طلاب الثانوية العامة في مصر: مواجهة الخيارات الصعبة

حجم الخط
0

القاهرة – إسلام أنور: سنة عصيبة خاضها طلاب الثانوية العامة في مصر، بدءاً من الإمتحانات التي تزامنت مع شهر رمضان حيث الصيام والارهاق وحرارة الصيف القاسية، مرورًا بتسريب الإمتحانات وحالات الغش الجماعي التي تسببت في تأجيل الإمتحانات، ما دفع بالطلاب إلى الخروج في تظاهرات اعتقل عشرات منهم على إثرها، وصولا إلى إعلان نتائج الإمتحانات التي جاءت مخيبة لآمال كثير منهم، ووضعتهم في مواجهة المجهول في ظل إرتفاع درجات القبول في الجامعات الحكومية، وصعوبة الإلتحاق في الجامعات الخاصة بسبب تكلفتها المادية الكبيرة.
في هذا السياق يقول أحمد علي ( 17 سنة)، ان «كمية الظلم الواقع علينا كطلبة ثانوية عامة هذا العام، شيء لا يُوصف، الامتحانات تم تسريبها، وكان هناك لجان خاصة لأبناء القضاة والظباط وأعضاء مجلس الشعب، ومع ورقة الأسئلة كان بيتم تسلميهم ورقة تانية فيها الإجابة النموذجية»، ويصف أحمد الوضع العام في مصر بالعبث والجنون، مضيفًا «تخيل تعب ومجهود سنة كاملة في المذاكرة والدروس، يضيع في الهواء، وأبص على النتيجة ألاقي نفسي ناقص عشر درجات كاملة في مادة التاريخ التي هى من أسهل المواد، وأنا كمان متفوق فيها».
من جانبه يقول، مايكل نسيم، الطالب بمدرسة التوفيقية بنين في محافظة القاهرة ان «المشكلة إن ماحدش بيسمعنا، لا الوزير ولا الرئيس، ولا الأهل في البيت ولا مكتب التنسيق، أنا مثلا دلوقتي جايب 90 % في أدبي ومش لاقي كلية أدخلها غير تجارة أو آداب، وكان حلمي إني أدخل كلية ألسن أو كلية إعلام لكن مفيش أمل لأن القبول في الكليات دي محتاج أقل حاجة مجموع 95%».

أزمة متكررة

يتجاوز عدد طلاب الثانوية العامة في مصر كل عام 500 ألف طالب وطالبة، تنقسم الدراسة إلى قسمين أحدهما علمي والآخر أدبي، وينقسم القسم العلمي إلى تخصصين هما علمي علوم ويؤهل لكليات الطب البشري والصيدلية وطب الأسنان، والقسم الآخر علمى رياضة ويؤهل لكليات الهندسة والعلوم والزراعة والفنية العسكرية، في حين يؤهل القسم الأدبي لكليات الألسن والاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام والأداب والتجارة.
وفي ظل تدني مستوى التعليم وندرة فرص العمل، تتركز آمال معظم الطلبة على التخصص العلمي، وبالرغم من صعوبة المواد الدراسية وإرتفاع درجات التنسيق بشكل جنوني لتصل في حالة القبول في كليات الطب إلى 99% وفي كليات الهندسة إلى 95%، إلا أن غياب أي فرص بديلة يدفع الطلبة لخوض هذه المغامرة على أمل أن يصبح طبيب أو مهندس فيجد فرصة عمل في مصر أو خارجها، على الجانب الآخر يعاني معظم طلاب القسم الأدبي من الغياب التام لفرص العمل في مجالاتهم حيث تقتصر الوظائف المتاحة لهم على العمل في مجال المبيعات، وشركات الأمن الخاصة.

الجامعات الخاصة

هذه الصورة القاتمة للواقع والمستقبل التي تحاصر طلاب الثانوية العامة، تزداد حدتها في ظل لامبالاة تامة من قبل إدارة الدولة المصرية. فالحكومة ووزارة التربية والتعليم التي فشلت في منع تسريب الإمتحانات عبر صفحة «شاومينغ» الشهيرة على «فيسبوك»، تتهم الطلبة بعد ظهور النتائج الصادمة، بـ»عدم الإجتهاد»، وتطاردهم في الشوارع والطرقات بدعوى خروجهم للتظاهر من دون تصريح.
وفي هذا السياق، تقول منى إبراهيم، موظفة بإحدى الجامعات الحكومية المصرية ولديها ولد وبنت في مرحلة الثانوية العامة: «احنا بنضحك على نفسنا، أنا موظفة في الجامعة وأقدر أقولك إن مفيش تعليم من الأساس في مصر» وتضيف منى ساخرة مما يحدث «التعليم تحول إلى «سبوبة» سواء في الجامعات الحكومية أو الجامعات الخاصة، والأمل الوحيد للشباب والبنات في مصر هي أنهم يجدون فرصة للهجرة والدراسة خارج مصر، وأقل جامعة خاصة في مصر دلوقت بتكلف 50 ألف جنيه في السنة ما يعادل 5 آلاف دولار وهو مبلغ ضخم وفي النهاية المحصلة تكون لا شيء لأن المنظومة نفسها كلها فاسدة، فالتعليم الجامعي لم يعد يخدم سوق العمل، بقدر ما أصبح نوع من الوجاهة الاجتماعية».

حقل تجارب

وتبقى واحدة من الأزمات الكبرى التي تواجه طلاب الثانوية العامة في مصر هي تعامل السلطة الحاكمة معهم بإعتبارهم حقل تجارب، فخلال عدة سنوات تقرر الدولة أن تكون الثانوية العامة على مرحلتين كل مرحلة تحتوي على عام دراسي كامل، ثم تتراجع عن هذا القرار وتكتفي بأن تكون الثانوية العامة عاما دراسيا واحدا، وفي ظل عجز المنظومة الحالية عن تحقيق العدالة بين الطلاب تقرر الدولة أن يكون الإلتحاق بالجامعات عبر اختبار للقدرات وليس عبر نتائج الثانوية العامة، لكنها تتراجع بسرعة في هذا القرار.
وحول هذا التضارب في القرارات الحكومية الخاصة بالثانوية العامة ومستقبل الشباب والفتيات تقول الدكتورة محبات أبو عميرة، أستاذ المناهج والعلوم التربوية بكلية البنات جامعة عين شمس: «منظومة التعليم في مصر تحتاج لثورة شاملة وليست الثانوية العامة فقط ، وهذا يحتاج مجهودا ضخما وسنين طويلة، وفي حال تغير منظومة التعليم بصورة كاملة يمكن الحديث عن اختبارات للقدرات قبل دخول الجامعة، لكن في ظل النظام الحالي يبقى نظام التنسيق رغم كل مشاكله هو معيار العدالة الوحيد الباقي للفقراء لكي يحصلوا على تعليم جامعي».

طلاب الثانوية العامة في مصر: مواجهة الخيارات الصعبة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية