طوّع قشرة البيضة وجعل منها منحوتة فائقة الدقة والجمال: لؤي كاسب أول عربي يلج ذاتياً إلى أسرار نحت البيضة كأصل للحياة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: في مطلع الشهر الجاري أقيم معرض فني يعود ريعه لدعم مرضى السرطان في حديقة رينيه معوض في الصنائع. المشاركون من كافة الدول العربية، بلغ عددهم 200 فنان. استقطب المعرض عدداً كبيرا من الزوار. تميز من بين الفنانين الشاب لؤي كاسب المتخصص في تفريغ البيضة من محتواها، ومن ثم التعامل مع قشرتها برقة متناهية، لتخرج من بين يديه بعد صبر وتركيز منحوتة فنية استغرقت الكثير من الوقت. كثيرون تحلقوا حول معرضه متسائلين مستغربين ومشجعين.
في اليوم نفسه كانت للؤي فرصة تواصل إضافية مع جمهور خارج محيط بلدته راشيا الوادي في البقاع الغربي إنه معرض في مدينة عرمون. المصادفة أن المعرضين معاً كانا برعاية وحضور وزير الثقافة روني عريجي الذي أثنى كثيراً على الموهبة الشابة. في دوره شعر لؤي بكثير من الفرح كون موهبته بدأت في الوصول إلى جمهور أوسع. معه كان هذا الحوار:
○ تشارك للمرة الأولى في معرضين على نطاق واسع ولأول مرة ترى الناس قشرة بيض فنية. ما هي مشاعرك؟
• أتمنى مزيداً من المشاركة في معارض أخرى. كل من يمتلك موهبة فنية عليه أن لا يتوانى عن نشرها، فالفن رسالة، ومحبة يجب أن تصل لكل الناس. هوايتي هذه بدأتها منذ كنت في عمر 13 أنكب لساعات على قشرة البيضة المفرّغة. ثماني سنوات وأنا أكتسب مزيداً من الصبر والحكمة، والبحث لتنمية ما أحب وأهوى.
○ لماذا كل هذا الصبر في التعامل مع قشرة البيضة؟
• أحببت وضع البيضة في قيمتها الحقيقية، وأن تكون في معناها المادي والفلسفي الخاص بها. فالحياة أصلها بويضة. أن تُفْرغ البيضة، فلا تعود ذات قيمة مطلقاً. رغبت في أن تعود الحياة إليها، وأفضل طريق لإعادة الحياة إلى مصدرها هو الفن.
○ وهل شغلتك فلسفة الخلق منذ كنت طفلاً؟
• البداية كانت فكرة. ثم تطورت صلتي بالبيضة، وتالياً بمفهومها الفلسفي. سنتان ونصف من المثابرة حتى تحققت ولادة المنحوتة الأولى. عبّدت الطريق بنفسي، دون أدنى معونة أو معلومة في هذا الفن. عملت بصبر. المحيطون بي قالوا أني أقارع المستحيل، في حين أن التحدي الشخصي كان يتضاعف. أحتضن منحوتتي الأولى بحب، وأطلقت عليها اسم البداية، وتحمل نحتاً باسم لبنان.
○ من أين لك الصبر في الطفولة؟
• حبي للعمل أعطاني الصبر والدقة واكتساب تقنيات النحت ذاتياً، وقد مررت بالكثير من التحديات. أمدني الأهل والأقارب بالطاقة الإيجابية معنوياً، رغم عدم ثقتهم في نجاح الفكرة. كنت أستمد الطاقة من كل منحوتة تُكسر خلال نحتها. وفي كل مرة كانت المنحوتة تُكسر على مسافة أطول من سابقتها.
○ هل من فنانين عرب ينحتون على البيض؟
• لم أكتشف عربياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل لي صلات مع نحاتين من العالم على بيض الأوز والنعام، وله قشرة
أقسى، في حين بيض الدجاج هش. فبعد تفريغ البيضة لا يتعدى وزنها 2 أو 3 غرامات.
○ صف لنا محترفك؟
• هو عبارة عن غرفة من منزلنا العائلي اصطفت على جنباتها الثلاث عشرات المنحوتات المحفوظة، كل واحدة ضمن بيت من زجاج. المحترف في حد ذاته مساحته ضيقة وهو عبارة عن مناشير حديدية رفيعة للغاية وسواها، وقاعدة خشبية فيها تجويفات كما البيضة. وكذلك مقدح صغير كهربائي يشبه ذاك الذي يستعمله طبيب الأسنان.
○ هل تجني ربحاً من عملك بعد ثماني سنوات من الجهود؟
• إنها هوايتي الجميلة التي أمضي معها ساعات، وإن هي تحولت لمصدر رزق سأرحب بكل تأكيد. أقمت العديد من المعارض حيث أقيم في قضاء راشيا. معرضي الأول كان في جامعة جويا حيث أتابع دراستي، ومنذ ذلك الحين بدأت شهرتي تتوسع. المعرض فاق توقعاتي. وشكل مفاجأة للجميع نظراً لفكرته الجديدة، فلا بيض يُنحت على قشره في البلدان العربية. الناظرون إلى المنحوتات خلال المعرض كانوا في أسئلة متدافعة. كيف لهذا أن يحصل؟ بهذه الطريقة أم بتلك؟ التعليق الأكثر شيوعاً حيال المعرض كان بالقول «تفاجأنا». بصراحة الجمهور كان مشجعاً في تقديره للمنحوتات. وثمة أشخاص اشتروا منحوتات تشجيعاً لي وللفن في حد ذاته. وفي أحيان أنفذ طلبات غالبها منحوتات تحمل الأسماء. في معرض بيروت وعرمون كان التشجيع كبيراً والشراء محدودا، فنحن في وضع اقتصادي صعب.
○ هل من حكاية تنسجها مع كل منحوتة؟
• ليس لمنحوتتي أن تغيب عن التاريخ، ودائماً لي معها حكاية. أحاكي لوحاتي من خلال الألوان وأساليب التفنن في نحت الكلمة الواحدة كما تعبير «لا إله إلا الله». بدأت النحت دون ألوان. وراح اللون يتخللها، وصولاً إلى منحوتة ملونة بالكامل كما منحوتة الأمل الخضراء. وكذلك استعمال أنواع الخطوط كافة تقريباً في النحت على البيض. وفي مرحلة لاحقة أدخلت الضوء إلى المنحوتة فصارت تتلألأ.
○ هل من فرق بين اللونين الأبيض والأحمر في البيضة؟
• أمام الأفكار التي أرغب في تنفيذها لا فرق هما واحد، وكذلك بالنسبة للمنشار. لكني أبحث عن البيضة الناعمة الخالية من أي تعرجات. أعتمد غالباً بيض المزارع، فقشرة البيض البلدي متينة وتتفسخ سريعاً. بيض المزارع لين ويتعاطف مع النحت أكثر من البلدي. هذا ما خبرته على مدى سنوات. يبدأ عملي مع البيضة بعد اختيارها، ثم تفريغها، تُنظف بالمواد المُعقمة، وتالياً تُعرّض للشمس لساعتين لتجف. عندما أتواجه مع البيضة أبدأ برسم فكرتي. تكمن المعضلة في استدارة البيضة، هي أمامي صحيح، لكن مساحة النظر حيالها محدودة جداً. كنحات يحكمني مدى النظر، فليس لي مدى رؤية لنصف البيضة. وبعد نحت الفكرة أغسل المنحوتة بـ»بوليش».
○ لديك صلة ودية بالبيضة؟
• لا شك. بدون هذا الود لما تطور إحساسي بقشرة البيضة كي أتعامل معها بهذه الدقة. لقد أنجزت مؤخراً منحوتة بيت العنكبوت وهي فائقة الدقة والرهافة في خطوتها.
○ هل لقشور البيض طباع خاصة؟
• بل الطباع تكمن في وكم لي من الصبر والدقة. يصر من التقيهم أنه بعد ثماني سنوات من النحت يجب أن لا تنكسر قشرة بين يديَ. وردي أني لست غارقاً في روتين النحت. أنحت بهدف تطوير فكرة ما، وتطوير النحت بحد ذاته. هي تجارب، ولا شك أن المنحوتة تتعرض للكسر. يؤلمني الكسر، وفي المقابل يفرحني أني تعلمت جديداً. أخسر منحوتة لكني اكتشف قاعدة عمل لمنحوتات أخرى. وفي وصف صلتي بالبيضة أقول أننا كي ننحت بيضة علينا أن نحبها كما الأم الحنون التي تحب أطفالها. نجاح الفكرة يحتم أن نحب البيضة أولاً كي تحبنا. الحب هو في معرفة مسك البيضة بلطف، والتعامل معها. كلانا يطوّع الآخر، وكلانا يطيع الآخر.
○ أنت نحّات بارع هل يقف طموحك عند قشرة البيضة دون سواها؟
• بل أرغب في تنفيذ أفكاري المبدعة على منحوتات كبيرة تزين لبنان. فقد وجد الفن ليضفي على الحياة جمالا. أنا في مرحلة عطاء، ولست في مرحلة التفكير إلى أين الوصول ومتى؟ أفكاري تتوالد وتتجدد والطريق طويل.
○ من أين تستمد أفكارك؟
• استمد أفكاري من المجتمع الذي أعيش فيه. فهذه المنحوتة حمامة تحمل غصن زيتون. هي رمز السلام الذي يحتاجه بقوة عالمنا العربي. شخصياً كنت بحاجة ماسة لهذا التعبير. منحوتتي الأولى ولدت كفكرة في الخليج العربي حيث كانت عائلتي بهدف العمل، مسني الحنين لوطني وكانت الفكرة. بعدها تطورت تجاربي في لبنان وكان الانجاز الأول الذي حمل تعريف البداية، واسم لبنان.
○ هل أنت متفرغ للنحت؟
• بل أدرس هندسة الديكور، فالفن في رأيي يجب أن يُصقل بالعلم. هندسة الديكور قريبة من الفن. ولا شك هذه الدراسة تمدني بالأفكار الجديدة للنحت. يحتاج الفن للعلم والثقافة دون حدود. على سبيل المثال لي منحوتة عنوانها «الأعمدة» لو قدمتها دون سيرة لما كانت مهمة. فالأعمدة هي أساس الحضارات القديمة. المعضلة الأساسية هي الفكرة، عندما تكتمل وتتضح كشكل وسيرة مستندة لمعلومة أكيدة، أبدأ التنفيذ.
في المعرض الأول الذي أقامه لؤي في جامعته سأله استاذ تفقد منحوتاته، هل أقمت معرضاً للكتابة على البيض فقط؟ فسّر له بعضاً من عمله فكان رد الاستاذ: اخفاء الفن هو الفن في حد ذاته.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية