ظاهرة العنف في الجزائر… مخلفات إستعمارية وأشياء أخرى

حجم الخط
15

شهد المجتمع الجزائري على مر تاريخه موجات من العنف والقهر ، تنوعت بتنوع ممارسيه بدءا من الإستعمار الذي لم يكتفي بالقتل وحرق أهل القرى أحياء في الكهوف والتشريد والنفي وسلب الأرض ،بل نكل بالجزائري ونعته بأسوء الصفات ،كتغييره لأسماء الأسر الجزائرية الشريفة وتلقيبها في التعاريف والبطاقات المدنية بأسماء حقيرة مهينة لإنسانيتها ،حيث لا تزال الى الآن أروقة المحاكم تشهد إقبال العائلات على إقامة مرافعات لإلغاء هذه الأسماء المشينة .
ثم جاءت فترة الإستقلال التي شهدت تصفيات سياسية وإعتقالات ونفي للمعارضين في أول سنينها وكأنها تكريس لسياسة العنف وإستمرارية لممارسات زعزعت الثقة في نفوس الجزائريين ، ثم ما لبث الجزائريون يتنفسون حتى حلت أعنف وأشرس وأقسى الفترات في تاريخ الجزائر «العشرية السوداء»والتي تعد زلزالا إجتماعيا أمنيا سياسيا ضرب عمق النسيج الإجتماعي الجزائري ، إعصار لم يسبق له مثيل على الأقل في محيطنا الجغرافي آن ذاك ، حيث تسببت دوامة العنف التي شهدتها الجزائر في إنقسام حاد بين الشعب والسلطة من جهة ، وإنقسام بين مكونات المجتمع الجزائري وهو الأخطر من جهة أخرى،وعرف المجتمع تناحرا سياسيا بين أفرادالأسرة والواحدة بسبب الأفكار الدخيلة على المجتمع الجزائري والعصبية السياسية التي خلفتها.
ولم يستطع المجتمع تجاوز هذه المحنة وظل الشرخ واضحا الى اليوم لغياب التكفل البسيكولوجي ، وخلط في التقدير بالنسبة للنظام الذي جنح في الأخير الى تسويات سياسية دون دراسة معمقة حول ما بعد المصالحة.
والآن تشهد المنظومة الإجتماعية تصاعدا مريبا في نسبة العنف ، سواء على صعيد الأسرة أو المدرسة أو الشارع ناهيك عن الملاعب؟
نبدأ بالمرأة المعنّفة والتي تتعرض لكل أشكال العنف الجسدي والنفسي على مستوى الأسرة أو العمل أو في الشارع حيث ذكرت تقارير تداولتها وسائل الإعلام مانسبته سبعة آلاف حالة تعنيف للمرأة في التسعة أشهر الأخيرة من عام 2014؟،وهو رقم يستدعي دق ناقوس الخطر للحد من هذه الظاهرة .
ولأن الأسباب متعددة لجأ المشرع الجزائري الى سن قوانين ردعية تصل العقوبة فيها الى 20سنة ،تحمي النساء من كل أشكال العنف الثلاثة ،وحظيت الفئة النسوية الأكثر عرضة لخطر التعنيف وهي فئة المطلقات بقانون يحفظ لها إستقرارها ، حيث صادق مجلس النواب على قانون يعطي للمطلقة حق المكوث في بيت الزوجية بعد الطلاق لحضانة الأطفال ، مع إنشاء صندوق لهن ، تتكفل ميزانية الدولة من خلاله بالمطلقة لغاية البت في قضية الطلاق ، وبعدها يلزم القانون المطلق بنفقة ابنائه ويتابع قضائيا إذا ما تخلف عن ذلك،كما تم سن قانون عقوبات يمنع التحرش بالمرأة لأول مرة في تاريخ التشريع الجزائر ينص على السجن بين شهرين إلى ستة أشهر أوغرامة مالية ضد «كل من ضايق امرأة في مكان عمومي بكل فعل أو قول أو إشارة تخدش الحياء».
تداولت وسائل الإعلام الجزائرية في الأيام الماضية ، قصة الطفل رمزي 11عاما الذي قتل بدم بارد إثر الإعتداء عليه بالضرب في ظروف غامضة، ونقلت وسائل الإعلام شهادة أهل الطفل وبكاء أمه وحرقة قلبها على صغيرها ، هزت دموعها قلوب كل الجزائريين ، كيف يعتدي شخص بالغ في وضح النهار على طفل صغير رقيق وحيد أمه ، واين كان المارة في الطريق كيف لم يلتفت أحد لحادثة الضرب هاته التي راح ضحيتها رمزي الصغير ؟ لماذا يغيب الوعي والمسؤولية عن بعض النفوس؟ حسب شهادة أقران الطفل فإن الطفل صرخ «بابا…ماما» وهبّ لنجدته أصدقاؤه الصغار فقط لكنهم لم يستطيعوا إنقاذه من مخالب المجرم؟.
وإرتفعت على إثر هذه الحادثة المؤلمة الأصوات المنادية بسن قوانين تحمي الطفل من العنف ،فرمزي ليس سوى حلقة من سلسلة طويلة لأطفال تعرضوا لكل أشكال العنف ،فقد بتنا نلحظ طوابير من الأولياء ينتظرون أبناءهم عند عتبات المدارس خوفا من أن يصيبهم مكروه، وهو ما لم يكن معروفا من قبل ، فقد كان الطفل يذهب ويعود الى المدرسة في أمان وكل العيون تحرسه ، وهو ما فقده رمزي قبل وفاته للأسف؟
عقدت ندوات إعلامية تحلل وتبحث في أسباب هذه الظاهرة وإقتراح الحلول التي تدفع الى حماية الطفل ليعيش بأمان ، كما تتداول الفضائيات الجزائرية ومواقع التواصل موضة إشهارية مؤثرة :»طفولة بدون عنف بدون صمت» عنوانها «ماتسكتوش» و»أرفضوا إلى غير مقبول». بمعنى لا تسكتوا .
بسن القوانين بالتوعية والحملات الإعلامية يمكن ردع موجات العنف الإجتماعي ، فالبلد الذي لايأمن الطفل فيه على حياته يحتاج الى إعادة ترتيب أولوياته والنظر بعمق لإدراك الطفل لمعنى الإنتماء للوطن .

منى مقراني- الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية