طفل يبحث عن قدم مبتورة

حجم الخط
2

غزة – سمر الدريملي: ما الذي تخشاه البشرية عندما تسحق صواريخُها رضيعاً؛ إن زاد الحليب في معدته أفاضه من فمه على لباسِهِ ورقبتِهِ دون أن يُبالي، حتى يصلَ بانسياب لأذنيه؟
ما الذي يُخيفُ البشرية، عندما تنصهرُ رصاصتان في مقلتيه، وتُقشّرُ قذيفةٌ حارقةٌ جلد وجنتيه، وعندما تختلط أمعاءُ بطنهِ مع وقودٍ مؤكسد؟
وماذا يستفيد العالم الأحمق عندما تُمزّق قطعُ حديد مدبّبة ومسمّمّة أوردة وجهه الصغير، فتنفجر دماً ينهمر من أعلى رأسه وصولاً لكسرة خبزٍ يقبض عليها في يده، من فم أمه المصابة؟
أن تحب أو تحبين الأطفال، هذا أمرٌ طبيعيٌ، لكن الأمر غير الطبيعيّ هو مدى التغيّر في مستوى وطبيعة هذا الحبّ. عندما تصبح الأنثى أمّاً فأيّ حزنٍ يعتري أيّ طفلٍ في العالم يَضْحى يُؤرّقها وينهش أعصابها.
وعلى النقيض فإنّ أيّ مبسم لطفل رقيق يسحب منها شوائب اليوم، ويفكك شرايين تعقّدت في بدنها منذ حين.
جرّب(ي) أن تجلس مع أطفالٍ وتتحدّث معهم في السياسة. الجلسة كفيلةٌ بأن تعيدك حيث فِطْرتك الأولى. وتأخذك للتفاصيل البنفسجية البسيطة في قصّة ابنيّ آدم قابيل وهابيل.
ذات مرة سألتني ابنتي التي لا تتجاوز الثماني سنوات، في أيّ ساعة بدأ العالم؟ وأيّ يوم؟ ومين أول واحد خلق في الأرض؟
وبينما كنت أُحدّق فيها، وألملمُ إجابات في رأسي سارعت لتسأل: الجنة أين. في السماء أم في الأرض؟
لتبدأ شقيقتُها الأكبر بسؤال أكبر: «ماما.. من هي ستّ ستّ ستّ ستّ ستّ…ستّي؟». وأريد أن أسألك يا ماما سؤال، لكن لا أعرف حرام أولا؟
لأعاجلها بالردّ: «لا يا ماما، لا تسأليني، أعطني فرصة لأدبّر لكم إجابات على أسئلتكم الأولى».
كلما اقتربتُ من الأطفال ابتعدت خلجات نفسي عن حذلقة الكبار، وتيقّنت بأنّ أضعف مخلوقٍ على البسيطة هو الإنسان. يدخل بيته لأول مرة محمولاً بشكل أفقيٍفي أحضان أمه، ويخرج من بيته لآخر مرة محمولاً أيضا ًبشكل أفقي لكن في أحضان كفنه.
وكثيراً ما تعود الأشياء في النهايات إلى هيأتها الأولى، فعندما نجلس مع طاعنين في السنّ تنسحب منهم الذاكرة لسنيّ عمرهم الأولى، فتارةً يترنّحون بالارتداد لمشاكلهم مع زملاء المدرسة وتارةً يتساءلون عن مصائر دمى وألعاب مفضلة كانت تغفو في أحضانهم.
حتى عظامهم تكون قد عادت للتقوّس للداخل، بينما يبدأ الهِرمُ على كلّ ما هو حيوي داخل أجسامهم؛ بدءً من الاختزان، فالابتكار، فالتفاعل، وصولاً في بعض الأحيان إلى العجز عن قضاء الحاجة إلا كما الأطفال.
الإنسان هو الأقوى أيضاً على الخير والشرّ فانكبابه على تصنيع ما يفتكُ بجنسه يجعل منه المتناقض الأعظم فبيده يصنع ما هو كفيل بأن يقضي على إنسان لو مرّ بالقرب من دفقة هواء ساخنة سامّة، وهو ذاته من يهرب بالحياة في عرض البحر في سبيل طوق نجاة.
فمن منّا لم تؤرّقه فطرتُه السليمة على الطفل السوريّ إيلان الذي قضى في عرض البحر وأمُهُ وشقيقُهُ هرباً من الموت الممنهج في وطنه. موجُ البحر كان يلاطف وجهه المنكبّ على الرمل، وكأنّما يمسحُ على رأسه بـدلاً من يدِ أُمّـه ريحـانة.
أندهشُ من شدّة احتمال وجَلَدِ الأمهات؛ اللواتي يفقدن طفلاً من روحهنّ ودمهنّ، كُن في الأمس القريب يحملنه، ليقسنّ شهراً تلو آخرحجم رأسه وطولَه وميزانَه بالسنتيمتر، واليوم يجرفون رأسه، مع طوله، مع ميزانه، ويئدونه مع سريره الدافئ تحت التراب.
أتساءل عن مشاعر آباءٍ تحتّم عليهم الأسرُ، وبدأت رؤوسهم تشتعل شيباً؛ بينما بدأت تنمو أنياب أطفالهم وتتبدّل أسنانُهم، ويبتلع سعادة هذه التفاصيل جوفُ ثعبانٍ آسر.
القسوة على العالم العربيّ تزداد مع مرور الوقت، وكأنه كُتب عليه أن يكون المستهلك الأول لمنتوجات المفاعلات النووية والانشطارات الذريّة، فبينما الطفل في العالم الغربيّ ملهوفٌ بما هو جديدٌ وساحرٌ من عالم «والت ديزني»، لازال الطفل العربيّ يبحث عن القدم المبتورة لدميته المحترقة.

طفل يبحث عن قدم مبتورة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية