ظاهرة عودة البورقيبية: التونسيون ورحلة البحث عن الزعيم والأب

حجم الخط
5

تونس ـ «القدس العربي»: في وسط العاصمة التونسية وتحديدا في شارع الحبيب بورقيبة تتواصل الأشغال من أجل إعادة تمثال الرئيس الأسبق لتونس الزعيم بورقيبة الذي أزاله زين العابدين بن علي، وذلك لإلحاقه بمجسم الساعة الشهيرة وسط الشارع الرئيسي، في خطوة أثارت جدلا كبيرا في تونس بين مرحب ومنتقد نظرا إلى الكلفة المالية الباهظة لمشروع نقل التمثال من منطقة «حلق الوادي» في احدى ضواحي العاصمة. في الوقت الذي أقامت فيه أيضا مدينة المنستير الساحلية الواقعة في وسط البلاد (مسقط رأس الزعيم بورقيبة) نصبا تذكاريا جديدا يخلد ذكرى الرئيس الأول للجمهورية التونسية.
فما هي الدلالات الاجتماعية لهذه الظاهرة، وهل يبحث التونسيون عن «الطوطم» أو «الأب» في خضم التحديات العصيبة التي عرفها المسار الانتقالي في بلادهم؟
يرى الباحث التونسي في علم الاجتماع هشام الحاجي ان الحبيب بورقيبة هو أول المستفيدين من زلزال 14 كانون الثاني/يناير 2011. فقد عاد إلى صدارة المشهد واضحى محل اهتمام الجميع و»الملاذ» الذي يقصده الباحث عن الشرعية والساعي إلى الانتصار للحداثة، وتحول أيضا إلى الهدف الذي يوجه إليه الناقدون لتجربة الدولة الوطنية سهام نقدهم اللاذع. ويتابع مضيفا:»لقد أعاد الأبناء الجد، في الوقت الذي أرادوا فيه قتل الأب ووقعوا في شرك مكر التاريخ الذي لا يؤمن كثيرا بالقطيعة .. والذي يعشق كثيرا تداخل الأزمنة واختلاط المراحل».

الطوطم والأب

ويرى الحاجي ان عودة بورقيبة ليست غريبة، فالتحولات التي تعيشها تونس خلقت حالة من الارتباك التي حتمت البحث عن نقاط تبعث شيئا من الإطمئنان، وأوجدت حاجة إلى العودة للماضي القريب، باعتبار ان الذين احتلوا صدارة المشهد كانوا في أغلبهم من الذين لهم «ثأر ايديولوجي» من الحبيب بورقيبة واعتبروا انهم لم ينتصروا على زين العابدين بن علي بقدر ما أطاحوا بورقيبة. فكان ان وجد بورقيبة نفسه في قلب الصراع الايديولوجي لتونس ما بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011. و لم تكن عملية استرداد الحبيب بورقيبة صعبة وعسيرة، لأن الرجل قد هيمن على القرن العشرين الذي لا يمكن فهم ما تركه من أثر على التونسيين دون الوقوف عند دور بورقيبة، هذا دون ان ننسى ان شغف العرب بالماضي يجعل ما مضى يكون في تصورهم أفضل من الآتي.
ويضيف محدثنا قائلا: «من هذه الزاوية أرى ان عودة بورقيبة عادية وان كان حصرها في الجانب السياسي فقط قد «استنزفها» وأفقدها الكثير من الامكانيات أو أضعفت من رمزية بورقيبة. وأما جدل «التماثيل» فهو دليل على الافراط في التوقف عند القشور على حساب الجوهر، لأن حضور أثر بورقيبة في الساحات العامة مهم ومفيد والمأمول ان تكون هناك تماثيل لشخصيات أخرى ما دام ذلك مظهر من مظاهر جمالية المدن ومحفز للذاكرة واسهام في بناء الهوية.
ولفت الباحث الاجتماعي إلى ان صفات البداوة وتزييف الفكر قد طغت على كيفية التعاطي مع بورقيبة. فالبعض يحوله إلى «طوطم» يقدسه ويحتمي خلفه حتى لا يخوض معركة البناء وابتكار حلول جديدة للتفاوت الصارخ بين الجهات والفئات، أو للتأكيد على حقوق المرأة. والبعض الآخر يفكر في «قتله» معنويا» دون الوقوف عند طبيعة الأخطاء التي ارتكبها. وهذا يعني – حسب محدثنا- غياب المنطق النسبي والكسل الذهني والعجز عن الاحتفاظ للرموز بموقع ينأى بهم عن تجاذبات اللحظة وهو ما سيفقد بورقيبة الكثير من وجاهته ويمثل شكلا من أشكال تبديد الرأسمال الرمزي وهدره وهو ما يمثل تأكيدا على ان الهدر هو ميزة مجتمعاتنا.

الصراع على الهوية؟

من جهته اعتبر الصحافي والكاتب التونسي عمار عبيدي أن تاريخ المنطقة – كما هو حال أغلب بلدان العالم الثالث- ليس مكتوبا بشكل علمي، بل شهد طمسا ممنهجا لشخصيات مهمة ورموز قدمت الكثير. ويضيف في حديثه لـ «القدس العربي»:»لذلك من المهم التأكيد على حتمية إعادة قراءة هذا التاريخ وبالتالي إعادة تقييم الكثير من الزعامات وإعطائها مكانتها التي تستحق». وقال ان الخلاف حول طريقة تثمين مسيرة بعض الشخصيات وهل تتم عبر النصب التذكارية والعلامات البدائية مثلما تفعل السلطات التونسية اليوم مع تماثيل الرئيس الأول للجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة أم عبر قراءة علمية ومنهجية لتاريخ هذه الزعامات، تمكن الأجيال الجديدة من فهم كافة التفاصيل عن تاريخ وطنهم وزعمائهم دون تشنج ولا صراع «هوياتي» يغيب الحقائق المهمة على حد قوله.
ويعتبر الكاتب ان ما فعلته السلطة التونسية اليوم من إعادة النصب التذكارية للرئيس السابق الحبيب بورقيبة ليس سوى إعادة لثقافة الفشل الثقافي التي تكتفي بتبييض الواجهة دون خوض حوار تاريخي حقيقي يعطي الصورة الحقيقية التي ترسم علاقة صلح بين المواطن وتاريخه. ويضيف ان هذه الحركات الاستعراضية هي إشارات سيئة لشرائح واسعة من التونسيين تذكرهم بسياسات النظام السابق في الاتصال وتعيد إلى الأذهان مراحل مظلمة من التاريخ. ودعا العبيدي السلطة التونسية إلى التوقف عن اجترار الأخطاء والتركيز على الطرق العلمية في التعاطي مع المعطيات والشخصيات التاريخية. ولعل رئاسة الجمهورية والأطراف السياسية المحسوبة على الفكر البورقيبي هي أول المطالبين بالكف عن مثل هذه الممارسات التي تسيء لبورقيبة أكثر من تكريمها له على حد قوله.

توثيق للذاكرة

في المقابل يرى الكاتب السياسي والأمين العام للمعهد العربي للديمقراطية ماجد البرهومي في حديثه لـ«القدس العربي» أن بورقيبة عاد إلى الظهور في تونس وأصبح بطل الرواية الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس بسبب فشل الطبقة السياسية التي برزت بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011 في تلبية رغبات التونسيين وتحقيق طموحاتهم. ويضيف «لقد عاد البعض إلى الموروث البورقيبي لعله يجد الوصفة السحرية من هذا المأزق الذي توجد فيه البلاد. فيما ذهب البعض الآخر إلى البحث أيضا في هذا الإرث لعله يجد ما يمكن أن يحمل به بورقيبة المسؤولية على تردي الأوضاع التي وصلت إليها تونس».
وفي رأي البرهومي لو نجحت الطبقة السياسية الحالية في النهوض بتونس خلال السنوات الخمس الماضية ما كان الزعيم بورقيبة ليعود إلى البروز بهذه القوة في المشهد السياسي المأزوم. فهناك شعور عام بالإحباط واليأس في الشارع التونسي وهو يرى البلد يصيبه الوهن ومكتسبات دولة الإستقلال تستهدف عوض المحافظة عليها وتدعيمها ثم البناء عليها لاحقا ويغيب المنقذ أو المهدي المنتظر الذي اعتادت عليه الذهنيات في المجتمعات العربية الإسلامية التي لا تؤمن في معظمها بالمؤسسات باعتبار أصولها القبلية البدوية التي تعيش في كنف شيخ العشيرة القوي ذي السطوة الذي غاب عن تونس في السنوات الأخيرة، فكان بورقيبة هو الملاذ بالنسبة للبعض.
أما فيما يتعلق بقضية التماثيل فيعتبر ماجد البرهومي أن إقامة التماثيل، من حيث المبدأ، هي شكل من أشكال التوثيق للذاكرة الوطنية مثل التدوين وإقامة المتاحف وغيرها، وقد دأبت الشعوب منذ القدم على التوثيق لذاكرتها بمختلف الوسائل، ولولا التوثيق لما كان هناك علم إسمه علم التاريخ على سبيل المثال. كما أن إقامة التماثيل والنصب التذكارية هي شكل من أشكال التثقيف للمواطنين والمساهمة في جمالية المدن والعناية بالمحيط خصوصا في بلد مثل تونس يعاني من تراجع في خدمات النظافة والعناية بالبيئة والبنى التحتية.
لكن، وبحسب البرهومي، فإن هذا الأمر لا يعتبر أولوية في تونس في الوقت الحاضر، أما إذا أصر البعض على إقامة التماثيل للزعيم بورقيبة من المال الخاص لبعض المبادرين مثلما حصل في مدينة المنستير فلا ضير في ذلك. أما إذا كان التمويل من خزينة الدولة ومكلفا فيجب الإلتفات إلى أمور أكثر أهمية، ولن يمس هذا من قيمة الزعيم الحبيب بورقيبة في قلوب التونسيين كقائد لإحدى حركات التحرر في العالم وكبان لدولته بعد استقلالها.
ويضيف: إلى حد الآن لا علم لنا بمصدر التمويل بالنسبة لتمثال شارع الحبيب بورقيبة، ولا بكلفته، لذلك لا يمكن الحكم إيجابا أو سلبا على الأشغال التي تحصل اليوم في الشارع الرئيسي للعاصمة. وكل ما رشح من أنباء عن كلفته الباهضة والأرقام الخيالية التي تم الحديث عنها والتي بلغت بحسب البعض قرابة الـ 650 ألف دينار، أعتقد أنها تجانب الصواب، لأن التمثال موجود في منطقة حلق الوادي وكل ما سيحصل هو إرجاعه إلى المكان الذي أزيل منه بعد الإطاحة بالرئيس بورقيبة في 07 تشرين الثاني/نوفمبر 1987.
ويختم قائلا: «هناك شخصيات أخرى بخلاف الزعيم بورقيبة يمكن أن نقيم لها تماثيل أيضا لنعرف بها وتكون مصدر عزة وفخر للتونسيين أمام ضيوفهم الأجانب وداخل ذواتهم، الأمر الذي يساهم في ترسيخ الثقة بالنفس لدى التونسي وبقدرته على الإنجاز. فالقائد القرطاجي حنبعل أو هنيبعل صاحب الرحلة الشهيرة إلى روما والذي حاصرها لقرابة العقد من الزمان بحاجة إلى نفض الغبار عنه، وكذلك عالم الجينات والزراعة القرطاجي ماغون الذي اعتمدت مدونته من قبل الإغريق والرومان، وكذا الرحالة القرطاجي حنون الذي أوصل مجد قرطاج إلى تخوم خليج غينيا وساحل العاج. كذلك هناك شخصيات هامة في التاريخ الإسلامي لتونس على غرار القاضي أسد بن الفرات فاتح صقلية زمن الدولة الأغلبية، وهناك شعراء مثل الحصري القيرواني وابن رشيق وأيضا الطبيب ابن الجزار والعلامة ابن خلدون الذي أقيم له تمثال في قلب العاصمة، وصولا إلى خير الدين ومن معه من المصلحين في مرحلة الحركة الإصلاحية في القرن التاسع عشر. وهناك أيضا شخصيات قاومت المستعمر مثل الدغباجي ومصباح الجربوع والأزهر الشرايطي وصالح بن يوسف وعبد العزيز الثعالبي وغيرهم إضافة إلى الزعماء النقابيين مثل فرحات حشاد ومحمد علي الحامي وغيرهم/ فتونس تزخر بالعظماء وهي بحاجة لفهم ماضيها لبناء حاضرها والإنطلاق بثبات نحو المستقبل.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية