طيفُ لهبٍ عابرٍ اسمُهُ الفكْرُ

يظل التساؤل عن الصيغة التي يتحقق بها فعل التفكير، حول إشكال نظري أو إبداعي ما، عصيا على الوصف، رغم ما تقدمه العلوم التجريبية المتخصصة من اقتراحات في هذا الإطار، حيث يظل التلويح باعتماد منهجية محددة، ومعينة في مقاربة مختلف الإشكاليات الفكرية، محض ذريعة، للتخفيف من حدة الغموض، الذي يمكن أن يستبد بملاحظة القارئ/المتلقي، كلما سعى إلى البرهنة على صحة العلاقة القائمة بين المنهجية، وعملية التفكير، ذلك أن البرهنة ذاتها، ومهما حاولت اعتماد منهجية ما، فإنها تخون ميثاقها، ضمنيا أو علانية، باعتبارها مجرد خطاطة ممكنة، تعتمد عادة أرضية للتفاعل المشترك، مع مختلف الإشكالات المعرفية. وهو الشيء الذي يؤدي وباستمرار، إلى حدوث توترات دائمة في الفهم وفي التفسير، خاصة بالنسبة للقضايا التي تكون فيها اللغة مكرهةً على تجاوز حدود وظيفتها التقليدية، كي تتورط في بنيات تعبيرية مغايرة ومعقدة.
من هنا، وبسبب هذا العائق تحديدا، يؤثر هذا المتلقي، الخطاباتِ التي تعتمد في بنائها جمالية الحكي، الذي يفيد هنا، حضور ذلك التنامي الطبيعي لوحدات حكائية معينة، توحي بحضور مؤشرات قابلة لبناء أحداث، تبدو مؤهلة لاستمالة اهتمامه، وتحفيز رغبة، أو رهبة حالة الإنصات لديه، وهما معا ينبثقان من حالتي التواجد داخل حدث قد يكون مأساويا، أو احتفاليا، أي مراوحا بين حالتي الإقبال والإدبار. فهل يعني ذلك أن الفكر، ومن من أجل أن يتجاوز هامشيته، مطالب بتوظيف تقنية الحكي، عبر تحويله للإشكالات المعرفية إلى أحداث؟ وفي السياق ذاته، ألا يؤدي هذا التحويل إلى تعريض بنيته لتحوير، يخرجه من مجال الفكر إلى مجال الحكي؟ بما يعني ذلك من خيانة لهويته وخصوصيته، إرضاءً لمتلَقٍّ مصابٍ بإعاقة معرفية، لا تسمح له بتمثل ما هو بصدد قراءته أو سماعه، باعتبار أن سحرية الحكي، تُحوِّلُه إلى مجرد ذات، تكتفي برصد سلسلة من الأخبار المتتالية، دون أن تكون بحاجة إلى بذل مجهود ملموس، لاستيعاب الحمولة الفكرية، الحاضرة في تضاعيف هذا الحكي، والتي تقتضي حضور مجهود فكري، ومعرفةٍ بآليات التفكيك والتحليل، فضلا عن درايةٍ بمنطق اشتغال الخطابات، حيث لن يكون ثمة التباس في معرفة ما يحتجب وراء الشجرة، مادامت النظرة العالِمة على الشجرة ذاتها، كافية للإيفاء بالغرض.
إن المقاربة الفكرية، تستدعي من المتلقي مشاركتَهُ بشكل فعال في مواكبة العمق المقارباتي،، مشاركةً تقتضي امتلاكَهُ لدرجة عالية من النضج المعرفي، وليس محضَ اندماج فطري في طقس الحكي، خاصة أنها تستلزم حضور عقلٍ متفاعلٍ يقارن، يختبر، ويتأملُ ويتعرف على دلالة العناصر/البنيات في ذاتها، كما في علاقاتها بغيرها. وإذا كان الحكي يتعلق بتفاعلات ذواتٍ مع محيطها المتواجدة فيه، باعتبار أن هذا الفضاء، هو جُماعُ أمكنة وجماعُ أزمنة حية، تثير فضول الرؤية والإنصات، فإن المقاربة الفكرية، وعلى النقيض من ذلك، تخص قضايا نظرية، وقيما فكرية ومعرفية، لا تتحدث إلينا بأصواتها المندلقة من شفاهٍ ملموسةٍ، ولا تمشي بأحذية، تفجر ضجيجها على الإسفلت، ولا ترسم أيديها حركاتٍ، قد تكون مصدر إعجابنا، أو كراهيتنا. إنها لا ترتدي ثيابا تقليدية أو حداثية، ولا تمارس بالضرورة مهامّ معينة ضمن شبكة إدارية، إنها في واقع الأمر، علاماتٌ، يقتضي التعامل معها، حضور ردود أفعالٍ مغايرة لتلك التي نقوم بها عادة، تجاه الكائنات البشرية، هذه العلامات، يمكن أن نسيء فهمها، كي يختفي أثرها في قلب التباسات لغوية ودلالية، حيث لن يكون ممكنا مناداتها بأسمائها، لأنها لا تتوفر على آذان. إنها كائنات مغايرة تماما للكائنات، لذلك فإنها ترفض تماما فكرة الاندراج في لغة الحكي، وفي مساراته. إنها تعتبره غريبا عنها، لأنه متخصص في إيقاظ الاستيهامات، وفي تحريض المخيلة على الاشتغال بعيدا عن أي رؤية موضوعية، فضلا عن كونه يؤجج الانفعالات والعواطف، وينشط التذاوتات، وكلها عوامل تؤدي بشكل مباشر إلى تحجيب الخطاب الفكري وتحريفه. ذلك هو مصدر الغربة الحتمية والطبيعية، التي يحدث أن يعيشها الفكر، خاصة في ضوء الشروط «الحداثية» المطبوعة بالتهافت الأعمى على الاستهلاك الآلي، الذي لم يعد وقفا على شيء ما دون آخر، فضلا عن حضور هاجس الإحاطة بالحد الأدنى من منتجات الكون، إلى جانب تفشي الإحساس بحالة الملل.
إن العقل المقيم تحت خيامنا، والبعيد تماما عن تخوم الحداثة، مصاب بأعطابه العظمى، التي تحول بينه وبين ممارسة فعل التفكير، فيما هو هناك، أي على المستوى الكوني، يعاني من توتراته المزمنة، بفعل التداخلات الهوجاء القائمة بين العناصر، وبفعل تعاقب أحوال اللاطمأنينة، التي تفتك بالجسد وبالروح، حيث لم يعد ممكنا الحديث عن رؤية تأملية وعقلانية، متئدة وعميقة تجاه العالم، وتجاه الذات. وهو بعض من عوامل التحول الكبير الذي شمل العالم، خاصة منه الخطاب الفكري، الذي أمسى بفعل التوجهات الجديدة لمسارات الحداثة وما بعدها، خطابا منفعلا ـ قلقا وعابرا. وصفةُ العبور هنا تفيد ذلك النزوع الجارف إلى الخفة، إلى استهلاك المسافة، بكل مؤثثاتها، بعيدا عن أي واجب ما، يمكن أن يستدعي منا توخِّي حدٍ أدنى من التركيز، الذي قد يكون من نتائجه الوقوعُ في حالة من التلكؤ والتحري، المفضيين إلى تبنِّي صوتٍ أو نداء. وهو ما يتعارض كلِّيا مع الشروط المنتجة لما يسمى بالخطاب الفكري الذي لم يعد معنيا تماما بإيجاد حلولٍ ناجعةٍ للقضايا الكبيرة، باعتبار أن هذه القضايا لم تعد معنية هي أيضا، بأن تكون كذلك. وعلى سبيل المجاز، سنقول بأن كل تورط في مقولة الأحجام/ الأفكار الكبيرة، التي تقع خارج دائرة التملك السهل، سيؤدي حتما إلى عرقلة مطلب العبور، بسبب تنافيه مع جمالية الخفة. فالقضايا فقدت أحجامها بالكامل، إنها أمست بدَداً غير مرئي، وغير ملموس، حيث لا يتحقق الاهتداء إليها إلا من خلال الحدس، ومن خلال الظن بحضور ما لم يعد حاضرا. لذلك فإن الاشتغال أمسى قائما على طيف القضايا، أي على ما تبقى من الصدى، على ما تبقى من اثر الأثر. وهو ما انعكس بدوره على الفكر، الذي لم يعد قابلا لاتخاذ شكل بنية، يتعذر العثور على متسع سيكولوجي يمكن موضعتها أو تخزينها فيه بسبب ضخامة أحجامها. وبالنظر إلى انتفاء فكرة التخزين العملي، والقابل لممارسة دور الاستعادة، فإن التخلص من المتاع، بإلقائه في سلة المهملات الكونية، أصبح هو القانون. فما من شيء جدير بالتخزين الأبدي، وما من شيء جدير بالبقاء. كل شيء مطالب بالعبور. إن الجثة وحدها هي التي فقدت كل أمل في الحركة، أما الجسد الحي، فهو مهووس بلذة العبور، نصا كان أو خطابا. وبالتالي، فليس لهذا الخطاب أو هذا الفكر، أن يوظِّفَ في عملية تبَنْيُنِهِ ما يجعله ثقيلا، أي عاجزا عن إنجاز لعبة العبور. حتى البِنْيات اللغوية، شأنها شأن الإيقاعات الخفيفة، مطالبة بأن تعْبُرَ السمع دون أن تحْدِثَ أي إزعاج، ودون أن تكون ملحة على إقناعك بقول ما، وعلى تدقيق الإنصات، وإدامة التحري في ما تم سماعه أو رؤيته. إنها الرؤية العابرة والإنصات العابر.

٭ شاعر وأكاديمي من المغرب

طيفُ لهبٍ عابرٍ اسمُهُ الفكْرُ

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية