في عام 2007 تم تدمير مخيم نهر البارد الفلسطيني في الشمال اللبناني، الذي يبعد نحو 15 كيلومترا عن مدينة طرابلس، وتم تهجير نحو 40 ألفا من سكانه ومن سكان الجوار، بسبب الحرب التي قامت بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الإسلام» المتطرف، الذي كان يسعى إلى إقامة «إمارة إسلامية» في شمال لبنان، وذهب جراء ذلك مئات الضحايا والجرحى.
بعد توقف تلك الحرب، عقد مؤتمر للمانحين دولا ومنظمات، عربا وأجانب، جرى التعهد من قبلها بتقديم 445 مليون دولار، لتعويض المتضررين وإعادة بناء ما تهدم من بيوت، بعد أن توزع السكان في أماكن قريبة أو بعيدة في المناطق اللبنانية كافة، وكثيرون منهم لم يجدوا بيوتا مناسبة، فاضطروا للسكن في كراجات وكرافانات وبيوت عشوائية مؤقتة؛ إلا أن بعض المؤقت استمر وبقي على حاله، على الرغم من مرور ما يزيد على سبع سنوات على اللجوء والتشريد الجديدين.
صحيح إن بيوتا قليلة وغير كافية لسد احتياجات جميع من تشرد وتهجر تم إنجازها – نحو 35 في المئة فقط – إلا أن أكثر من نصف المهجرين ما زالوا على حال نكبتهم الجديدة، ولا زال بازار حث الجهات المانحة الالتزام بدفع ما التزمت به قائما ومستمرا، حيث أن 157 مليون دولار هو المبلغ المتبقي لإنجاز إعمار بقية البيوت من المبلغ الذي تم الالتزام به. ولا زالت بعض الوعود مسجلة على الورق، أو في خانات النوايا، وهذا هو حال ســـــكان قطاع غزة بعد عدوان القوات الصهيونية في الأعوام 2008 – 2009 و 2012، والعــــدوان الأخير عام 2014، بعد أن خلفت هذه الاعتداءات آلاف الضحايا وعشرات آلاف الجرحى، ومئات آلاف من المشردين والمدمرة بيوتهم (تم تدمير نحو 130 ألف بيت جزئيا أو كليا، ولا زال نحو 47 ألف نسمة يسكنون لدى أقارب لهم، ونحو 57 ألف نسمة يسكنون في مدارس وغيرها).
وإذا كانت مساحة مخيم نهر البارد محدودة وقليلة ( نجو كيلومتر مربع وسكانه قلائل قياسا بعدد سكان ومساحة قطاع غزة، نحو 365 كيلو مترا مربعا وطوله نحو 30 كيلومترا وعرضه نحو 8 كيلومترات، وعدد سكانه نحو مليون ونصف المليون) وما زالت معاناتهم مستمرة حتى الآن بعد الزمن الطويل على انقضاء الحروب المشار إليها؛ فإلى متى يمكن أن تستمر معاناة السكان في قطاع غزة؟
لقد تعهد المانحون (دولا ومنظمات) بتقديم 5.400 مليار دولار لإعادة إعمار ومساعدة المتضررين، أفرادا وجماعات، تجارا وأصحاب مصالح وشركات، إلا أن واقع حال مرارة التجربة، لا يمكن أن يبشر بأن المآسي في قطاع غزة، يمكن أن تحل في وقت قريب.
إن ما تم الالتزام بتقديمه من أموال ومساعدات سابقة، نتيجة اعتداءات الحروب السابقة، بقيت محدودة ومتواضعة، ولم يتم بناء إلا نحو 20 في المئة مما تم تدميره، وها هي نذر الاستمرار في تكرار المآسي لا زالت على حالها، فلم يصل من المليارات الموعودة إلا نحو مئة مليون دولار فقط. وهذا المبلغ يمثل 2 في المئة مما تم الالتزام بدفعه، وبعضه تعهدات بالدفع، حسبما ذكر روبرت تيرنر، مدير العمليات في «الأونروا»، حيث ذكر «تلقينا تمويلات وتعهــــدات بنحو 100 مليون دولار لأغراض الإيواء والإصلاح. سينفد هذا المال إلى حد كبير في كانون الثاني/يناير 2015». وأضاف «لدينا نقص في التمويلات اللازمة للإيــــواء والمنازل بقيمة 620 مليون دولار، وستنفد مواردنا في أقسى أوقات الشتاء».
الجدير ذكره أن إدخال الاسمنت والحصى والحديد، وغيرها من المواد الضرورية للبناء، ما زالت شحيحة وقليلة، ولا تفي بالاحتياجات الهائلة المطلوبة، ولا زالت معابر القطاع كثيرة الإغلاقات، وقلما تفتح إلا لأيام أو ساعات معدودات من قبل السلطات الصهيونية، كما أن معبر رفح لا زال وبحجج شتى لا يفتح أبوابه إلا لأيام قليلة، ولحالات إنسانية ضرورية من قبل السلطات المصرية، كما حدث منذ أيام ولثلاثة أيام فقط، وذلك عقب إغلاق دام أشهرا. كما أن الخلافات الداخلية عادت لتبرز من جديد، وبشكل أكثر حدة، رغم وجود مصالحة وحكومة وفاق، ما يزيد من معاناة ومخاوف سكان القطاع؛ خصوصا أن المآسي التي خلفتها الحرب الداخلية في عام 2007 لا زالت مآسيها مستمرة، ولم تندمل جراحها بعد، وتتجدد بين فترة وأخرى، صامتة أو لها دويها، بالأصالة أو بالوكالة، حسبما تقتضيه حال المصالح الفئوية والفصائلية.
كل هذا وغيره يعطي ذرائع لتعطيل وصول المساعدات إلى مستحقيها، كما أن القطاع ليس في منأى من شن عدوان صهيوني جديد، في ظل هدنة هشة، لم يتم البحث في تحديد قواعد لاستمرارها، ومنع أو لجم عدوان جديد، في اجتماع المانحين في القاهرة في 12/10/ 2014. وقد جاءت الاعتداءات وغارات الطيران الأخيرة على منطقة في مدينة خان يونس، التي دمرت مصنعا للترابة.
كما أن استمرار إطلاق النار على الصيادين، ومنعهم حتى من الوصول إلى مسافات معينة كان قد تم الاتفاق على تحديدها في البحر، كما وإطلاق النار على المزارعين في مزارعهم المحاذية لما يسمى بالحدود. كل ذلك وغيره يوفر ذرائع لبعض المانحين للتلكؤ أو تأخير دفع ما التزموا به، كما أن بعضهم لم يتورع من التصريح العلني: إلى متى سنستمر في تمويل حروب إسرائيل وتدميرها لكل ما نبنيه للفلسطينيين؟
فهل يمكن أن يكون فرج أهل قطاع غزة قريبا في ظل هذه الأوضاع وتراكمها وتراكبها وتعقيداتها؟ حتى إن بعض الصحف الإسرائيلية لم تتورع عن الإشارة إلى أن قطاع غزة هو مثل طنجرة ضغط تغلي، وهناك مخاوف من انفجارها، خصوصا وأن شتاء هذا العام فيه قساوة زائدة، وبرده لا يرحم.
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ