بيروت ـ «القدس العربي»: قبل ساعتين ونصف الساعة من موعد لقائها مع الجمهور في جديدها المسرحي «الست نجاح والمفتاح» كان العشرات من اللبنانيين يسقطون بين شهيد وجريح في تفجيرين إرهابيين، عاندت الحزن، وأتى الجمهور معتبراً أن امتناعه هزيمة مضافة. كتمت عايدة صبرا مشاعرها لتنصهر مع نصها ودورها. تراجيديا الدم والموت كانت تخيم على برج البراجنة، وفي الوقت نفسه فتحت الممثلة والكاتبة والمخرجة عايدة صبرا تراجيديا الواقع اللبناني المتردي على كافة المستويات.
أطلت صبرا بنجاح في الموسم المسرحي السابق كاتبة، ممثلة ومخرجة في مسرحية «من الآخر»، متصدية لأزمات منتصف العمر لدى النساء. هذا العام قررت إحياء شخصية «نجاح» بعد عشرين عاماً من تقديمها على شاشة تلفزيون «المستقبل» في مسلسل رمضاني حمل عنوان «حلونجي يا إسماعيل». تلك الشخصية الشعبية دلّت على التماهي الكبير للجمهور معها. والسبب أنها تمثل الشخصية البيروتية الحقيقية والصادقة. ومنذ 20 سنة وناس المدينة يسألون «نجاح» متى تعود؟ ها هي «الست نجاح والمفتاح» على الخشبة في ساعة ونصف الساعة من الزمن عالقة في علبة المصعد، ومعها كافة أزمات لبنان معلقة. أما سكان البناء الذين يشكلون صورة مصغرّة عن الوطن الذي يضمنا، فاصطادتهم جميعهم جورة «الخ…» في الطريق، وفُكت رقابهم.
عايدة صبرا شخصية فنية ديناميكية وحيوية، صوتا وحركة ونصاً. طينة نادرة من ممثلات المسرح نظراً لقدرتها على أسر المتلقي. تشغل الخشبة، وحيدة كانت أم مع آخرين. هي حالة مسرحية قائمة بذاتها، سواء في شخصية المرأة في منتصف العمر، حيث شكلت تجمعاً نسائياً كاملاً، أو في شخصية «الست نجاح» حيث هي ضمير ينطق بما هو صائب ومحق. «الست نجاح» التي علقت في المصعد رغم أن الكهرباء في بيروت 24/24 منذ ما يفوق الـ40 سنة، تتسمّر مكانها لأكثر من يوم. الناطور في خبر كان، وبالكاد يتذكر اسمه، ورئيس لجنة البناء مشغول بتلميع صورته لمستقبل سياسي يرسم له بانتهازية معهودة في مجتمعنا. في ذاك الحي المكتظ تنعى «الست نجاح» الشجر والعصافير، «صاروا مرسومين عالحيطان ريحونا من الزقزقة، صوت الموتوسيكلات أحلى». تقصد عملها في الصباح، فيتوقف المصعد. من داخله تخوض حضورها المسرحي الجديد. حضور يستحوذ على المتلقي لأنها تمثل من أخمص قدميها حتى آخر شعرة في رأسها. ولأنها صاحبة النص، تتلذذ بكل كلمة فيه، بدت معجونة بنصها وهو معجون فيها. من سجنها السعيد الذي جرّبه المئات في لبنان «المصعد»، ومات في داخله كثيرون أيضاً، تطلق «الست نجاح» بهدوء نظرياتها التحليلية وتقييمها للبشر. النكتة المرّة حاضرة في جملتها. الدولة لا يُعلى عليها «ما في متلا». وسكّان المبنى هم النموذج المطابق للمواصفات اللبنانية العامة والسليمة بالـ»تعايش». «الست نجِاح» رمز المدينة وقلبها الكبير الذي يرأف بالجميع، ينأى الجميع بنفسه عنها في محنتها، والتبرير فاضح. «الست نجاح» هي النقاء الذي كان لبيروت في ماضيها، والحاضر هو الأنانية حتى الثمالة. ليس عند تلك الحدود يقف التعامل السلبي مع «الست نجاح» الخدومة، بل تتحول لفأر اختبار من قبل جهة ما. جهة تهدف لتعويد الناس الاستسلام من دون اعتراض، واعتياد أزمات حياتهم بتصديق مورفين الكلام. هكذا يقول الجميع لذاك الكائن العالق في المصعد «راجعلك ست نجاح».
في عرضها المسرحي هذا لم تهدف عايدة صبرا فقط لتسلية المتفرجين لساعة ونصف الساعة من الزمن، إنما وضعت بين أيديهم سلة أزماتهم المترامية من كهرباء، وماء، ودواء، وطرقات وغيرها. لم تبلغهم أن «النق» لا ينقذهم، تركتهم لهمتهم في إدراك ذلك. ولم يفت «الست نجاح» «وخز ولكز» المنظر اليساري كثير الكلام، قليل الفعالية. وكذلك الإعلام الباحث عن «الرأي العام لهزه» حتى في استغلاله أزمة «الست نجاح» داخل علبة المصعد. وكما تمكنت شخصياً من إطلاق مواجع ذاتها، تمكنت في الوقت عينه من وضع شخصيات عرضها كل في مكانه الصحيح، وكل ضمن حركته المحسوبة جيداً سواء في المبالغة، أو المعادلة العادية. هم شكلوا مجموعة جيران يليق بهم وصف «حركة دون بركة»، وهذا المطلوب. يدور الناطور ويلف، ليكتشف في نهاية المطاف المفتاح في جيبه. من المؤكد بهذه الخفة يتعامل المسؤولون في لبنان مع الناس.
عايدة صبرا تعالج ذاتها وتعالجنا بالمسرح الإنساني المرهف الذي تختاره، لا يحبطها الحال السائد. ربما في افتتاح مسرحيتها الجديدة «الست نجاح والمفتاح» كانت في قمة الأسى لما حدث قبل ولوجها إلى المسرح بوقت قصير. وهذا ما بدا على محياها أثناء تحية الجمهور، فلم نلتقط منها حتى نصف ابتسامة، ظلت واجمة، ومن دون شك قدرت جيداً تفاعل الجمهور معها بالتصفيق أكثر من مرة خلال العرض.
«الست نجاح والمفتاح» على خشبة المركز الثقافي الروسي حتى 12 كانون الأول/ديسمبر المقبل من تمثيل عايدة صبرا، هاني الخطيب، باسل ماضي، إيلي نجيم، سهى نادر وعبد الرحيم العوجي.
زهرة مرعي