ما نتناوله هنا هو واقع الحالة العراقية منذ 2003 وحتى الان، اي ان ما جرى بعد احتلال داعش للموصل ليس هو المنتج الاول لظاهرة المليشة في العراق، انما كان فرصة ذهبية مضافة لمليشة الوضع برمته ومن ثم ابتزازه لتحقيق ذات الاهداف التي ارادها الامريكان والتي طعمت بالاهداف الإيرانية الداعية لدولة عراقية يحكمها الشيعة حتى لو استقل الكرد عنها، بمعنى ان تكون دولة بحكم طائفي شيعي بمشاركة سنية، وبذلك لن تقوم للعراق الوطني القوي الند للاطماع الامريكية والإيرانية قائمة، وانما بلدا مهموما بصراعات الحكم الشيعي ومعارضته السنية، حكم مرهون قراره بتوازنات الخارج وليس الداخل!
بامتياز قل نظيره يمثل العراق اليوم نموذجا صارخا للدولة الميليشياوية، الدولة الفوضوية التي لا يفضي سيرها الا إلى الحتف المبرمج بحسب قواعد اللعبة الامريكية لاقامة شرق اوسط جديد يكون للعراق فيه سبق الريادة! عندما حل الامريكان الجيش الوطني العراقي، فانهم قد فتحوا بذلك الباب على مصراعيه لاقامة جيوش المكونات، خاصة وانهم كانوا على علم اليقين بان الجيش الذي سيخلفونه لن يكون الا طائفيا واما واجهاته المطعمة بالتنوع المكوناتي فانها للزينة فقط، وهي غير قادرة على تغيير بنية الواقع المشرعن عرفيا، حتى لو ارادت ذلك وبدوافع مخلصة!
للمكون الكردي جيشه وتسليحه وقيادته المنفصلة تماما عن ما يسمى بالجيش الاتحادي، ولم يجر لا دستوريا ولا اجرائيا التطرق إلى موضوعة دمجه بالجيش الجديد الذي اشرف على قيامه الامريكان بانفسهم وانما تعاملوا معه على انه جيش محلي مستقل، حرس الاقليم، فقط جرى الخوض في موضوع تمويله، هل يكون ضمن الميزانية المخصصة للاقليم ام ضمن مخصصات وزارة الدفاع العراقية ؟ ولم يجر حسم هذا الموضوع الخلافي حتى الآن، وبكلا الحالتين سيستمر الجيش الكردي بأمرة قائده العام الذي هو نفسه رئيس الاقليم والذي لا يقر باي نوع من الانقياد حتى ولو اسمي للقائد العام للقوات المسلحة الاتحادية، فالدستور الذي يسير عليه الاقليم وبالرغم من عدم حصول استفتاء عليه، لكنه نافذ بحكم الامر الواقع، وهو لا يقر بالقيادة الاتحادية لجيش الاقليم، وانما يقر بالمشاركة الكردية الرمزية بالتشكيلات الاتحادية، كأن يكون رئيس الاركان الاتحادي كرديا كما في حالة بابكر زيباري حاليا وهكذا!
الاهم في الامر كله ان عقيدة جيش الاقليم القتالية هي مناقضة لما يفترض ان تكون عليه العقيدة القتالية للجيش الاتحادي، فالجيش الاتحادي يدافع عن وحدة وسلامة الاتحاد كله، اما عقيدة جيش الاقليم الفعلية فانها تدعو لاسترداد الاراضي المتنازع عليها مع الاتحاد ومن ثم القتال من اجل استقلال الاقليم، ولهذا السبب نلحظ بان العلاقة بين الجيشين هي علاقة ندية ومتعارضة وقد حصلت مواجهات كثيرة بينهما جرى تطويقها او تأجيلها لان السير فيها يؤدي إلى استعجال اعلان الاقليم انفصاله واقامة دولته المستقلة وهذا ما لا تريده قيادة الاقليم نفسها لأنها حاليا مستفيدة استفادة مزدوجة كونها شريكة بكل ما هو اتحادي برغم استقلالها شبه الكلي عن الاتحاد اي ان الاتحاد يعطيها حصتها وهي محتفظة بما لديها من حصته، انها تريده انفصالا ناعما يأخذ فيه الاقليم كل الذي يريده مضاعفا بغض النظر عن مصالح الدولة الاتحادية التي يدعي حاليا حرصه على استقرارها، جيش الاقليم لا يسمح للجيش الاتحادي بالدخول فيما تسمى بالمناطق المتنازع عليها، بل ان جيش الاقليم قد فرض سيطرته عليها تماما بما فيها محافظة كركوك النفطية وهو يعلن عن تمسكه بتبعيتها للاقليم شاء من شاء وقبل من قبل!
جيش الاقليم نفسه مكون بشكل رئيسي من ميليشيات الحزبين الكرديين المسماة بالبيشمركة، حزبي البارزاني والطالباني، الاول يهيمن على مناطق دهوك واربيل واجزاء من الموصل والثاني يهيمن على السليمانية واجزاء كبيرة من كركوك وديالى وكل طرف يغذي فصيله من ميزانية الاقليم وما يحصل عليه من موارد نفطية وغير نفطية من داخل وخارج تغطيات الميزانيات الظاهرة والباطنة!
لقد سمح الامريكان لكل الاحزاب العراقية بغالبتها الشيعية والكردية والتي اتبعتها بمشروعها الاحتلالي بترشيح منتسبيها الذين كانوا اصلا من ميليشياتها بالانتساب لتشكيلات الجيش الجديد، وكان في مقدمتها الاحزاب الشيعية التي عملت في إيران، فيلق بدر، ومجاهدي حزب الدعوة، وقد نجح الامريكان حينها بتطعيم التشكيلات الجديدة بالعشرات من الضباط السنة والاكراد والشيعة وجميعهم كانوا من ضباط الجيش السابق، وعند انسحابهم تركوا التشكيلات العسكرية للجيش الجديد وهم الاعلم بانه لن يصمد امام اي تحدي جدي، وهو المطلوب امريكا، لان هذا الحال سيجعل الحكم بحاجة دائمة اليهم، اضافة إلى تعزيزه لنزعة الفدرلة المطلوبة ايضا!
في فترة حكم المالكي الثانية اصبح الجيش عبارة عن دمج ميليشياوي شيعي ليس للسنة والاكراد فيه سوى توازن الواجهة، كوزير الدفاع بالوكالة سعدون الدليمي ورئيس اركانه الزيباري، وذلك من خلال توسعته العددية التي تجاوزت النصف مليون، ووضعت موارد الدولة تحت تصرف حزبه الحاكم الذي تضخمت نزعته الميليشياوية الطائفية التي سادت اغلب تشكيلات الجيش الحكومي، ومن هنا عززت الاحزاب الشيعية الاخرى من قدراتها الميليشياوية، لأن بعضها لا يثق بالبعض الآخر، ولان اشتراك عناصرها بالجيش الجديد ليس ضمانة لها خاصة وان هناك اجهزة امنية عديدة وفرق خاصة اخذت تتشكل من لون واحد لا ولاء لها غير الولاء للمالكي، جيش المهدي الذي كان قد جمد، جيش المختار، جيش العصائب، جيش حزب الله العراقي، جيش الائمة، اضافة إلى التوسعة شبه السرية العمودية والافقية لميليشيا بدر بقيادة هادي العامري، ومن لم يجد من هذه الميليشيات تمويل حكومي فان التمويل الإيراني يسد!
الان وبعد اعلان الجهاد الكفائي من قبل مرجعية النجف والذي تبنته حكومة المالكي ومن ثم العبادي، توالدت الميليشيات واصبح الحشد المكون من مجموعها الذي تجاوز العشرات، من ميليشيا ابو الفضل العباس إلى الخرساني، هو الفرصة الذهبية لاعلان ما لم يكن ممكنا اعلانه، داعش قوة سنية وبهزيمتها على يد الميليشيات الشيعية ستدغم هزيمة اي تحرك سني حتى لو لم يكن طائفيا لاقامة دولة علمانية تعتمد المواطنة بمعزل عن الطائفية والمناطقية، وعليه وفرت داعش فرصة ذهبية للتغطية على فساد حكومات الاحتلال، وعلى فشلها في تحقيق اي من شروط قبولها، نعم يمكن للسنة ان يؤسسوا صحواتهم وميليشياتهم لكنها يجب ان تكون مكملة لاهداف الحكم الشيعي وسائرة بفلكه ماذا والا فهي ارهابية حتى لو قاتلت القاعدة وداعش ؟!
ان اجتثاث الرحم الذي ولدت منه داعش سنية كانت ام شيعية، ومن سيأتي بعدها لا يمكن ان يتحقق بالجهاد الكفائي الذي يدافع عن واقع بائس ازاء واقع يحمل البؤس كله، انما بالجهاد لعزل احزاب الاسلام السياسي بمجمله عن الحكم وتفعيل قانون للاحزاب يحرم ويجرم اي حزب على اسس طائفية سنية كانت ام شيعية، نريد احزابا وطنية قادتها يؤمنون بحرية وقدسية الانسان، نريد نزع القدسية عن اي فعل سياسي او اجتماعي او فكري لا يحمل هذه الشروط حتى لو تلحف بمظلوميات ظالمة تسقط الماضي على الحاضر والمستقبل بدون اي مسوغ آدمي، غير مصادرة العقل لصالح النقل وبالتالي لصالح اعادة انتاج سلطة الاستبداد، وهذه المرة تحت راية ال البيت البريئة براءة الذئب من دم يوسف، من كل سفسطات الملالي الجدد ومن يحكم بفتاويهم!
ظاهرة مليشة الدولة العراقية سائرة نحو التعميم وليس التحجيم، فالذي يجري يثير رعب وقلق الصغير والكبير من الاثنيات والمذاهب والاديان وحتى العشائر، وما حصل مؤخرا من اقتتال بالاسلحة الثقيلة بين عشيرتين في البصرة مثال حي على تضخم ظاهرة التسلح الميليشياوي المنفلت وعلى كافة المستويات المألوفة وغير المألوفة ماقبل داعش وما بعدها.
٭ كاتب من العراق
جمال محمد تقي