ظاهرة بوتين

حجم الخط
1

تنظر الدوائر الغربية والقوى الداخلية المحسوبة عليها للرئيس فلاديمير بوتين، كشخصية غير مرغوب بها. وتشير الى تفريطه بالمبادئ الديمقراطية في روسيا وارساء نظام استبدادي جمع فيه السلطات في قبضته، وتكيل له تهما اخرى لم تبرهن عليها.
ولكن من السابق لأوانه الحديث عن بوتين بصيغة «كان» لأنه بدأ مرحلة جديدة في سيرته السياسية، التي سبق له أن بدأها عقيدا في الاستخبارات السوفييتية، وانتهت به لعرش الكرملين. بوتين بدون مبالغة، شخصية تاريخية ترمز الى بروز مرحلة تاريخية في بحث الأمم عن استحقاقات سيادتها، على خلفية الزعم الامريكي/ الغربي بدوره الرئيسي في ان يكون اللاعب الرئيسي على الساحة الدولية وتحقيق مشاريعه ومصالحه، لأنه حسب رؤيته انه يعرف ما يصلح للامم الاخرى، بما في ذلك ترحيل النظام الديمقراطي الغربي لتلك الدول. وضمن هذا السياق تطرح «البوتينية « نسقا آخر يرى ضرورة مساعدة الدول النامية والتفاعل معها للتأسيس الديمقراطي، أي الأخذ بالاعتبار ظروفها وهويتها الثقافية وشخصيتها القومية، وهذا ما يطبقه بوتين فعلا على روسيا.
لقد شهد التاريخ ظهور شخصيات عليها اجماع وطني، تلوح هذه الشخصيات في الوعي الاجتماعي او ما يسمى الرأي العام، انها شخصيات المرحلة احيانا بالادعاء واخرى بالفعل، وإذ نستعيد التاريخ البشري يمكننا العثور على قادة تبنوا عملية الانتقال النوعي للأمم وتحقيق مصالحها وترقيتها لمراحل افضل. وزعامات أخرى بقيت عند حد المزاعم والادعاء بتاريخيتها وكونها الزعامة الضرورة، والعالم العربي غني في تاريخه الحديث بمثل هذه الزعامات الملفقة تاريخيا، استعملت العنف والإبادة والديكتاتورية اسلوبا للبرهــــنة على دورها التاريخي المزعوم باستجابتها لمطالب الجماهير ومتطلبات الأمة في مرحلة تاريخية دقيقة. وترفع القيادات التاريخية عادة شـــعارات وتضــــع برامــــج، تتحقــــق او لا تتحقق، لكنها تتلاءم وتطلعات الجماهير وخطابها. علما بأن تلك البرامــــج والشعارات التي تضعها القيادات، ربما لا تنحصر في الوعود بالرفاهية الاقتصاديـــة وحسب، وانما بتحقيق تطلعات الأمة في استحقاقات كرامتـــها واســـتقلالها وصيانة هويتها وحقوقها القومية. ان الزعيم في هذه الحالة، يعبر عن احلام الامة وتقديراتها، وليس بالضرورة انه سينفذ تطلعاتها ويوصلها الى الجنة الموعودة.
وليس من الصحيح القول ان بوتين يحظى بتقدير عال مطلق من كافة الاوساط الروسية، فهناك موقفان واضحان منه. المعسكر الكبير بالتأكيد يقف لجانب بوتين حيث أظهرت آخر استطلاعات للرأي أن نسبة اكثر من 80 بالمئة تثق به. وينضم لهذا المعسكر كافة مؤسسات الدولة وحكام الاقاليم واجهزة الاستخبارات والقوات المسلحة وقطاعات سياسية واجتماعية واسعة ودوائر من المثقفين. وترى كل هذه الدوائر ببوتين الشخصية التي استجابت لتطلعات روسيا بالخروج من حالة الفوضى وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي وغياب الامن والاستقرار، وفقدان مواقعها على الساحة الدولية التي سادتها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. ورغم ان بوتين لم ينجح لحد الان في إحداث نقلة نوعية في الوضع المعيشي للشرائح العريضة من المواطنين، ولم تجتث في عهده مظاهر الفساد الحكومية، ولم تنخفض معدلات الجريمة، ولم تتحسن لدرجة مقبولة الخدمات الاجتماعية، ومازالت قطاعات عريضة تعيش على حافة الفقر، ولم يتحرك الانتاج بالمستوى المطلوب، الا ان ثمة اجماعا ملموسا بان سكان روسيا ينظرون لبوتين على انه «قائد الامة». ويبدو أنهم سلموه من دون قيد وشرط مقاديرهم وقيادة البلاد ومنحوه صكا بدعم كافة قراراته. كأنهم يثقون ليس بصحتها وحسب وانما بنزاهتها.
فبوتين نجح في كسب ثقة المجتمع الروسي، لانه أسس له صورة ما يسمى بزعيم المرحلة التي تستجيب لتطلعات الناس، الى جانب ذلك فثمة دوائر بروسيا ترى أن بوتين شخصية استبداديـــة تتميز بالسرية التي لا يمكن التكهن بقراراتها، جمع كافة السلطات بيده وأقام نظام حكم تسيطر عليه مجموعة محددة من الناس المخلصين له، وأجهز على المنجزات الديمقراطية وفعــــّل دور أجــهزة الامن لملاحقة المعارضـــة بكافة اشكالها، وارسى قواعد لعبة ديمقراطية شكلية، ولكنها تكرس السلطة لمجموعته التي يطلق عليها مجموعة لينيغراد.
واثار بوتين روع الدوائر الغربية، التي ترى ان بوتين ينتهج سياسة مستقلة جدا، وانه يمضي بانعاش القدرات العسكرية الروسية ويرسخ نفوذ موسكو في مناطق اقليمية جديدة ويتجاسر على معارضة الكثير من الخطط الغربية، ويمسك ورقة الطاقة لتحقيق أهداف سياسية.
وتتطلع أوساط الرأي العام الغربي بهلع الى اقتراب المقاتلات الاستراتيجية الروسية الى تخوم الاجواء الغربية، وتوجيه الصواريخ النووية الى اوروبا ردا على نشر اجزاء الدرع الصاروخي. ويظهر أن نذر حرب باردة قد لاحت في الافق القريب.
ومن السابق لأوانه الان الحديث عن بوتين بصيغة « كان» فانه الان يبدأ مرحلة جديدة في سيرته السياسية لم تتضح معالمها. ان «البوتينية « ترى ان روسيا مستهدفة من قبل الغرب، وبرأيها ان الولايات المتحدة الامريكية، التي تقود الغرب، لا تريد أن تكون روسيا لاعبا مستقلا، وله حضور خاص في الساحة الدولية، وأن القرار الاخير للولايات المتحدة الامريكية. وترى ايضا ان واشنطن استغلت الازمة في اوكرانيا لاستخدامها كوسيلة للضغط على روسيا وإضعافها اقتصاديا وتشديد المواجهة العسكرية معها. وجاء الرد الروسي سريعا، حيث سارعت روسيا الى توسيع جبهات المواجهة مع الغرب، بافتتاح قواعد عسكرية في العديد من الدول البحرية، بما في ذلك امريكا اللاتينية وسواحل البحر الابيض المتوسط، وتعزيز علاقاتها مع الدول الاقليمية النافذة في جنوب آسيا والشرق الاوسط، وبرهن بوتين بسياسته ان واشنطن لم تنجح في عزل روسيا، وان دورها وصوتها مازال مطلوبا.
ان تقدير شخصــــية الرئيس بوتين ينبغي أن تتم بالنسبة للعالم العــــربي من خلال مدى استجابة منطلقاته وفلســـفته الســـياسية لمصالحنا وتحقيق ســـيادتنا وحقوقنا المشروعة ومكانتنا في السوق الدولي ودورنا في المســـاهمة في صياغة القرار الدولي.

٭ كاتب من العراق مقيم في موسكو

د. فالح الحمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية