الضجة التي أثارها الإعلامي اللبناني العابر للمحطات طوني خليفة، والتي تابعت جزءا منها في مداخلة له على برنامج عمرو أديب، مهمة لنعرف أين نحن.
ملخص الحكاية أن المشخصاتي المصري رامز جلال، وفي تحضيراته لموسم رمضاني جديد من برامج مقالبه، التي تتجاوز العبث نفسه، لتعرض من يقعون فيها إلى مخاطر جسدية ونفسية جمة، وبعد مواسم عديدة من هذا السيرك المتوحش، صار رامز جلال مكشوفا لدى الجميع، مما جعله يستعين بخبث إدارة العلاقات الشخصية، فلجأ إلى الإعلامي اللبناني نيشان، وهو شبكة علاقات بحد ذاته مع النجوم العرب، ليوقع بهم عبر التضليل في شباك رامز جلال.
طوني خليفة، صدق نيشان أول الأمر، و استعد للسفر مع عائلته وأطفاله إلى الإمارات، حيث موقع التصوير، لكنه وبحدس الصحافي، لمس ريبة في الحكاية، فتحقق بعمق وعبر اتصالات لا تصعب على إعلامي ممتد مثله، فعرف الحقيقة وأنه سيكون ضحية مقلب سمج وقد يكون مرعبا أمام رامز جلال.
فاشتعلت الأزمة، والتي التقطتها عبر الفضاء التلفزيوني في مداخلة لطوني مع عمرو أديب، جعلتني أتابع القصة وأنتهي إلى فيديو طوني خليفة الأخير، والذي يهمني أكثر ما يهمني فيه ما عبر فيه باستياء بالغ عن تغول المال في صناعة الترفيه، إلى درجة أنه سب ولعن الشهرة والمال، التي تصيب الواحد بالعمى.
طوني استاء وعبر بغضب عن ذلك ودرأ عن نفسه أذى وشيكا كاد يلحق به، لو لم يتدارك الأمر، لكنه لم يقل شيئا عن الأذى الذي يلحق بمئات الألوف الذين يتجرعون المادة الإعلامية السمجة، فيلحقهم الأذى النفسي إما مباشرة بالشعور بالرعب خلف الشاشة، أو غير مباشر عبر استمراء هذا النوع من الترفيه ليصبح عادة «رمضانية» ينتظرها المدمنون باستمرار!
سقا الله أياما كان ترفيه رمضان قاصرا على «مقالب غوار».
أيتها الشاشة أين المفر؟
ومن المؤسف أن برامج الترفيه صارت تشمل برامج الحوار أيضا، أو ما يسمى بـ «التوك شو». وتلك برامج صار فيها المقدم أحد آيات الفقه والمعرفة في كل شيء، فانتهينا إلى ثلاث نماذج: رداحو السلطة ونموذجهم الأوضح الجنرال أحمد موسى، وهو إلى جانب وظيفته في مديح الظلال العالية بالنسبة له، يقوم بالردح المتواصل على مقابله من التيار الإسلامي، وهذا له نماذجه المقيتة أيضا في التحريض والشعوذة الفكرية، ومثالهم وجدي غنيم وزغلول النجار، الذي تعرض لهزيمة أمام الوعي الشبابي المغربي مؤخرا في محاضرة من محاضراته التسويقية.
كنت أتابع قناة «صدى البلد»، وهي للحقيقة صدأ ذلك البلد، ونجمها الجنرال أمني أحمد موسى، وقد وصل طرحه على ما يمكن وصفه بأبذأ ما يمكن من الطرح، على الهواء، وكان موضوع الحلقة استقبال ترامب لناشطة مصرية – أمريكية معارضة لحكم السيسي وقد تم الإفراج عنها بعد حبس ظالم.
المداخلات الهاتفية كشفت حجم التشوه، الذي يعيشه المتلقي المصري والعربي، وحجم التشويه في من يتابع، لنصل إلى ثقافة ردح مفضوح على الهواء!
إذا هربنا من مرحلة توفيق عكاشة ،وقد انتهت صلاحيته، فنجدنا أمام أحمد موسى وأمثاله، وإن تدرجنا بالريموت كونترول في فئة القنوات المصرية نجد قنوات الطرف المقابل في نشر الشعوذة ليخرج وجدي غنيم محرضا على كل العالم بالقتل والدم.
وحين نيأس بحثا عن ترفيه نصطدم بعقد نفسية فائضة عن الشاشة في برامج حليمة بولند.
أيتها الشاشة، أين المفر؟
بين محمد عبده وتولستوي
ملخص القول، إننا صرنا في الإعلام العربي الفضائي إقصائيين وفي كل الخنادق، نتراشق السباب والاتهامات ولا ندرك حجم «البزنس» في كل ذلك.
تذكرت بوجع كل ذلك، وأنا أقرأ التقاطة للمترجم والكاتب السوري المقيم في لندن إبراهيم قعدوني، وقد وقع على وثيقة نادرة هي رسالة رد من الكاتب الروسي المسيحي الأرثوذكسي الكبير ليو تولستوي كتبها إلى المصلح العربي المصري المسلم الكبير محمد عبده، يتحدثان فيها بتثاقف وعي خرافي في زمن ما قبل المعلوماتية الحديثة عن قبول الآخر.
كانت الرسالة، التي أكد القعدوني أنها غير محققة بعد، تضج بالعولمة الحقيقية والإنسانية برقيها.
يقول تولستوي فيها لمحمد عبده ردا بود: «واعتقادي أنه كلما امتلأت الأديان بالمعتقدات والأوامر والنواهي والمعجزات والخرافات تفشى أثرها في إيقاع الفرقة بين الناس، ومشت بينهم تبذر بذور العداوة والبغضاء. وبالعكس كلما نزعت إلى البساطة وخلصت من الشوائب اقتربت من الهدف المثالي الذي تسعى الإنسانية إليه، وهو اتحاد الناس جميعًا».
هذا في زمن ما قبل الانترنت والفضائيات، تواصل ألمعي بين قطبين من مصر وروسيا.
«الأيام الأخيرة للمسيح»
بثت قناة «بي بي سي»، وثائقيا مشغولا بعناية، أثار جدلا في العالم المسيحي، اسمه «الأيام الأخيرة للمسيح»، ولم يكن خطابا دينيا موجها بقدر ما كان حفرا في التاريخ والميثولوجيا بلغة بصرية.
أتابع الجدل غير الضاج بالفوضى، والحوارات بين مؤيد وناقد للوثائقي، لكن لا أحد طالب بقتل المنتج أو مقاطعة بريطانيا، ولا أحد أقصى الآخر أو ألغاه، الرفض كان رفضا في حوارات غاضبة لكن مؤدبة.
فجأة، يخرج موقع إلكتروني عربي يصدر في بلجيكا، ليطرح على قرائه (وهم كثر) سؤال كل عام «هل ينجح المسلمون في فرض رأيهم على الحكومة البلجيكية باعتبارهم مواطنين بلجيك في مسألة ذبح الأضاحي؟».
السؤال مشبوه ومضلل، ويعطي انطباعا أن هناك اضطهادا دينيا ما، وكل ما تطلبه الحكومة البلجيكية كأي حكومة مدنية، أن يتم الذبح في مسالخ مخصصة لذلك تراعي النظافة. بينما يريد البعض ذبحا ونحرا دمويا علنيا في الشارع.
طبعا، تلك كرة ثلج… يتقن دحرجتها الكثيرون هذه الأيام.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة