العنوان الفرعي لهذا الكتاب هو: «من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني»، ويشكل الجزء الأول، الذي يحمل عنوان «أصول النظر الائتماني»، من ثلاثية يصدر جزؤها الثاني بعنوان «التحديات الأخلاقية لثورة العلوم والاتصال»، والثالث بعنوان «روح الحجاب». وفي هذه الأعمال يسعى المفكر الإسلامي المغربي إلى صياغة، أو إعادة صياغة، سلسلة من المفاهيم التي تساعد على تمكين المسلم المعاصر في وجه التحديات التي تنطوي عليها أزمنة المعلومات؛ وكيف يتوجب أن تنهض على ركائز أخلاقية. الفقه الائتماري هو ذاك الذي يقترن بالأمر والنهي والتكليف، وأمّا الائتماني فهو المرتكز على القيم الأخلاقية في مستوياتها الثلاث: النظر، والعمل، والاستعمال.
وعن هذا الجزء الأول يقول عبد الرحمن: «فيه وضعنا الأسس العامة التطبيقية التي بُني عليها النظر الائتماني في مقابل النظر الائتماري، والتي مهدنا بها للنماذج التطبيقية لهذا النظر في الكتابين الآخرَين: الثاني والثالث؛ وأُسّ الأسس التي يقوم عليها هذا النظر ما أسميناه بـ»الشاهدية الإلهية»، ومقتضاها أن الأصل في صلة المخلوق بالخالق، سبحانه وتعالى، هي صلة المشهود بالشاهد الأعلى، وأن صلة المأمور بالآمر الأعلى تابعة لهذه الصلة، بمعنى أن الشاهدية الاتصالية تتقدم على الآمرية التشريعية؛ كما أن من الأسس التي بُني عليها النظر الائتماني أن الأسماء الحسنى، على خلاف القول المشهور، لا نهاية لعددها ولا لكمالاتها التي هي الأصل في وجود القيم الأخلاقية، وأن الأحكام الشرعية إنما جاءت للتعريف بهذه القيم وبيان كيفية التخلق بها؛ ومنها أيضاً أن القيمة التي تتصدر سلّم القيم الأخلاقية في الإسلام، بموجب المكانة العظمى التي تنزلها الشاهدية فيه، هي قيمة الحياء، فلا حياء إلا من الشاهد، ناهيك عن الشاهد الأعلى؛ ومنها كذلك أن الإنسان المعاصر بموجب نقضه للمواثيق التي أخذها منه الحق سبحانه، دخل «حالة الاختيان»، وأنه لا يمكن أن يخرج منها إلى «حالة الائتمان» إلا بطلب خُلُق الحياء؛ ومنها أخيراً أن الحياء لا يحصل لطالبه بطريق الأمر به، لأنه شأن وجداني، وإنما بطريق التربية على يد خبير بطبّ القلوب».
المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت 2017