طالعتنا الأنباء يوم الثلاثاء الماضي عن اقتحام المسجد الأقصى بـ173 مستوطنا بمناسبة «عيد الغفران».. وبدأت الأحداث في مدينة القدس المحتلة مع منتصف هذا الشهر، وتوالت هجمات قوات الاحتلال ضد سكان المدينة المقدسة؛ شملت أحياءها والقرى التابعة لها، وأحدثت إصابات وأضرارا بالغة؛ وليست المرة الأولى التي تحدث بهذا المستوى من العنف المتجاوز للحدود.. والأقصى وهو يشهد موجات لم تتوقف من العدوان على يد جنود وجماعات الإرهاب والمستوطنين، وهو على هذا الحال منذ احتلال فلسطين عام 1948.. وكانت ذروتها في 1969، والهدف الواضح والمعلن هو تهويد المسجد الأقصى وصهينة المدينة المقدسة.. وتُقدَّم لذلك حججا عدة؛ أهمها التنقيب والبحث عن «الهيكل» المزعوم.
وتساعد شرطة الاحتلال في تسهيل مهام المعتدين والمهاجمين.. وكالمعتاد فرضت حصارًا مشددَا على الأقصى، ونشرت مئات من عناصر القوات الخاصة في محيطه وداخل المدينة القديمة.. في الوقت نفسه شنت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الفلسطينيين؛ بمن فيهم الأطفال. وخلال الاقتحام استمع المستوطنون إلى شروح ومعلومات تتعلق بذلك الهيكل المفترض.. وكانت كل الصحف وأجهزة الإعلام الصهيونية قد عرضت يوم الثلاثاء الماضي تعزيزات لقوات الاحتلال لتمشيط المدينة المقدسة، قبيل «عيد الغفران» وعيد الأضحى، وتوقع وصول آلاف المستوطنين والوافدين من يهود الخارج لزيارة حائط البراق (المبكى)؛ بمحيط المسجد العتيق.
وضراوة هذه الهجمات والإجراءات العدوانية والعنصرية بجانب تعبيرها عن قوة وبطش الاحتلال فهي كاشفة لضعف وعجز النظام العربي المغيب… وجرائمه المتتالية في تمكين حملات الغزو والعدوان، وشرعنة مخطط «التدمير الذاتي»، الذي ارتفعت وتيرته في السنوات الأخيرة.. وما له من دور في تحويل المجهود السياسي والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي والإعلامي لدول المنطقة؛ تحويله إلى رديف يعزز المجهود الصهيوني والغربي.. فتلاشى الجهد العربي والإسلامي والإنساني المقاوم!!. وفقدت المنطقة إرادتيها الوطنية والقومية…
وحين كانت الصراعات البينية محصورة بين نظم الحكم، في ما قبل حقبة الاقتتال العربي ـ العربي؛ وقتها كان النظام العربي بكل ما فيه من قصور قادرا على اتخاذ الموقف الممكن، وضبط صراعاته، ولو مؤقتا.. وكثيرا ما اتخذ مواقف «الحد الأدنى» للحد من المخاطر أو العدوان، الذي يقع أو يحتمل وقوعه من جانب الدولة الصهيونية أو من مؤسسيها الأوروبيين والغربيين!..
وكان ذلك واضحا بشكل مبكر حين وقعت الغارة الأولى على غزة عام 1955، وسقط فيها عشرات الشهداء والمصابين المصريين والفلسطينيين.. وكانت غزة وقتها تحت الإدارة المصرية، وكانت قوات الاحتلال البريطاني ما زالت رابضة في قواعدها على ضفتي قناة السويس؛ تفصل بين وادي النيل عن سيناء وفلسطين.. وترتب على هذه الغارة أن اتجهت مصر إلى كسر احتكار السلاح؛ فقد رفضت لندن وسوفت واشنطن وأُغلِقت أسواق باريس في وجه الجمهورية المصرية الوليدة.. وكانت تلك هي العواصم الكبرى التي تبيع السلاح لمصر.. واختمرت فكرة كسر احتكار السلاح أثناء المؤتمر الأسيوي الافريقي في باندونج 1955 ولعبت الهند والصين مجتمعتين دورا محوريا في تحويل البوصلة المصرية أنذاك نحو الشرق!!
وتسارعت ردود الأفعال الوطنية والقومية، وهذا سمح بهبة شعبية كبرى تساند مصر في مقاومتها للعدوان الثلاثي 1956.. وأدى لقيام الوحدة المصرية السورية.. وحتى بعد الانفصال ورغم حرب اليمن في أعقاب ثورته في 26 سبتمبر 1962 استجاب الملوك والحكام العرب لدعوة مصر ولبوا نداء الجامعة العربية في دعوتها لعقد أول قمة عربية؛ تتصدى لمخطط تحويل مياه نهر الأردن بالقاهرة في يناير 1964، وتبعتها قمة ثانية بالإسكندرية في سبتمبر من نفس العام.. وتمحورت قراراتهما على وقف المخطط الصهيوني، وتشكيل القيادة العربية الموحدة، وتأسيس جيش التحرير الفلسطيني، وإقامة منظمة التحرير الفلسطينية.. واعتمد ذلك وغيره على التأثير المصري، ودور القاهرة الطليعي في تبنيها ودفاعها عن قضايا الأمة العربية.. ووضع القضية الفلسطينية في موقعها الصحيح باعتبارها قضية العرب الأولي.
وثبت بعد هزيمة 1967 أن النظام العربي قادر على تعزيز صمود الدول التي أضيرت من الحرب.. وقدم دعمه لجهدها في إعادة بناء قواتها المسلحة وإزالة آثار العدوان.. وتجسد ذلك في مؤتمر القمة بالخرطوم (أغسطس 1967) ولاءاته الشهيرة؛ لا تفاوض.. لا صلح.. لا اعتراف.. لا تفريط في حقوق الشعب الفلسطيني. وقراراته الخاصة بدعم الدول العربية التي توقف بعض مواردها بسبب العدوان وتمدده حتى سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان، وتقديم العون المالي لمصر وسوريا والأردن وفلسطين. وهناك أمثلة كثيرة عن العمل الجماعي العربي؛ لا يتسع المجال لحصرها.
ومع هبوب رياح الهزائم السامة عقب إهداء السادات نصر 1973 العسكري لواشنطن مجانا.. وتضافرت معها حقبة النفط، وما ترتب عليها من إذعان أنور السادات للشروط الأمريكية، التي لم تستطع فرضها عقب هزيمة 1967.. واستسلم السادات بالكامل لها في خطابه أمام الكنيست الصهيوني في نوفمبر 1977.. وقدم تنازلاته المهينة في مباحثات كامب ديفيد وما أعقبها في «معاهدة السلام» المصرية الصهيونية.. وكانت اخر صور العمل العربي المشترك مؤتمر بغداد 1978؛ بعدها أصيب النظام العربي بغيبوبة؛ يعاني منها حتى الآن.. وألغى النظام العربي نفسه بنفسه؛ وبقي مثل «خيال المآتة» ينتظر المشروعات المؤمركة والحلول المصهينة.. حتى وصل إلى ما هو فيه من عار.
بعد رسالة السادات السرية إلى كيسنجر في اليوم الثاني لحرب 1973.. وإعلان سياسة «السداح مداح» 1974.. ودخول مفاوضات فك الارتباط الأول في 1975 مرورا بخطابه في الكينست، وما تلاه من توقيع «معاهدة السلام» المصرية الصهيونية» وبدأت التنازلات الفلسطينية.. ومقارنة خطاب ياسر عرفات «أبو عمار» أمام الأمم المتحدة في نوفمبر 1974 بخطاب محمود عباس «أبو مازن» الأخير أمامها؛ سوف يتأكد من شطب الأهداف والثوابت الوطنية الفلسطينية، ومن تراجع آليات ووسائل الكفاح الفلسطيني. كان الخطاب الرسمي يتمسك بوحدة التراب الفلسطيني وقيام الدولة الديمقراطية الموحدة على كامل التراب الفلسطيني، ويقر الخطاب الحالي بدولة فلسطينية على 22٪ من مساحة فلسطين التاريخية؛ إفراط في التنازل، ينافس تفريط السادات بتسليم واشنطن كل الأوراق السياسية، وهذا يمثل التزاما بتنازلات أوسلو؛ وهي المعادل الصهيوني لكامب ديفيد ووادي عربة، والاعتماد على التفاوض من أجل التفاوض، وبه تحقق تل أبيب ما فشلت من تحقيقه في ساحات القتال وحين كانت هناك مقاومة ومقاطعة.
وفي الوقت الذي تحولت فيه بوصلة الرأي العام الغربي في اتجاه يعادي العنصرية الصهيونية.. ووجهت المقاطعة الأهلية الأوربية والغربية ضربات موجعة للدولة الصهيونية.. نجد أن الشغل الشاغل للعرب هو الاقتتال البيني (العربي – العربي) والأهلي (الداخلي)، وإشعال نيران العنف المذهبي والاقتتال الطائفي.. وبالنتيجة أعطى العرب ظهورهم لقضاياهم المصيرية.. متنازلين طواعية عن كل حقوقهم.. ولما كانت هذه أحوالهم.. فهم أعجز من أن يقدموا شيئا للأقصى، وإلا عليهم وقف معاركهم، وتحييد صراعاتهم ولو مؤقتا؛ فيتمكنوا من استرداد بعض إرادتهم واستعادة جزء من وعيهم الغائب.. ساعتها ستحقن الدماء، ويجدون وقتا للتفكير في الأقصى وإنقاذ مصيرهم المهدد إذا ما تم تهويده. وكما فتحت الدولة المصرية باب التنازلات وتسببت في تلك التداعيات، عليها أن تكفر عن تنازلاها.. وتعيد النظر في «اتفاقية السلام» وتدعو لقمة عربية استثنائية؛ عنوانها المسجد الأقصى والبحث في سبل إنقاذه.. وإلا فإن الوجود العربي نفسه إلى زوال.. فهل هناك من يستجيب؟ أم نقول كما قال الشاعر عمرو بن معدي كرب بن ربيعة الزبيدي ( 525 ـ 642 م):
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نار نفخت بها أضاءت
ولكن أنت تنفخ في رماد
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب