ظاهرة «البوتنمانيا» في فرنسا وفي غيرها

تمثل عودة فلاديمير بوتين إلى الواجهة الدولية انتصارا حققته الدبلوماسية الروسية، بما لا يختلف فيه اثنان، لكن قيمة هذا النجاح تثير أكثر من علامة استفهام لتضع المجتمع الدولي وقطاعا عريضا من الرأي العام في ورطة شديدة. فقد تبين أن اجندة بوتين باتت محكمة الترتيب بشكل فاجأ حتى أكثر الدبلوماسيين والمحللين حنكة، إذ ابتدأت هذه الأجندة بفصل من الشعور بالإهانة يتذكره الجميع، عندما غادر الرئيس الروسي أروقة قمة بريزبان للدول الصناعية الكبرى، ساعات قبل نهايته. لكن سرعان ما تحولت الأجندة الروسية من المشاهد التي لم يتورع الكثيرون عن تصنيفها في خانة المهزلة إلى وقفات لم يعد في المقدور إعادتها إلى دنيا الفكاهة والتهريج.
أولى هذه الوقفات تعيدنا إلى الثامن والعشرين من الشهر الماضي، وهو تاريخ مشهود سجّل عودة بوتين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو الذي لم يطأها منذ ثماني سنوات، ليلقي خطابا تضمن في ما تضمن، احتمال تدخل عسكري روسي في سوريا.
أما الوقفة الثانية فيومان بعد خطاب الجمعية العامة في نيويورك، حيث شهدت سورية أولى الضربات الجوية الروسية، معظمها مصوّبة باتجاه المعارضة المعتدلة لم تنل منها «داعش» سوى واحدة من أصل عشرين، وفق بيانات اوردتها أجهزة الاستخبارات البريطانية. أما المشهد الثالث، فقد كان مقررا أن ينصبّ حول القضية الأوكرانية، التي يرى فيها بوتين من مصلحته إبقاء الحدود الأوكرانية -الروسية في حالة الهدوء النسبي التي هي عليها منذ بداية شهر سبتمبر الحالي. لكن الموضوع السوري طغى على قمة باريس المصغرة وطغت معه رغبة الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند في معرفة «أي لعبة» – وفق العبارة الفرنسية الشائعة- قرر بوتين أن يلعبها.
كثيرا ما اعتقدنا أن عودة روسيا الدبلوماسية القوية عنصر مفاجئ نسبيا، أفردناه في الأغلب لسهر روسي دؤوب على اقتحام المجال الذي تركته الدبلوماسية العربية فارغا، ورغبة أكيدة في استعراض العضلات. ولا بد من أن يكون الشقان الأخيران من هذا الفحص على قدر كبير من الصحة. لكننا في المقابل واقعون لا محالة في مغالطة تحليلية لو تمادينا في الاعتقاد بأن هذه العودات الروسية المزمنة محض طوارئ تاريخية لا تمتّ للتفكير المدروس بصلة. فقد بدأت إرهاصات العودة تضرب جذورها في تربة ظلت خصبة، تمثلت في احتفاليات الذكرى السبعين للانتصار السوفييتي على النظام النازي الفاشي الألماني والهزة الارتدادية التي أحدثها هذا الاحتفال في «غرفة العمليات الدبلوماسية» بالكرملين. فقد كرست الاحتفالاات هذه الطاقة الروسية الخارقة على تحويل حدث تعمدت قيادات العالم نزعه من كل إشعاع عالمي، بالاعتذار عن زيارته، إلى ورقة مكنت روسيا من المضي قدما في تذكير الكل بصفة الشريك الذي يصعب الاستغناء عنه، بل يرى كثير من المحللين أن الاستغناء المزعوم صار من سابع المستحيلات. وتوالت الأحداث… وبقدر ما توالت، بقدر ما ازدادت شعلة روسيا اتقادا بعد أن ظن كثيرون، تحت تأثيرالانفعال والعواطف والاستنتاجات المتسرعة أنها انطفأت إلى غير رجعة. فكيف للشعلة الروسية أن تخيب وقد كسر جون كيري دوامة مقاطعة زيارات المسؤولين رفيعي المستوى بزيارته لسوتشي في 12 مايو الماضي، وكيف لشعلة روسيا أن تنطفئ بعد النجاح الخارق الذي حققته قمة دول البريكس المنعقد في أوفا، وكيف لشعلة روسيا أن تخبو ولم يعد يختلف اثنان، وفي المقدمة ربما أشد المنتقدين لسياسته، أن بوتين تمكن من أن يصنع لنفسه صورة زعيم يشخص ثوابت من الجيوسياسة الدولية توقّع الكثير منا أنها باتت بضاعة كاسدة من الآن فصاعدا، لترمى في مزبلة التاريخ بسهولة.
أليست ضرورة تشكيل «عالم متعدد الأقطاب» التي يجاهر بها بوتين قلبا وقالبا من فصيلة تلك الثوابت التي تلقى شبه إجماع في أكثر من وسط؟ أليس مفهوم «غريم الغرب» التقليدي، وليد الحقل الدلالي الاصطلاحي للحرب الباردة، لا يزال حيا يرزق في أدبيات العمل الدبلوماسي الخفي الذي لا يخفى على أحد؟ أليست مصطلحات وعبارات أخرى يمكن إضافتها الآن بسهولة لأنها باتت مطلقة للتداول على صيغة «الله غالب ما تنفع حيلة»، مثل «المأزق السوري»، «سياسة الغرب الخارجية»، «مرحلة انتقالية في سورية»، «لا حوار وطني بدون إشراك عناصر من النظام والمعارضة معا «- وهو ما تضمنه بيان جنيف 1 على فكرة، وهي العبارات نفسها التي ترد على لسان أكثر من مسؤول فرنسي. فهل أصبحت روسيا الحليف الأوثق لأي عمل دبلوماسي يمضى به قدما في سوريا؟ هل أصبح بوتين من سيجمع فرنسا وأمريكا ذاتي الرؤيتين المتباينتين بشدة في موضوع رحيل الأسد، واسطة في سبيل تحقيق ما بات يدعى الآن بـ»الحل السياسي»؟
لم تتورع صحيفة «لوبارسيان» الفرنسية هذا الأسبوع عن الحديث عن ظاهرة «البوتينمانيا»، أي الافتتنان بشخصية بوتين، موردة شهادتي نائبين برلمانيين، أحدهما من اليمين وثانيهما من اليسار. يقول البرلماني اليميني الفرنسي تييري مارياني وزير النقل سابقا: «بوتين على حق عندما ينفذ ضربات جوية في سورية. عندما كنا نسانده قبل ثلاث أو أربع سنوات، كنا نُشتم، أما الآن، فقد صار بوتين موضة. كأن هناك رب عمل، وهذا عين ما ينقص فرنسا». أما النائب البرلماني الفرنسي عن حزب اليسار فرانسوا لونكل، فيرى «أننا- أي نحن البرلمانيين- نطالب وزارة الخارجية منذ شهور بتحقيق أسباب حوار أكثر بناء مع بوتين. وإذا بدبلوماسيينا يكتشفون اليوم أنه لا يمكن الاستغناء عن الرئيس الروسي؟ أما أنا فأرى من جهة أنه لا ينبغي أن نسجد أمامه، لكن مقاطعته ستؤدي إلى نتائج عكسية».
أما السؤال الذي يبقى معلقا وهو سؤال الأسئلة، فهو مشروع الدبلوماسية الغربية اليوم، والسؤال ينطبق على الدبلوماسية الفرنسية أكثر من أي وقت مضى.
كاتب أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية