عامان على إعلان الخلافة: تنظيم الدولة بين الانهيار بهدوء و «التمرد من جديد»

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: بعد أقل من عامين على إعلان أبوبكر البغدادي قيام «دولة الخلافة» يبدو أن تنظيم الدولة بدأ يعد أتباعه للإنهيار ويستعد لاحتمال سقوط المعاقل المتبقية في مناطق نفوذه. وترجح بعض أبحاث مراكز مكافحة الإرهاب والمعلومات الإستخباراتية، أن تنفيذ التنظيم هجمات أكثر وحشية بشكل متسارع، يمثل مؤشرا قويا على قرب هزيمته. فبعد خسارته مساحات كبيرة من مناطق عدة في سوريا والعراق، حيث إستطاع أن يسيطر على ثلث المساحة خلال العامين الماضيين، وفي الوقت الذي يتم فيه التضييق على قدراته المالية، وتمرير مقاتلين أجانب، يحاول التنظيم التعويض عن الهزائم التي لحقت به بشن هجمات تصعيدية ضد المدنيين في العراق وسوريا ودول أخرى، وهو ما أكده مؤخرا كولومب ستراك، المحلل في مركز «جاين» للأبحاث حول الإرهاب وحركات التمرد، والذي توقع زيادة الهجمات التي تستهدف أعدادا كبيرة من المدنيين في كل من العراق وسوريا ودول أوروبية رابطا تقديره بتقلص خلافة التنظيم وفشل حكمه، ما قد يدفعه إلى «التمرد من جديد». وأتت تصريحات ستراك بعد أن أعلن البنتاغون في ايار/مايو خسارة التنظيم نحو «45 في المئة» من الأراضي التي تحت سيطرته في العراق مقابل «ما بين 16 و20 في المئة» من الأراضي تحت سيطرته في سوريا. في المقابل، أشارت أبحاث مركز «جاين» عن «تقلص مساحة سيطرة التنظيم في سوريا والعراق بنسبة 12 في المئة خلال الاشهر الـ 6 الأولى من 2016». وبحسب المركز، فقد تراجعت مساحة سيطرة تنظيم «داعش» العام 2015 إلى «78 ألف كيلومتر مربع، بنقصان 12،800 كيلومتر مربع» عن عام 2014. وفي بحث صدر عن مؤسسة «IHS» لأبحاث وتحاليل الصراعات، أظهرت النتائح تقلص أراضي تنظيم «داعش» بنسب متشابهة. ويتعرّض التنظيم، نتيجة هزائمه على الأرض، إلى ضغوط مالية خاصة بعد انخفاض إنتاجه من النفط في المناطق التي يسيطر عليها، ما دفعه إلى خفض الرواتب التي يدفعها لعناصره في الرقة مؤخرا بنسبة 50٪.
كما هبط دخل التنظيم وعدد السكان الخاضعين لسيطرته  بواقع الثلث، وفقا لشركة تحليلات مقرها الولايات المتحدة. وأشار خبراء مكافحة الإرهاب في الإدارة الأمريكية في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن قادة «داعش» بدأوا يستعدون بهدوء لانهيار «الخلافة» وأن الهجمات الدامية التي وقف وراءها التنظيم في إسطنبول وبغداد، كانت إلى حد كبير ردا على الانتكاسات العسكرية في العراق وسوريا، مرجحين «أن تستمر وتزداد كثافة، مع تحول التنظيم من شبه دولة تستحوذ على نطاقات إقليمية إلى شبكة غامضة ومنتشرة، لها فروع وخلايا في 3 قارات على الأقل».
 وخلال هذا الإسبوع، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن تنظيم الدولة الإسلامية بدأ ينهار بعد أن استطاعت القوات العراقية تحقيق تقدم ملحوظ في عملية تحرير الموصل. كما أوضح العبادي أن أعداد قتلة التنظيم تقدر بالمئات في القيارة إضافة إلى مئات القتلى في قاطع الفلوجة، وقتل نحو 1000 إرهابي منهم بعملية تدمير رتل في صحراء الأنبار. كما ورجح المحلل لودوفيكو كارلينو أن «الانتكاسات العسكرية على الأرض كان لها تأثير على التماسك الداخلي للتنظيم، وهو ما تكشفه الزيادة الواضحة في الانشقاق وعمليات الفرار منذ كانون الثاني/يناير الماضي». من جهة أخرى، أكد مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية انه تم انجاز «المراحل العشر» الأولى من الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وبين هذه المراحل استعادة السيطرة على عدد من المدن الكبرى في البلدين. وقال مسؤول أمريكي في نهاية حزيران/يونيو ان «الإدارة الأمريكية تأمل بانهاء هذه الحملة قبل نهاية صيف 2017.»
وبالرغم من أن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية أكدوا تراجع حظوظ التنظيم في ساحة المعركة، إلا أنهم أشاروا أيضا أن طبيعة التنظيم، اللامركزية إلى حد كبير، تضمن أنه سيبقى خطيرا لبعض الوقت في المستقبل. وهذا ما أوضحه الجنرال في سلاح الطيران بيتر غريستن نائب قائد العمليات والمخابرات في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في التقرير الذي أعده استنادا إلى معلومات من لجنة مكافحة الإرهاب حين قال «نرى صدعا في معنوياتهم ونرى عجزهم عن دفع الأموال ونرى عجزهم عن القتال ونشاهدهم يحاولون ترك داعش بشتى السبل» مضيفا أن تهديد التنظيم «لا يزال مرتفعا، ويواصل تنوعه». فيما يرى ماثيو ليفيت، مدير برنامج مكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن زيادة التنسيق يشبه «الضغط على بالون مالية التنظيم وإن لم تؤد إلى خرقه». ويعتقد أن من الضروري التعاون حول موضوع يعتبر مهماً لتدمير تنظيم «الدولة».
 
تقلص الأراضي
 
يسيطر تنظيم الدولة حاليا على 68300 كيلومتر مربع في سوريا والعراق، مقابل أكثر من 90 ألف كيلومتر مربع مطلع عام 2015 وفقا لتحليل مؤسسة «آي.إتش.إس» المتخصصة في أبحاث وتحاليل الصراعات. وكشفت خريطة حديثة للمؤسسة، نشرها موقع «سي أن أن» في إنفوغرافيك، أن تنظيم «الدولة الإسلامية» يسيطر على ما يُساوي تقريبا حجم إيرلندا، مقارنة بالمساحة التي كانت تبلغ 78 ألف كيلومتر مربع في بداية هذا العام. ووفقا للمعطيات، تعد خسائره الكبرى في منطقة سنجار ومدينة الرمادي، كبرى مدن محافظة الأنبار، والفلوجة، التي اعتبرت أكبر الانتصارات التي حققتها السلطات ضد التنظيم هذا العام، ومدينة تل ابيض ذات الغالبية الكردية في محافظة الرقة، معقل التنظيم الأبرز في سوريا، إضافة إلى مدينة تدمر الأثرية. وتبرز أهمية هذا التراجع في السيطرة على الأراضي في مقولة جوناثان شانزر، نائب مدير «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» حين قال أن «هناك عددا من التحركات يمكن اتخاذها لتخفيض تدفق المال. إلا أن التحرك الأهم هو: إن أردت حرمان تنظيم الدولة من المال فاحرمه من الأراضي». فهذه المناطق هي التي تمنحه القدرة على مراكمة المال بطريقة جعلته من أكثر الجماعات الإرهابية ثراء في التاريخ. وقياسا على ذلك، كان مقاتلو «داعش» قد سيطروا فعلا على مصرف الموصل وأخذوا منه 425 مليون دولار أمريكي كما سيطروا على مناطق ذات خصوبة زراعية عالية وفيها صناعات ثقيلة. وبحسب تقرير أعدته وكالة أنباء «رويترز» في 2014 فقد وقع 13 حقلا نفطيا تحت سيطرة التنظيم و3 مصاف و5 مصانع للإسمنت وعددا كبيرا من صوامع القمح ومناجم استخراج الملح، مما رفع من قدراته المالية والقتالية.
 
 النفط
 
أدت عمليات القصف التي تعرض لها «داعش» إلى «اضطراب» في إنتاج حقول النفط التي سيطر عليها التنظيم في العراق، حيث بلغت عائداته نحو «500 مليون دولار» العام 2015، أي نصف إيراداته الإجمالية، إضافة إلى سوريا حيث احتكر التنظيم صناعة النفط وسيطر على 160 حقلا نفطيا. وانخفضت مبيعات التنظيم من النفط إلى 14 مليون دولار في الشهر بعد أن كانت 39 مليون دولار، بحسب ما تحدث به صحافي عراقي ما زال يقطن داخل مدينة الموصل عاصمة التنظيم في العراق.
وانخفض إنتاج النفط إلى 21 ألف برميل من 33 ألف برميل خلال أقل من عام بعد أن لحقت أضرار بمنشآت الإنتاج جراء القصف. ويوضح المصدر في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي» أن التنظيم خلال عملية بيعه النفط الخام إلى التجار لا يتدخل في الجهة التي ستشتريه أو الدول التي تصدر إليه «ما يعنيه فقط هو بيع الكميات المتوفرة فورا خوفا من تعرضها للقصف، بالإضافة إلى حصوله على أفضل سعر ممكن».
ويضيف: «جزء ليس قليلا من البترول الخام يعمل التنظيم على إعادة تكريره لبيعه للسكان في مناطق تواجده، وجزء آخر يحصل عليه تجار محليون خاما، ويعملون على تكريره بوسائل بدائية لبيعه في السوق السوداء بأسعار أرخص للمواطنين في مناطق خارج سيطرته، وجزء ثالث مهم يتم تصديره للخارج».

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان الإسبوع الماضي أن التنظيم أصدر عملة من فئة «الدينار الذهبي» وبدأ بتداولها في ريف دير الزور. وقال المرصد أن التنظيم قام بحصر بيع النفط للتجار مقابل «الدينار الذهبي»، الذي يقوم التنظيم ببيعه لمحلات الصيرفة، مقابل 190 دولارا للدينار الواحد الذي يصل وزنه لنحو أربع ونصف غرام، وبدورها تقوم محلات الصيرفة ببيعه للتجار مقابل 50،190 دولار للدينار الواحد.
وحسب المرصد، شوهد التجار يقبلون بشكل كبير على شراء «الدينار الذهبي» من أجل تيسير أمور تجارة النفط التي يقومون بها، والذي منع التنظيم بيعه للتجار إلا مقابل العملة الجديدة «الدينار الذهبي».
ورجحت مصادر أن تكون عملية إصدار تنظيم «الدولة الإسلامية» العملة الجديدة وحصر تداول النفط بها، وعدم قبول أي عملة أخرى في عمليات البيع والشراء لمادة النفط، بمثابة إجراء من قبله لكسب أرباح مالية سريعة بعد استهداف مصادر تمويله وعصبه الاقتصادي في عدة مناطق سورية والنقص الكبير في موارده وتمويله.
  
الضرائب

 بلغ عدد سكان المناطق التي يسيطر عليها التنظيم من الذين يدفعون الضرائب حوالي تسعة ملايين نسمة في بداية عام 2015 في حين أصبحت أقل من ستة ملايين حاليا، بحسب دراسة أعدتها الشركة الاستشارية «آي إتش أس» ونشرتها صحيفة «دايلي تلغراف» البريطانية. وقال التقرير إن نحو 50 في المئة من عائدات تنظيم الدولة الإسلامية يأتي من فرض الضرائب والمصادرة و43 في المئة من النفط والباقي من تهريب المخدرات وبيع الكهرباء والهبات. وأظهر التقرير إن التنظيم بدأ في السماح للسكان الذين فُرضت عليهم عقوبات بدفع أموال نظير عدم تطبيق هذه العقوبات وهو ما يشير إلى صعوبات مالية. وكشف مسؤول رفيع في الخزانة الأمريكية الشهر الماضي  إن تنظيم «الدولة الإسلامية» يواجه صعوبات في دفع رواتب مقاتليه، واضطر إلى فرض ضرائب جديدة تعويضا عن خسائر ناجمة عن قصف التحالف الدولي. كما أضاف إن التنظيم فرض أيضا ضرائب جديدة على أنشطة مثل وضع أطباق لالتقاط إرسال الأقمار الصناعية أو الخروج من المدن. ويمكن فرض غرامات على من يعطي إجابات خطأ على أسئلة تتعلق بالقرآن.
 
العائدات

انخفضت ايرادات تنظيم الدولة حوالي 30٪ العام الماضي. ووفقا لمركز «جاين» انخفضت العائدات الشهرية للتنظيم من 80 مليون دولار أمريكي في آذار/مارس 2015 إلى 56 مليونا في آذار/مارس 2016. وقال المحلل في المركز لودوفيكو كارلينو: «واصل هذا الرقم الانخفاض بنسبة 35 في المئة على الأقل». واعتبر ان من شأن الخسائر العسكرية الميدانية ان تؤثر على التماسك الداخلي للمجموعة. كما أن الغارات الجوية الأخيرة استهدفت مخابئ الاحتياطي النقدي، ما أدى إلى حرمان التنظيم من أكثر من 100 مليون دولار بحسب دانيال غلاسر، مساعد الوزير المكلّف لمكافحة تمويل الإرهاب.
وقال كارلينو إن «تنظيم الدولة الإسلامية ما زال قوة في المنطقة ولكن هذا التراجع في العائدات رقم مهم وسيزيد التحدي لهذه الجماعة على إدارة أراضيها على المدى البعيد».
وقد أظهرت دراسة نشرها في منتصف نيسان/أبريل مكتب «اي اتش اس جاين» الاتجاه نفسه، مشيرة إلى أن إيرادات المجموعة الجهادية انخفضت بنسبة 30٪ منذ العام الماضي. وترى صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أن تنسيق الجهود الدولية واستهداف مالية الجهاديين قد تعود بثمار جيدة. فقد استخدمت الولايات المتحدة تقارير مصرفية عن عقود مثيرة للشبهة من أجل استهداف المواقع التي يتم فيها إنتاج وتحميل النفط. 

تراجع عدد المقاتلين

 لا توجد حتى الآن تقديرات دقيقة لعدد عناصر تنظيم الدولة، ذلك أن معظم الأبحاث تشير إلى أرقام متفاوتة تبدأ من 25 ألفا حتى 100 ألف مقاتل. إلا أن تقديرات كشفتها أبحاث حديثة  تشير إلى أن التنظيم فقد آلاف المقاتلين في العامين الماضيين وشهد تقلصا كبيرا في نسبة تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق عام 2015. وأشار تقرير المخابرات الجديد إلى أن عدد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا يتراوح فقط ما بين 19 و25 ألفا مقابل تقديرات 2014 بتراوح عدد المقاتلين بين 20 و31 ألفا. 
من جهة أخرى، نقل التقرير عن إحدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إن عدد المقاتلين الأجانب في العراق وسوريا وصل إلى 38 ألف مقاتل، رغم أن معظم الحكومات تقدّر العدد بنحو 30 ألف مقاتل فقط، وهي جميعها تقديرات متفاوتة جدا. وأشار مسؤولون أمريكيون إلى عوامل مثل القتلى في ساحات المعارك والفرار من صفوف التنظيم لتفسير هذا التراجع.  وقال جوش ايرنست المتحدث باسم البيت الأبيض إن «تنظيم الدولة الإسلامية يواجه صعوبة أكثر من ذي قبل في تعويض النقص في صفوفه». وقالت إميلي هورن وهي متحدثة باسم مجلس الأمن القومي إن هذا «التراجع يعكس التأثير المشترك لقتلى ساحات المعارك والفرار من صفوف التنظيم والإجراءات التأديبية الداخلية والنقص في عمليات التجنيد والصعوبات التي تواجه المقاتلين الأجانب في السفر لسوريا».
كما وذكر تقرير نشره رئيس سابق في المخابرات البريطانية العام الماضي إن سوريا أصبحت الحاضن العالمي الرئيسي للجيل الجديد من المتشددين، حيث جند التنظيم ما يصل إلى 31 ألف مقاتل أجنبي في الأشهر الثمانية عشرة الماضية. لكن الجنرال في سلاح الطيران بيتر غريستن قال في نيسان/ابريل إن عدد المقاتلين الأجانب الذين ينضمون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا تراجع بشكل حاد العام الماضي إلى نحو 200 مقاتل في الشهر. وقال غريستن خلال إفادة صحافية إن الرقم يظهر تراجعا جذريا مقارنة بالعام السابق حين بلغ عدد الأجانب المنضمين للتنظيم في العراق وسوريا ما بين 1500 و2000 شهريا. وكشف أن عدد المقاتلين المنشقين عن التنظيم زاد لكنه لم يقدم أرقاما محددة. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قالت في وقت سابق من نيسان/ابريل إن عدد مقاتلي التنظيم في العراق وسوريا أصبح أقل من أي وقت في العامين الماضيين.

عامان على إعلان الخلافة: تنظيم الدولة بين الانهيار بهدوء و «التمرد من جديد»

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية