ينحو بودلير في واحة من النصوص التي أسماها «كآبة» والتي احتوتها مجموعته الشعرية «أزهار الشر» إلى الذاتية الروحانية، عبر اشتراك حركاته التي ينقلها إلى جسد النص، وقد أراد التعبير عن موضوعاته النفسية وفق ما استقرت عليه مخيلته، التي وجدت بأفعال الحيوانات المتشابه القريب القابل لنقل ما لديه من تلك الإحاسيس، فالتذمر هو حالة منطقية تعبر عن عدم التوافق بين عالمين، عالم يراه الشاعر لا يصلح لأي شيء، لكنه مؤثر بقوة وجوده وما يتركه من آثار تدميرية إزاء اضطرار قبوله والإجبار على التعايش معه، والعالم الآخر عالم الروح القلقة التي تخلق سعادتها دون مؤثر خارجي، إلا الحاجة للانفعال العميق بمصاحبة الرؤية السوداوية المتناسقة، التي تعبر توالداتها عن الحيز المشرق الذي يتم البناء من خلاله وعليه، للظفر باحتقان النفس في المساحات غير المعلومة، تحت تكثيف ثقل الكلمة المستخدمة، لإجادة وصف الفعل الكوني، وهي حالة قد صورها الخيال واستقرت في المخيلة، وتم إنتاجها مجددا تحت تأثير الظرف الآني المحتفى به، لتدلل غريزة بودلير الإنتاجية على القدرة على مغادرة الالتقاط الآني للمشهد، وإهمال فخامته المزيفة التي لا تدوم طويلا، ولا تعطي ما يتلاءم مع الذاتية الروحانية المتنقلة، عبر المسالك الحيوية للتأثير غير المباشر، في ما يصنع المعنى من متقاربات أو متضادات خارج إطار التنسيق المألوف للمعاني الشائعة في اللغة، الملازمة لصورها المتشابهة. تلك هي محاولة بودلير في غرضه شحن النفس بكآبته الانفعالية كي تسود وحدة الانسجام بين المناخ اللاواحد، الذي يبدو للقارئ أحيانا بأنه وحدة عضوية مترابطة، كون ذلك الإنشاد يحفل بمفردات القلق والسأم، وما يصاحب ذلك من مخرجات تتصف بصفات عالم بودلير الكئيب:
حين تنبح السماء الواطئة الثقيلة
فوق روح موجوعة، فريسة القلق الطويل
وينهمر الأفق علينا
نهاراً أشد سواداً
فالأرض زنزانة رطبة
والأمل وطواط
يصدم الجدران بجناحه الجافل
ضاربا رأسه بالسقوف المهترئة
إن اختفاء البعد الميكانيكي في النص، وكذلك التقنية المصحوبة بالمخاطر جعلت النص، تتحدث فيه الأفكار، والأصوات ترسم المشاهد، والتحسس الموسيقي ينم عن اقتدار سليم في تنظيم القفزات داخل المشاهد، وهي تولد إمكانية لتفهم الفعل المأساوي شعريا، بحيث يكون الإيحاء لا شأن له بمحددات ذلك الفعل سوى استلهام المتغير وغير المقبول منه، على أساس لا يصح التأمل، إلا بعد فصل أي مزاوجة تتم على أساس رغبة اللغة المتداولة التي تخفي أحيانا بعض الرمزية بين طياتها، لكنها رمزية غير منتجة بما يراد أبعد من وظيفتها، وبذلك يكون ذلك العناء مصدرا للتفكيك، ثم الإلغاء ثم الخلق المنفصل عن مجمل العوامل المؤثرة، التي تحول دون الوصول إلى ضخامة المعنى.
إن بودلير في «كآبة» يمنح الكلي كليته عبر لحظة غير محددة، وقد تكون في البدء غير متوافقة مع ما يريد، وخلاصته أن لديه أبعادا قادرة على جمع ما يريد، وقادرة مناطقه الإيوائية على تغذية تلك الحاجات التي تتناسل من مخيلات الشقاء والتعاسة والبؤس وإدراك النهايات المفجعة:
عربات الموتى الطويلة
بلا طبول
أو موسيقى
تسير ببطء داخل روحي
والأمل مقهور يبكي
والقلق الوحشي الظالم
يزرع رايته السوداء
فوق جمجمتي المطأطأة
إن الاشتراك والتقارب يولد الانسجام، والانسجام يعطي الفرصة للانجذاب
والانجذاب يمنح الصورة الشعرية قدرا أكبر من التكيف مع قريناتها من الصور المنتشرة في مساحة المخيلة، الأمر الذي يؤدي إلى الوصول إلى أكثر من خيار لاستخدام المناسب والمرضي، ضمن الحزين والمؤلم المتدفق من إحساس الروح وقبول غموضها ورائحة عطرها الحزين.
٭ كاتب عراقي
قيس مجيد المولى