بغداد ـ «القدس العربي»: من الكتاب الذين اهتموا بالكتابة للمسرح، وبقي المسرح لديهم من أهم ما يمكن أن يبدعوا فيه، على الرغم من المسلسلات الرائعة التي قدمها للتلفزيون مثل «حكاية الثلاثة» و»الأيام العصيبة» المأخوذة عن رواية (البؤساء) لفيكتور هوغو وغيرها من الأعمال التي ما زالت في الذاكرة، إضافة إلى كتابة أعمال مسرحية كثيرة مثل «المسخ» عن رواية فرانز كافكا، وما زال مستمراً في الكتابة للمسرح خصوصاً، وللتلفزيون والإذاعة.
بدأ كاظم مع مسرحية «الطحلب» في العام 1962 وثمَّ «الكاع» التي كانت أولى مسرحياته التي ظهرت على خشبة المسرح عندما أخرجها بنفسه لمجموعة من منتسبي وزارة الشباب في العام 1971. وتناول في المسرحية الثانية علاقة الفلاح بأرضه التي يزرعها وبالإقطاعي الذي يمتلكها وفيها يظهر ميله للدفاع عن حق الفلاح ضد المغتصب. وكتب مسرحية «الطوفان» إعداداً من (ملحمة كلكامش) وأخرجها له إبراهيم جلال لطلبة فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة في العام 1966 فقد تناول بأسلوب أدبي متقدم الأسطورة برؤية تقترب من الفلسفة الوجودية مقسما المجتمع القديم إلى سادة وهم الكهنة وعبيد وهم أبناء الشعب.
عن مجمل أعماله وواقع ومستقبل المسرح العراقي، كان لنا هذا اللقاء مع الكاتب عادل كاظم:
■ إشكالية المسرح العراقي هي إشكالية النص- التأليف، لأن الملاحظ عليه أنه مسرح إعداد ماذا تقول في ذلك؟
□ هذه الملاحظة، ملاحظة النص الإعداد، تقودنا إلى إشكاليات أخرى في التعريف والتسمية. الإعداد قد يكون نقلاً عن نص قصصي، مثلاً، أو عن مسرحية تترجم إلى اللهجة العراقية بشكل ما، أو يكون النص عن موضوعة تاريخية، معدة بشكل درامي، كمصرع الإمام الحسين المعدة تاريخياً بشكل درامي، ولكن الأدوات الحقيقية في الإعداد تختلف من نص إلى آخر، فقد يكون هناك إعداد يصل بمكوناته الفنية والمعرفية إلى النص المؤلف، وقد يكون نوعا من الإعداد الهامشي البسيط الذي قد يؤذي المصدر الأصلي. فالإعداد يختلف من مكان إلى آخر، ومن معد إلى آخر، وهذا الاختلاف تابع للتجربة والثقافة التي يتمتع بها المعد… أنا؛ مثلاً، أعددت أعمالاً كثيرة، منها رواية «المسخ» لكافكا، مثلما أعددت رواية «المحاكمة» لأندريه جيد وجان لوي باروا بالاشتراك، وأعددت بعضاً من أعمال البير كامو وقصة ديستويفسكي «الصلاة إلى البتول»، فموضوعة الإعداد في بعض الأحيان ترقى إلى عمل فني كبير لأنها تختلف عن الجنس الآخر الذي أعد منه العمل، إذا كانت رواية أو قصة أو حتى قصيدة، فقد حاولت إعداد قصيدة سان جون بيرس «ضيقة هي المراكب»، لأنني وجدت في هذه القصيدة إمكانيات كبيرة قد يبدع الممثل فيها.
ولكن، قد نأخذ بشكل شمولي أن المسرح العراقي مسرح إعداد، هذا فيه شيء من التجني، فخمسة وسبعون في المئة في المسرح تأليف، وخاصة إذا سمينا بعض الأعمال الشعبية الجيدة، ولكن هناك بعض الكتاب كتبوا بتأثير نص آخر. لنأخذ مثلا المسرح الإغريقي أسخيليوس وسوفوكليس ويوربيديس واسطافاليس أعادوا كتابة أوديب، واختلف أحدهم عن الآخر شكلاً ومضموناً، ففي أسخيليوس كان النص يعتمد على ممثل واحد، ولكن يوربيديس وسوفوكليس طوراً هذا النص فأضافا ممثلين وحدداً فعالية الجوقة، وتغير الشكل العام للمسرحية من كاتب إلى آخر، مع بقاء المصدر واحداً.
فماذا نسمي هذا؟ هل هو مسرح إعداد؟ نعم المسرح اليوناني والإغريقي كله مسرح إعداد، لأنه نابع من الأساطير والحكايات الشعبية، فإن أخذنا الإعداد من هذا الجانب، فإنه يصبح حالة إبداعية. ولكن هناك حالات من الإعداد المسرحي يمكن أن نقول عنها إعدادات ساذجة، كما أخذ بعض الممثلين أعمال شكسبير وحذف بعض الشخصيات والحوارات، وقدمها على أنها شكل جديد.
■ مفهوم الإعداد مفهوم إخراجي بالدرجة الأولى، ما الذي يدفع كاتبا مثل عادل كاظم إلى إعداد نص آخر؟
□ أنا لم أعد نصاً مسرحياً، ولكني أعددت قصصاً، وهي جنس فني يعتمد السردية ولا يرتبط بالمسرح، وفي حال إعدادها يجب إجراء تغييرات كثيرة في السيناريو وفي الحوار حتى تصلح للمسرح، ويجب أن يحاول المعد في مثل هذه الحالة أن يصل بإعداده إلى مستوى القصة الأصلي، أو يتفوق عليه… فقد أعددت المسخ، والمنتقم عن تشيخوف، وبعض سيناريوهات غوركي وتولستوي، وأعددت البؤساء عن هيغو في مسلسل «الأيام العصيبة»… وبعيداً عن الإعداد، هناك كتاب مسرح حقيقيون في العراق أبدعوا في مجال التأليف إبداعات كثيرة.
■ كتبت الكثير من الأعمال التلفزيونية، لكن جميعها كانت ذات أجواء بغدادية، على الرغم من الخلفية الجنوبية لعادل كاظم، فلماذا لم تكتب عن البيئة الجنوبية؟
□ هنالك إشكالية يطرحها المخرجون والقيمون على التلفزيون، فقد كانوا يطالبوننا بأن نكتب باللهجة البغدادية لأنها اللهجة التي يفهمها كل العراقيين، فعندما تكتب باللهجة الجنوبية قد لا يفهمها الموصلي أو الكردي. وأعتقد أن هذه فرضية خاطئة، ولكنها فرضت علينا. ومع هذا كتبت أعمالاً بلهجة الجنوب، وتحديداً بلهجة أهل الأهوار، مثل مسلسل «زنابق المياه الراكدة»، وشخوصه من الأهوار وحاولت في بعض النصوص تنويع اللهجات واختلافها، كما فعلت في «حكاية المدن الثلاث».
■ صحيح أنك كتبت هذا المسلسل بلهجة أهل الأهوار، أو حسب التسمية السومرية لهم (المعدان)، لكن أجواء المسلسل على العموم لم تتغير، فقد بقيت الأجواء بغدادية فقط؟
□ صحيح جداً، هذا تابع للإنتاج، فالمواقع الخارجية والتصوير في المحافظات يحتاج إلى تكلفة إنتاجية كبيرة… فمثلاً، لدي مواقع في اسطنبول وفي الريف المصري، ولعدم قدرتنا الإنتاجية على السفر، اضطررنا لإعداد مواقع شبيهة لها هنا في بغداد.
■ لنعد قليلاً إلى المسرح، فمن الملاحظ عن تأليفاتك المسرحية الكثيرة، أنك ملتصق بالثيمات العراقية القديمة، وهذا ينسحب أيضاً على التلفزيون، ماذا يمثل العراق لديك هنا؟
□ قد أكون مبالغاً عندما أقول إن العراق ككيان اثني وثقافي وحضاري من الممكن أن تكون الدنيا فيه. والوحيد الذي لم يفهم العراق هم العراقيون، والعراق هو الأرض الوحيدة في العالم التي تمتلك أصالة حقيقية جمعت كل الثقافات. حتى بقع أرضه تختلف من شبر إلى آخر، فمن الجبال إلى الأهوار إلى السهول والتلال، فكأن الله جمع أجزاء العالم وقسمها على أرض العراق. أشعر بأن العراق كالجنة الموضوعة في قفص، ففيها التراجيديا والحب والحياة تتوالى وتعطي عطاءها وهي لا تبالي بما يحدث من كوارث ونكبات.. ولهذا أنا عاشق لهذه التشكيلة الغريبة بإيقاعاتها المتنوعة، ونغماتها المختلفة المرتبطة بانسجام هارموني كالسيمفونية العظيمة.
■ كانت شخصياتك متنوعة، كيف تمكنت من تقديم هذا العدد الكبير من الشخصيات مع الاهتمام بكل واحدة منها على حدة؟
□ حاولت أن أقدم الحياة العراقية بكل ما فيها من انتصارات وهزائم. ولم أترك حادثة إلا وعرجت عليها في أعمالي. مثلاً أخذت شخصية المومس واستعرتها من السياب وقصيدته عن «مومس العمياء».. أردت أن أقدم الوجه الآخر لتلك الشخصية. وكذلك شخصية اللص والشخصيات المنسحقة. والسبب يعود إلى أنني أنهل من الواقع والتراث العراقي شخصياتي وأقدمها بلا خجل لأنها تمثل الحياة برمتها.
■ وماذا عن السينما؟
□ أين هي السينما العراقية؟ حتى أدلو بدلوي فيها.. السينما العراقية لم تحقق شيئاً مهمّاً كما السينما المصرية وغيرها.. صحيح قدمنا بعض التجارب الجيدة لكنها قليلة وفردية مثل أفلام «نبوخذ نصر» و»سعيد أفندي» و»الحارس».
■ كان المسرح العراقي ما قبل سقوط النظام يعبر عن ثقافة الحاكم، فقد تحول المسرح إلى صالة رقص مستمر بعيداً عن الفن والذوق العام، وبقي منه نسبة ضئيلة جداً للمسرح الرصين والجاد الذي لم يلق نجاحاً، ولكن بعد سقوط النظام السابق ظهر مسرح جديد أراه بديلاً عن المسرح التجاري، وهو ما يسمى بالمسرح الديني الذي ظهرت بوادره الآن، كيف تنظر إلى كلتا الحالتين؟
□ في الزمن الشمولي، ولسبب ما، انتهازي ووصولي، كان النظام الشمولي يتحول من صورة إلى أخرى كالحرباء التي تغير جلدها. في مدة أغلق الملاهي والمرافق الترفيهية، فسربها إلى المسارح والبيوت، فهذا المسرح الذي يدعى بالمسرح التجاري، هو مسرح ترفيهي لمجموعة محدودة الثقافة والتلقي، وهي النسبة الأكبر، فتتواصل مع الأغنية والرقصة والنكتة البذيئة، وتوضع في كيس وتقدم كحلوى يتقبلها الكثيرون..
ولكن في الوقت نفسه لا ننسى أننا كنا نحارب من موقعنا، فكتب للنخبة المثقفة التي تطالبنا بالكتابة، وتخرج هذه الأعمال لتشاهد ليوم أو يومين فقط. والمسرح الآخر «التجاري» كان ينشر ثقافته عن طريق جميع وسائل الإعلام، فيداعب عقليات الأطفال ومن خلالهم يؤثرون على عوائلهم.
أما بخصوص المسرح الديني الآن، فهو مسرح وصولي أيضاً، وانتهازي بشكل جديد، ومن ثم لا يمكن أن تفرش المسرح الديني دائماً، من خلال مخاطبة الوجدان الإيماني عند العراقي، فبعد سنوات من هذا الحكم بدأ العراقي يعي ما يراه بشكل واضح، فلم تعد لعبة الإيديولوجيا السياسية أو الدينية أو الحزبية تنطلي عليه، لهذا، فمثلما انتهى المسرح التجاري سينتهي المسرح الديني مع زوال الأسباب التي من أهمهما وأولها الكبت الذي كان العراقي يعاني منه، بسبب قمع السلطات البعثية الحاكمة لكل شعيرة دينية، لكن بعد أن شبع العراقي الآن من هذه الشعائر وعرف أنه ممارسات خاصة سيبدأ كل شيء بالاضمحلال ليبقى المسرح الجاد هو السائد دائماً.
■ هل يمكن إقامة علاقة بين المؤسسات الأكاديمية، كالمعاهد والكليات الفنية والمسرح الخاص؟
□ لم لا، وليس الموضوع موضوع حوار، بل نحن من أين جئنا؟ نحن تخرجنا من مواقع أكاديمية . فالكتاب والمخرجون والممثلون تخرجوا في معهد وكلية الفنون الجميلة في معظمهم، وهم يحملون تراثهم الأكاديمي والعلمي بشكل أو آخر، حتى من اتجهوا للمسرح التجاري، فقد تخرجوا في المعاهد والجامعات، لكن الظروف هي التي دفعتهم لهذا الاتجاه.. كما أن الحوار موجود حتى مع من هم خارج الأكاديمية.
■ كيف ترى المسرح العراقي الآن، وهل هناك آفاق مستقبلية واقعية للنهوض بواقع المسرح؟
□ هناك فوضى في الرؤية، وهذا ما أدى إلى تعثر المسرح، وهذه الفوضى أثرت في كل المرافق.. نحتاج إلى عيون راصدة تدفع هذه العتمة التي أضاعت الأشياء.. وحتى المسرح تشرف عليه الأحزاب من خلال رصد الميزانيات، ولا يعرف اين تتجه قاعدته.
أنا لا ألوم أحداً، لأنني مثلاً لدي نصوص كثيرة، لم استطع أن أقدمها حتى الآن خوفا من الرقيب في زمن النظام السابق، والآن أيضاً لا أستطيع تقديمها لأن النص يحتاج إلى إنتاجية وتمويل غير موجود الآن، ولهذا نحاول نشر بعض النصوص هنا أو هناك لكي تقرأ لا أكثر.
صفاء ذياب