طهران، عاصمة الجمهورية الاسلامية الايرانية، تعيش هواجس الارهاب، كما تعيشه عواصم العالم الاخرى، وكذلك متاعب الاقتصاد وتراجع اسعار النفط وغموض مستقبل المنطقة. لكن هاجسها الاكبر الذي يختلج في نفوس منظري الثورة من الذين حملوا لواءها قبل اكثر من 35 عاما، يتمحور حول مستقبل «الاسلام السياسي» الذي رفعت رايته وخاضت غمار الحرب بسببه، واستهدفت اقتصاديا وسياسيا نتيجة تشبثها به. هواجس دولة «ولاية الفقيه» تتقاطع مع ما يختلج في نفوس رموز الاديان مثل دولة «قداسة البابا» و «مشيخة الازهر» ودور الافتاء في العديد من الدول الاسلامية.
وحين تعقد مؤتمرها السنوي الاكبر الذي اطلقت عليه «مؤتمر الوحدة الاسلامية» احتفاء بذكرى مولد رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام، فانها بدون شك تدرك انها، خصوصا في هذه الحقبة، تسير بعكس اتجاه التيار، وان الحديث عن «الوحدة» و «التقريب» و «الاخوة الاسلامية» يبدو تغريدا خارج السرب في زمن سيطر عليه التطرف والاقصاء والتكفير. فقد كان من اولى الخطوات الايرانية بعد الثورة اعتبار الفترة ما بين 12 و 17 ربيع الاول اسبوعا للوحدة الاسلامية. واستمر عقد المؤتمرات السنوية للوحدة الاسلامية 29 عاما، حتى في اشد حالات التوتر المذهبي. ومع الاسف كثيرا ما استجاب بعض رموز المشروع الاسلامي لضغوط الفتنة فغابوا عن تلك المؤتمرات. واستحضر منظمو المؤتمر بعض وجوه التقريب التي اختارها الله إلى جواره، مثل سعيد شعبان، ومحفوظ نحناح والسيد محمد حسين فضل الله ومصطفى مشهور وبرهان الدين رباني والسيد مرتضى العسكري ومحمد مهدي الآصفي وسواهم. ولم ينسوا الشيخ مرتضى المحظوري امام احد جوامع صنعاء الذي استشهد بتفجير مسجد بدر بالعاصمة صنعاء قبل تسعة شهور.
عند مدخل فندق «استقلال» بالعاصمة الايرانية تستقبل المشاركين بمؤتمر الوحدة الاسلامية التاسع والعشرين شجرة عيد الميلاد مزينة بالانوار وبجانبها بابا نويل ومكتوب بجانبها «ايران تبارك بمولد المسيح». الرسالة واضحة: ان المسيح رابط بين الاسلام والمسيحية، وان من الضرورة بمكان تمتين الروابط بين اتباع الديانتين، واحترام مقدساتهما وتشجيع الحوار بين اتباع الديانتين. وهذا قريب من الرسالة التي وجهها بابا الفاتيكان في خطبته بعيد ميلاد المسيح عليه السلام. فبعد أن دعا البابا في رسالته إلى إنهاء الحرب الأهلية في سوريا وليبيا قال «فليوجه المجتمع الدولي بإجماعه انتباهه إلى إنهاء الفظائع التي تقع في هاتين الدولتين وكذلك في العراق واليمن ودول جنوبي الصحراء في افريقيا التي تسقط الآن كثيرا من الضحايا وتتسبب في معاناة هائلة ولا تحافظ حتى على التراث التاريخي والثقافي لشعوب بكاملها». رسالة البابا واضحة، كما هي رسالة ملكة بريطانيا والعديد من زعماء العالم المسيحي بذكرى الميلاد. هذا الخطاب الرسمي كان متناغما مع ما طرحه المشاركون بمؤتمر طهران حول ضرورة التعايش السلمي بين الشعوب خصوصا المسلمين، والتعاون والتفاهم والحوار، والالتزام بقيم الاسلام في السماحة والرحمة والاحترام المتبادل. فالمزاج العالمي ينسجم مع هذه الاطروحات، ويدعو لتضامن دولي ضد العنف والارهاب، كما يتقزز من الحروب العبثية التي تحصد ارواح البشر. رسالة مؤتمر الوحدة الاسلامية واضحة: يا أيها المسلمون اتحدوا. انها رسالة ايران للعالم، وفق ما طرحه الرئيس حسن روحاني في خطابه الافتتاحي، وهي تعبير عن لهجة الخطاب الايراني خصوصا في مرحلة ما بعد التوقيع على الاتفاق النووي. وحين يطرحها رئيس السلطة التنفيذية بهذه القوة، فانه يعبر كذلك عن المزاج العام للمؤسستين الدينية والسياسية في بلد يمزج نظام حكمه بين الدين والسياسة.
الرئيس الايراني المحسوب على التيار الاصلاحي يسعى لتقوية جناح الدولة ويأمل السيطرة على تيار الثورة، او على الاقل خلق التوازن بينهما بالشكل الذي لا يعوق المسارات السياسية التي انتجها الاتفاق النووي. غير انه يعلم كذلك ان الطموحات المعلقة على تطوير العلاقات الدولية والاقليمية بعد ذلك الاتفاق ما تزال بعيدة عن الواقع الذي تعيشه البلاد والعالم. فالركود الاقتصادي الذي تشهده ايران يضغط على حياة المواطنين، وهذا واضح من سياق الحديث مع رجال الاعمال وموظفي الدولة وشباب الجامعة. فهناك حالة من الاحباط ساهمت فيها عوامل عديدة، واصبحت تمثل ضغوطا على الحكومة التي تراهن على فوز مرشحي التيار الاصلاحي في الانتخابات المقبلة. وهناك ترقب وقلق ازاء تلك الانتخابات التي ادرج اكثر من 12000 شخص اسماءهم لخوضها، وما يزال هاجس الاضطراب السياسي الذي صاحب انتخابات العام 2009 يساور الكثيرين، على طرفي المعادلة السياسية من الاصلاحيين والمحافظين. وثمة اعتقاد بان توقيت رفع العقوبات التي فرضت على ايران منذ اثني عشر عاما، في مطلع الميلادي الجديد، يمثل محاولة من الولايات المتحدة وحلفائها لتقوية التيار الاصلاحي، على امل ان يؤدي رفع تلك العقوبات إلى تحسن ملموس في الاداء الحكومي وتطور في الوضع الاقتصادي، الامر الذي من شأنه ان ينعكس عبر صناديق الاقتراع بنتائج ايجابية للتيار الذي يمثله الدكتور روحاني. ولا يقل التيار المحافظ قلقا لما تخبئه الشهور المقبلة واثر ذلك على حالة التوازن التي سادت الجمهورية الاسلامية منذ رحيل مؤسسها الامام الخميني في 1989.
التيار المحافظ الملتزم بالخط الثوري لديه نظرة اخرى للامور، تتجاوز الشؤون المحلية، وتتصل بالهوية الايديولوجية والسياسية للنظام السياسي الذي قام على دماء آلاف الضحايا سواء خلال الثورة ام الحرب مع العراق ام ضحية الاعمال الارهابية التي استهدفت رموز الثورة والنظام في العقد الاول بعد انتصار الثورة في 1979. ويرى هذا التيار ان ايران اليوم تتعرض لاستهداف حقيقي من قبل «قوى الثورة المضادة» خصوصا بعد نجاح تلك القوى في اجهاض كافة ثورات الربيع العربي. وهنا يعرض رموز هذا التيار استهداف ايران من زوايا خمس: الاولى الجانب الاقتصادي، فيعتبرون ان انهيار اسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل عشرة اعوام، اي بحدود 25 دولارا كان خطة من قبل تلك القوى لضرب ايران. الثانية: المشروع الطائفي الذي رعته قوى الثورة المضادة بهدف منع التغيير في منظومة الحكم في المنطقة وعزل ايران عن بقية دول العالم الاسلامي وشعوبها، وفق حالة من الاستقطاب المذهبي غير مسبوقة في التاريخ المعاصر. الثالثة: الحصار النووي الذي فرض على ايران وحاصر مشروعها ودفعها لتوقيع اتفاق يقل كثيرا عما كان لدى قادتها من طموحات، الامر الذي سلب طهران اية فرصة لتطوير امكاناتها بما يمثل ردعا لاي عدوان مستقبلي، بينما تحاصر بدول تمتلك اسلحة نووية: الهند وباكستان شرقا، والكيان الاسرائيلي غربا. الرابعة: يشعر الجناح الثوري (المحافظ) بان ايران مستهدفة لاسقاط نظامها الحاكم الذي يعتبر تجسيدا لمشروع «الاسلام السياسي» وذلك بتوريطها في حرب مع الارهاب. وهناك محاولات متواصلة لحصارها بتلك المجموعات التي يتظاهر الغربيون بانهم في حرب معها. فداعش تسيطر على مساحات واسعة في العراق، وتخوض حربا من اجل السيطرة على افغانستان، وقد تتوسع في بعض دول آسيا الوسطى المحاذية لايران، وذلك لمحاصرة الجمهورية الاسلامية من اغلب الجهات. الخامسة: العمل الكثيف الذي تمارسه قوى الثورة المضادة لتهميش قضية فلسطين وابعادها عن بؤرة اهتمام الشعوب العربية والاسلامية.
لقد استطاعت ايران الحفاظ على نظامها الاسلامي اكثر من 35 عاما، واعتقد الكثيرون ان اتفاقها النووي مع الغرب قد وفر لها حصانة اضافية. ولكن ثمة رأيا يدعي ان ما يواجهها في المستقبل القريب من استهداف سيكون شاملا، وسيباغتها بدون ان تكون مستعدة لذلك. وهكذا تصطرع في نفوس قادتها هواجس الاقتصاد والامن وهوية النظام السياسي والعلاقات الدولية في الوقت الذي اصبحت مصادر قوتها العلمية والتكنولوجية مكشوفة امام اعداء الثورة. العام الجديد سيكون صعبا على الجمهورية الاسلامية الايرانية، وكثيرا ما وجه قائدها، آية الله السيد علي خامنئي، انظار المسؤولين لذلك، وطلب منهم الالتزام بما اسماه «اقتصاد المقاومة»، غير ان ذلك قد لا يكون كافيا لحماية جمهوريته التي تواجه هذه المرة تصميما غير مسبوق من قوى الثورة المضادة لاسقاط نظامها.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي