تقول أرقام المؤسسة المعنية بنسب مشاهدة القنوات التلفزيونية في المغرب إن المسلسل التركي «سامحيني»، المترجم إلى الدارجة المغربية يأسر مئات الآلاف من الأسر، التي تتحلق حول التلفاز لمتابعة حلقات هذا المسلسل الأطول على الإطلاق.
وإذا كانت من خاصية لهذا العمل التلفزيوني فهي أن أصحابه بارعون في التمطيط وتوليد الأحداث واللعب على أعصاب المشاهدين، وذلك في غياب أية ثقافة تلفزيونية تمكن من تمييز الغث من السمين.
لقد أفلح القائمون على التلفزيون المغربي، منذ سنوات عدة، في تنميط ذوق المتلقي من خلال تكرار نوع معين من المنتجات وإشاعة صورها. ففي المجتمعات الاستهلاكية الحالية، يلعب الترويج والدعاية دورا أساسيا في مجال توجيه لا وعي المستهلك وذائقته واختياراته. وهذا بالضبط ما حصل مع المسلسلات التركية، التي قامت على أنقاض نظيراتها المصرية والأمريكية ـ اللاتينية، وبالتالي صارت هي البضاعة الرائجة في مغرب اليوم على غرار باقي السلع التركية الأخرى، التي غزت الأسواق المغربية والمتمثلة في الألبسة والأثاث المنزلي ومواد البناء والمواد الغذائية وغيرها.
ومن ثم، لا غرابة في أن صار عدد من أبطال المسلسلات التركية نجوما معروفين في المغرب، أنجزت مع بعضهم فقرات الكاميرا الخفية، واستدعي البعض الآخر للمشاركة في الإعلانات التجارية، ولا سيما إعلان شركة الاتصالات الهاتفية الرئيسية. وهو ما جعل فنانين مغاربة لا يخفون امتعاظهم من سخاء المعلنين إزاء هؤلاء الأتراك، وتجاهل أبناء البلد.
وإذا كان الكثير من المشاهدين المغاربة ما زالوا منجذبين للمسلسل التركي «سامحيني» الممتد طولا وعرضا، فإنهم فوجئوا ـ بالمقابل ـ بأقصر مسلسل تركي آخر، هو الانقلاب العسكري «الفاشل»، الذي هيمن على النشرات الإخبارية خلال الأيام القليلة الماضية.
ولا غرابة في ذلك، فالأتراك يرغبون في تنويع منتجاتهم التي يصدرونها للعالم، ما بين الطول والقصر، حتى لا يتسرب الملل إلى نفوس وعيون المتتبعين لأحوال أحفاد سليمان القانوني، الذي اختُزلتْ سيرته بقدرة قادر في المسلسل التلفزيوني الشهير «حريم السلطان»!
الإعلانات التلفزيونية فن الخداع؟!
خلال أوقات ذروة المشاهدة التلفزيونية في رمضان المنصرم، كان التلفزيون المغربي يقدم إعلانا تجاريا لشركة عملاقة مختصة في العقار والسكن الاجتماعي والاقتصادي. وكان بطل هذا الإعلان هو المغني سعد المجرد، الذي حاول أن يرسم صورة ساحرة وجذابة عن الشقق السكنية التي تبنيها وتبيعها الشركة المومأ إليها، وذلك من أجل إغراء المواطنين المساكين للإسراع باقتناء «قبر الحياة»، والسقوط في جشع البنوك، التي تقدم لهم قروضا هي أقرب ما تكون بقيود تكبل الأيدي وتجعل أولئك المواطنين رهائن لسنين طويلة.
على أنه بموازاة مع ذلك الإعلان التلفزيوني المكثف، تسربت عبر شبكات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية صور فوتوغرافية وفيديوهات تظهر بؤس الشقق الاقتصادية والثغرات الكبرى التي تعتريها على مستوى البناء، مما يجعل سكانها عرضة لأخطار محدقة. وترددت تعليقات كثيرة، وجهت سهامها إلى الفنان «المحبوب» سعد المجرد، الذي قبل الدعاية لمنتجات فاسدة لقاء دعم مالي مجز، غير عابئ بحال تلك المنتجات.
والواقع أن تلك الدعاية بقدر ما تستدعي إثارة قضية حقوق المستهلك، بقدر ما ترتبط أيضا بأخلاقيات المهنة وبالصورة التي يسوقها الفنان عن نفسه، فكيف يقبل فنان ما أن يقوم بالترويج بطريقة فيها خداع وضحك على الذقون؟ أم أن المال يعمي البصائر قبل الأبصار؟
وعموما، يحق التساؤل عما إذا كانت الإعلانات التلفزيونية فنا للكذب بامتياز؟
تشويه صورة المرأة!
ما دمنا بصدد الحديث عن الإعلانات التلفزيونية، فقد دقت «الجمعية المغربية لحقوق المشاهد» أخيرا ناقوس الخطر حول بعض الوصلات الإعلانية التي قالت إنها تشجع على التحرش الجنسي بالمرأة المغربية، وتستصغر مساراتها النضالية، وتكرس لاستمرار النشر والترويج للصور النمطية للمرأة في أبشع مظاهرها.
ولوحت الجمعية باللجوء إلى القضاء، بالتشاور مع جمعيات وجهات مختصة، من أجل معالجة هذه الملف. كما استنكرت، في بلاغ صحافي، غياب روح المسؤولية وانعدام الحس الأخلاقي لدى معلنين يقبلون بإنتاج وبث مِثل هذه الوصلات المستفزة والمحتقرة للمواطن، في وقت تتم فيه المناورة لخلق هيئة أخلاقية للمعلنين.
«باسو»… الاستثناء!
هناك شباب مغاربة حولتهم الآلة الدعائية التلفزيونية إلى فنانين للسخرية رغم أنف الجمهور، ورغم كونهم يفتقرون إلى المبادئ الأساسية لهذا الفن المندرج ضمن صنف «السهل/ الممتنع». إنهم يعتبرون السخرية مجرد جرأة في التعبير وكلام متجاوز لحدود اللياقة وتهكم على أشخاص بعينهم أو على فئات مهنية معينة، وليس انتقادا فنيا إبداعيا لعيوب المجتمع والسياسة. وأمام ندرة الكتابات النقدية التي تعري عيوب تلك التجارب الساخرة، تظل شبكات التواصل الاجتماعي متنفسا للعديد من المواطنين من أجل صب جام غضبهم على تلك المهازل التي تجد من فضاءات التلفزيون مرتعا لإطلاق هذيانهم باسم الفن الكوميدي.
لكن ثمة بارقة أمل، تتمثل في الفنان الشاب الساخر «باسو» الذي يمارس هوايته بعمق ثقافي وأكاديمي وبوعي ورؤية واضحين. هذه التجربة بحاجة إلى الدعم والمساندة والتشجيع.
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل