هل يمكن قراءة رواية علي بدر الأخيرة «عازف الغيوم»، منشورات المتوسط 2016، التي تتحدث عن محنة موسيقي عراقي، وفقاً لخلفية موسيقية، وبكلام أدق هل يمكن استقراء أثر تشكيلٍ موسيقي في بنية العمل؟ بهذا الصدد يمكن استحضار ما ذكره غارسيا ماركيز، في مقال له بعنوان «سوناتا بريئة»، من تأثير الموسيقى على بناء رواياته، يقول: «كانت أكبر المفاجآت بالنسبة لي مع الموسيقى، ما حدث في برشلونة عندما زارتني مجموعة من الموسيقيين الشباب بعد ان قرأوا رواية «خريف البطريرك» التي تبدو بنيتها ـ وفق قولهم ـ مستوحاة من حفل البيانو الثالث لبيلا بارتوك (موسيقي مجري). وكانوا يحملون تصورات معبّرة لاحت لهم قاطعة. لم أفهمهم بطبيعة الحال، ولكن أدهشتني الصدفة لأنني طوال السنوات الأربع التي استغرقتُها في كتابة الرواية كنت مهتماً جداً بهذه الحفلات، خاصة الحفل الثالث الذي لا يزال من أكثر الحفلات المفضلة لديّ».
وبشأن «عازف الغيوم» تجدر الإشارة إلى أنه ليس من الضروري أن يكون كاتبها قد تعمّد ذلك، أي المماهاة الموسيقية للعمل، بل ربما هي تمثلات خبيئة للموسيقى تسربت أثناء الكتابة، من دون ذلك التصميم المسبق، كما لدى ماركيز. وعلى أي حال أن مردّ هذا التساؤل أو الإفتراض، كون الرواية بدت قطعة موسيقية، ويمكن القول إنها رواية مجنّحة بحكم لغتها المُنسابة. قد يكون الدفق السردي أعطى مثل هذا الانطباع، فقد بدا غير متكلّف، لكأنّ علي بدر يكتب كما يتنفس، بتلقائية بيّنة، وبشكل خاص في هذا العمل. لقد سُررت عندما اكتشفت وعقب الفراغ من الحكم الذي خلصتُ له، عن انسيابية اللغة في الرواية، انّ لماركيز التصور نفسه عن الربط بين الموسيقى والكتابة الروائية، بل قد استخدم المفردة نفسها التي سبق أن ثبّتُها. يقول: «في أصغر الفقرات وأقلها شأناً في أعمالي تجدني أحافظ على ذلك الإيقاع الانسيابي». وبشأن الإيقاع في «عازف الغيوم»، فبالإضافة إلى انتظامه، فقد بدا محكماً وربما هو الأكثر إحكاماً في مجمل أعمال الكاتب، فهل أنّ لقِصر العمل وتكثيفه (110) صفحات، علاقة بذلك؟ كما قد يكون لتقسيم الرواية إلى وحدتين رئيستين كجزء أول يتضمن 16 فقرة (سوناتا بالمعنيَين الشعري والموسيقي ـ غير الحرْفي) وجزء ثانِ يشتمل على نصف فقرات الجزء الأول أي ثماني (سونيتان)، دوره في الإيحاء بهذا التناغم والانسياب، وحتى استخدام الأرقام الرومانية للفقرات ساعد في تعزيز هذا التناغم، بصَرياً، بشكل ما. واذا كان قد تمّ في فن الرسم استخدام المصطلحات الموسيقية عند التطبيق النقدي، كما في الحديث عن «الصوتي» في اللوحة لدى الفنان بول كلي. فمن الحريّ أن يكون تطبيق ذلك أكثر تواؤماً مع اللغة في وقعها وإيقاعها الروائي. إن الهارمونية التي يتحدث عنها «نبيل»، شخصية العمل المحورية، التي بحث عنها في ما يحيطه ككل، كانت الرواية محكومة بها عبر تناسق وانسجام واضحين، في مختلف (حركاتها) كما في دوافعه للهجرة، فالعوامل الطاردة من بلاده تتساوى وتتساوق مع عوامل الجذب التي مثّلها حلم الهجرة، كونه يقوده إلى مدينته الفاضلة، حسب تصوّره، والموسيقى كانت دليله وسط عالمين يتنازعانه، واقع يعيشه مُهاناً، لا مكان فيه له ولآلته الموسيقية، لأنه سيكون خارج السياق، إذ: «كل شيء جميل ورقيق يكرهه الناس هذه الأيام». وعالم يدعوه لتجربته ويعده بما يشبه الفردوس، فارشاً له الغيوم ليخلد له بموسيقاه: «سنذهب هناك، سنذهب إلى مدينة فاضلة، تقع وراء البحار../ هناك حيث يعيش الفنان فيها/ كما لو أنه يعزف الموسيقى في الغيوم».
لكن الأمر ليس بالبساطة التي تخيّلها «نبيل»، الذي مع صديقته البلجيكية «فاني» كانا بمثابة «القرار» و«الجواب»، وبتناغمهما هذا يتحقق شي من الهارموني المنشود، فالأخير هو ما كان يبحث عنه في هجرته إلى أوروبا. أما عن بقية شخوص العمل فلم يزد حضورهم عن حضور الجوقة (الكورَس).
«نبيل» المنتمي للطبقة الوسطى، وهي الوسط المفضّل للروائي، وقد اعتاده القارئ من قبل في أكثر من عمل، ينشد عالماً فاضلاً ينتظمه الهارموني، أي ذلك التآلف الذي ينتج، بالمحصلة، الجمال المرادف للسعادة التي هي غاية المدينة الفاضلة، مدفوعاً إلى ذلك الحلم دفعاً، فالمجموعات المتشددة، حتى إن كان تشددها ظاهرياً، زائفاً، فهؤلاء «وبعد أن كانوا ميلشيات لصدام تحولوا إلى ميلشيات دينية». ـ والحديث هنا عراقياً ـ هي التي اضطرته للهجرة بسبب مضايقتها واعتدائها عليه وتحطيمها لآلته الموسيقية، التشيللو، لكن مثل هذه المجموعات يجدها، ويا للمفارقة، بنسختها العربية ـ الإسلامية في بروكسل، لتمارس عليه الضغط والابتزاز ذاتهما، فيعيد الكاتب سرد تفاصيل مشابهة لما تعرض له البطل من تطفّل على حياته الخاصة في بغداد وتحطيم لآلة التشيللو، لكن على يد متشدّدي بلجيكا، هذه المرة، حتى انّ ردة فعل «نبيل» وتصرفه غبّ هذا الحدث تُستعاد حرفياً، تقريباً هنا، بوصفٍ أراد من هذه المطابقة في ردة الفعل ذاتها في مكانين وزمانين مختلفين تأكيد المنحى الكاريكاتيري، التهمكي، وهو إطار وأداة مهمة، فارقة من أدوات الكاتب التي يعالج بها موضوعه، كما دأب في الكثير من أعماله، وهي سمة من سمات مشغله الروائي، الذي تعرف عليه القارئ منذ «بابا سارتر». وضمن إطار المفارقة يكون إنقاذ «نبيل» على يد المتشددين أنفسهم، من أيدي المتطرفين البلجيكيين قبل الفتك به بعد أن انضم إلى مظاهرة لهم ضد المهاجرين.. فالمتشددون الذين سبق لهم مضايقته والتعرّض له يهرعون لتخليصه من براثن هؤلاء العنصريين، بعد أن رأوه وهم يتقاذفونه، ضرباً، معتقدين أن «نبيل» هاجم مظاهرة العنصريين، مدفوعاً بدوافعهم نفسها، فيغدو بطلاً لهم حتى أن الصحف البلجيكية الصادرة عقب الحادث أظهرته سلفيا، مرفوعا، على أكتاف جماعته من السلفيين! لكن المسألة ليست مجرد حكاية تتخللها المفارقات، فالتهكم الذي يقود إلى الضحك هو مفردة فلسفية، فالإنسان كائن ضاحك ومُضحك، وبموقف ما يمكن أن تتحول الدراما إلى كوميديا، وفقاً لبرغسون. إذ أنّ خلف قناع المفارقة تكمن قسمات عالمنا الحقيقية، التي يستثمرها علي بدر باحترافية واقتدار متعرضاً للنقاط الأكثر جوهرية، تلك التي تمسّ الهوية والتعايش والتطرّف، مدفوعةً إلى الواجهة كما ظاهرة الهجرة الجديدة، فهذه، إضافة إلى ما تقدّم، أضحت من الملامح الأبرز والأقسى للعالم، راهناً. هذه الظواهر يقاربها الكاتب من زوايا مختلفة، لكن ما لا يُغفل هو تطيّر الكاتب أو بطله منها، أي ظاهرة الهجرة، بسبب أنها باتت مخلخِلة لقيم وثوابت مدنية، سواء في أوروبا أو البلدان المحلية، فالبيئة الأساس لـ«نبيل»، وهي من الأحياء الراقية للعاصمة بغداد، صارت مهدّدة بفعل هجوم «الطبقة الرثة» بعد حرب وفوضى 2003، التي ضربت العراق وبغداد بشكل خاص، وهي استعارة من البروليتاريا الرثة، كما ترد في «الأيديولوجية الألمانية»ـ 1846، لماركس وأنجلز. بغضّ النظر عن تعريف الكاتب الخاص، فالطبقة الرثة عنتْ في الرواية: «الغوغاء وسكنة بيوت الصفيح والمشردين والشحاذين واللصوص، الذين اجتاحوا المناطق الراقية في الفترة الأخيرة». فهؤلاء هم أنفسهم مادة الميلشيات ومادة الحرب ـ الحروب الجديدة، محلياً وعالمياً. وهنا يلتقي بدر مع نبوءة الكاتب والسياسي السويدي أنغمار كارلسون في كتابه «الإسلام وأوروبا تعايش أم مجابهة؟» ـ 1994، حين أشار إلى أن النزاع بين الغرب والعالم الإسلامي، سيتخذ شكل حرب عصابات تنطلق من التجمعات البشرية المنعزلة في «غيتوات» تتنامى في ضواحي المدن (الأوروبية) الكبرى». وهو ما حدث بالفعل كما في هجمات باريس أو بروكسل أو لندن، وإن بشكل أقل وأخف وطأة ودماراً في هذه الأخيرة. ولا يخفي «نبيل» استياءه ونقده المرير لواقع المهاجرين في الغرب الذين حوّلوا أحياءهم في دول أوروبا إلى أماكن قذرة ومظلمة تُشبه الأماكن التي فرّوا منها أصلاً، كما يصفها حالَ اصطدامه بالمكان أول مرّة، وكما في هذا الحوار:
ـ هل نحن في بروكسل؟ سأل نبيل المهرب، مستنكراً.
ـ نعم، هذه بروكسل، هل أنت سكران؟
ـ لا، ولكنها أقذر من بغداد.
ـ هذه منطقة، كلها مسلمون… مغاربة وأتراك..
ـ ها، فهمت!
إن المدينة الفاضلة التي التمس «نبيل» بلوغها في أوروبا، لم يكن من وجود لها، أو قل هي منغّصة، فالكاتب يلمّح إلى انعدام التآلف والتناغم بين مجتمع المهاجرين، الذي أضحى حقيقة لا مفرّ منها، والمجتمعات الأصلية، الأوروبية المضيّفة، فمثل هذا التناغم الذي هو شرط تحقق هذه المدينة كان أشبه بوهم التحليق مع الغيوم بموسيقاه، الذي شدّه، بدءاً، إلى الهجرة ولم تشفع له معارفه أو ما انطوى عليه من رؤية متطلعة لأن يسود التوافق والاتساق العالمَ، من دون أدنى نشاز، أو ما حمله من حلم لتغيير الحياة بالموسيقى وجعلها لغة التخاطب بين البشرعوضَ اللغة المألوفة التي أضحت في كثير من الأحيان مرادفاً للضغينة والشتيمة، للتنعّم بفضائل هذه المدينة. كما كشفت له نظريات وأفكار الفارابي بخصوص مدينته الفاضلة والسعادة والعدل، التي يستعيد طرفاً منها في مهجره البلجيكي، بحنينها الجارف إلى الكمال، قد كشفت عن عمق الهوّة التي يترسب فيها الواقع إزاء طفو الأحلام وتحليقها. إذن لا وجود لغير مضادات «المدينة الفاضلة»، التي منها: «الجاهلة» و«الضالة» و«المتبدلة»، حسب تقسيم الفارابي وتسمياته.
إن الرواية لدى علي بدر فعل معرفي من هنا فهي رواية مثقَّفة، مشفوعة بتطلع الكاتب الكوزموبوليتي. والرواية، كما يتبناها مفهوماً، بحث ونقد، أو مثلما يرى إدوارد سعيد، أنها «شكل ثقافي اشتمالي تدميجي، شبه موسوعي..»..
٭ كاتب عراقي
باسم المرعبي