استيراد هؤلاء الاطهار ذوي القلوب الملائكية البيضاء، الذين يزهدون في المال والسلطة والنفوذ من وراء البحار، أم انهم موجودون داخل البلد لكن سباتهم الشتوي الطويل هو الذي منعهم من الظهور علانية امام الجمهور؟
إن ثبت وجودهم بالفعل فلن يكون العثور عليهم في تلك الحالة بسيطا أو سهلا، بل قد يحتاج لعمليات تنقيب وحفر مضنية وشاقة وليس هناك ضمان الا تكون عدوى الخوف والرعب الجماعي قد تسللت بدورها إلى قلوبهم وعقولهم، أسوة بباقي الناس. هل صرنا اذن ندور وسط حلقة مفرغة لا نعرف أولها من آخرها؟ من المثير للانتباه أنه قبل يوم واحد فقط من ظهور نتيجة استطلاع الرأي في تونس خرجت صحيفة» لوفيغارو» الفرنسية لتعلن أن أربعة وثمانين بالمئة من الفرنسيين الذين استجوبتهم مستعدون للتنازل عن بعض حرياتهم مقابل ضمان مزيد من الأمن. مجرد مصادفة بريئة؟ توجيه مقصود لمشاعر التونسيين وأفكارهم؟ لا أحد باستطاعته الجزم بدقة مادامت زفة الديمقراطية قد جلبت اليها طرشانا لا يفهمون ما يجري في الشوارع والبوادي والقرى القصية، ولا يستطيعون تصور أو ادراك معنى وقيمة أي «إنجاز عظيم» قد يعلن في جلسة من جلسات البرلمان، حتى لو نقلها التلفزيون الرسمي مباشرة على الهواء.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية