قبل اسبوع وصلت فتاتان ابنتا 14 و 15 إلى الحاجز عند مدخل طريق 443. وحسب الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي، طلبت الفتاتان ماء، امتشقتا سكينا وحاولتا طعن احدى المجندات. وعلم أن في حيازتهما ابرة مع مادة غير معروفة ورسالة انتحار.
اطلق الجنود النار على واحدة والقوا القبض على الاخرى. من القي القبض عليها حبست، وتلك التي اطلقت النار عليها نقلت إلى «تصيدق». وكتب ايتسيك فعنكين معقبا في موقع «واللا» فقال: «انهوها بصلية». ومع يقظة اللغة الصهيونية الجديدة فان لهذه المحاكمة (الميدانية) مزايا تساوي على الاقل خمسة بحوث اكاديمية في مجال عرش الشعر.
لم ينشر الجيش الاسرائيلي تفاصيل التحقيق الذي كان يفترض أن يسجل مزايا تحقق التهديد بحيث أنه لا توجد في هذه اللحظة طريقة لمعرفة ما الذي حصل هناك. ولكن هذه بالتأكيد فرصة لنحاكم طريق 443 كمثال وكدرس. ولكن يا أخي من لديه القوة ومن يهمه الامر. وبماذا يرتبط هذا على الاطلاق؟ فبالاجمال طفلتان مشاغبتان توجهتا للموت في ذروة الصيف ونشيد نوعامي شيمر بالذات في مدخل الطريق 443.
إذن ها هو كل شيء يرتبط. الطفلتان، الجنود، 443، الاحتلال والتشوش الفظيع الذي حل بالمجتمع الاسرائيلي، بما في ذلك الجهاز القضائي.
عندما بدأوا يشقون 443 في بداية الثمانينيات صودرت اراضي ست قرى تقع على جانبيه. ورفعت القرى التماسات إلى المحكمة العليا وردت الدولة ـ لماذا تبكون، فهذا الطريق يفترض أن يخدمكم: «شبكة الطرق في يهودا والسامرة قديمة، ولم تعد تحتمل الكميات الهائلة من السيارات التي تتحرك فيها… هذه تخطيطات بعيدة المدى في صالح السكان المحليين». فوافقت محكمة العدل العليا على موقف الدولة: «… ليس في مجرد حقيقة ان التخطيط تم في اسرائيل ما يلغي الخطة على أن تكون تمت في صالح السكان المحليين».
بعد ذلك بدأت الاشغال. بداية اغلقوا طرق الوصول إلى الطريق من القرى على جانبي الطريق ومنها إلى رام الله، أريحا والقدس من خلال بوابات حديدية ومكعبات اسمنتية. وجد الفلسطينيون طرقا بديلة، وعندها، بدأت دوريات الجيش تسير حول الطريق. كل فلسطيني امسك به يقود سيارته او يسير في هوامش الطريق القي به في المعتقل. وعندما كان المحليون يصرون على الوصول من بيوتهم إلى اراضيهم، عائلاتهم او المدن الفلسطينية في محيطهم، دخلت إلى العمل شرطة اسرائيل. كل من امسك به على الطريق تلقى تقريرا مضافا اليه غرامة. ولم يذكر في التقرير بان الفلسطيني تجرأ على السفر في مكان يحق لليهودي فقط السفر فيه، بل ان الضوء الخلفي محترق، انه لم يغمز عندما تجاوز السيارة الىي سافرت امامه، رغم أنه لم يرَ، وفي واقع الامر لم يرَ احد امامه أي سيارة. وعندما كان يدخل من تلقى التقرير إلى اراضي دولة اسرائيل أو اراضي الحكم البلدي في القدس، كانوا يسجلون اسمه في الحاسوب ويوضحون له بانه سيدخل الغرامة التي فرضت عليه أو لأب يعود إلى بيته.
ان السبب الحقيقي لشق الطريق هو الربط بين السهل الساحلي والقدس «الكاملة والكبرى» عبر جفعات زئيف، العاد، حوض ايالوت وباقي المستوطنات في الطريق إلى القدس. وكان التكنيك هو السيطرة على اراض واسعة صودرت «للاغراض الامنية». وهكذا مثلا، من شمال طريق 443 ضمت الاف الدونمات بملكية فلسطينية لجفعات زئيف وترك 5 كيلو متر من الطريق في «الجانب الاسرائيلي». ولما كان قاطع 443 بين مكابيم وبيت حورون هو خارج جدار الفصل، فقد كانت حاجة لتحصينه. والتحصين كما هو معروف هو الرد السحري على كل قصورات الحكومات على اصنافها منذ تقرر «تحصين» الخط على طول قناة السويس بعد حرب الايام الستة، او «تحصين» سكان غلاف غزة في وجه القسام والجراد و «تحصين» سكان الشمال ضد تهديدات حزب الله.
يرافق الطريق على جانبيه جدران امنية واسوار اسمنتية. بعضها بنيت بخلاف قرارات الحكومة كـ «جدار مؤقت»، بعضها ازيلت بثمن الملايين واسوار جديدة بنيت بدلا منها. معظمها ان لم تكن كلها ستزال في المستقبل. ابراج رقابة مغروسة في رؤوس التلال المسيطرة، ودوريات من الجنود تتجول بين الحين والاخر في هذا المقطع وغيره للفصل بين المسافرين وبين القرى الفلسطينية واراضيهم، المحبوسة في جانبي الطريق.
17 كيلو متر تحركوا
اعتراف: على مدى بضع سنوات سافرت عشرات المرات إلى العمل في القدس في طريق 443. ففكرة التكفير عن جرائم الاحتلال من خلال الزحف او العلوق في طريق رقم 1 لم تبد لي مقنعة بما فيه الكفاية؛ ناهيك عن أنه حتى الحجة في انتظار قرار محكمة العدل العليا بان يخدم الطريق الفلسطينيين كانت هزيلة جدا. ففي احدى الالتماسات للمحكمة شرحت الدولة بان «قيود الحركة تفرض كجزء من الكفاح المستمر الذي تقوم به الدولة لمواجهة التهديدات الأمنية وهدفها هو الوقاية وليس العقاب». هوبا! الان بات هذا «الامن»
الدولة، لغرض هذا الشأن، هي زهرة نيابة عامة ستصبح ثمرة ناضجة في طريقها إلى التعفن على الشجرة الرسمية قبل ان تسقط إلى الممارسة الخاصة التي تدافع بحماسة عن خارقي القانون. بينهم، ظاهرا، الجندي البطل في الخليل. محاميه، المحامي ايلان كاتس، النائب العام العسكري السابق. نعم نعم، لكل شخص محفوظ حق البراءة. وحقا المذنبون الحقيقيون هم السياسيون الذين بعثوهم إلى هناك. وفي سياق قصة 443 وعدت تلك الزهرة في النيابة العامة محكمة العدل العليا بان يتمكن الفلسطينيون من السفر على الطريق. أهرون باراك كان في حينه رئيس المحكمة العليا وقد اشترى هذه الكذبة الوقحة. «الامر تم في صالح السكان المحليين»، كتب باراك في قراره، ورد التماس القرى.
وقد استغرق هذا بضع سنوات من الكفاح القضائي والاستخفاف من جهاز الامن بقرارات محكمة العدل العليا إلى أن سمح للفلسطينيين بالصعود إلى الطريق. في بعضه وليس في كله. فقط في قاطع من 17 كيلو متر زائد حاجز في الدخول وحاجز في الخروج. وفضل الفلسطينيون الوصول إلى القدس والى رام الله بالطرق الملتوية والمشوشة لديهم من ان يقفوا على حواجزنا، وبقي الطريق نظيفا من السيارات الفلسطينية منذ 25 سنة.
بالمناسبة، بعد سنوات من ذلك، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر المحامين في ايلات، باراك فقال: «حصل لا مرة ولا مرتين أن طرح اسم الامن عبثا». هكذا؟ من اعلى الحياة المهنية البطولية والتقاعد السمين بدا باراك كمن يلاطف برقة خده اكثر مما يلطم ندما. وهذا هو المكان والزمان لدفع الدم إلى الرأس. ماذا، هل كان صعبا على حضرته ان يفهم بأنهم كانوا يخدعونه في الزمن الحقيقي؟ كل جرو يساري رضع من امه العربية وريقه على شفتيه كان يفهم هذا على الفور.
منذ 1987 لا تسافر سيارات فلسطينية على طريق 443، رغم ان حظر سفر الفلسطينيين لم ينص عليه ابدا في امر عسكري او في قانون. طفلتان لم تعرفا كيف تتصديا لسياسة الحكومة وقرار باراك، انتهتا في المستشفى وفي السجن. فهما حاولتا الطعن، اليس كذلك؟
معاريف 6/5/2016